مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 19

(19) التاريخ مش صدفة، ولا بيتكتب في لحظة طيش. التاريخ بيتعمل على مهل، بصبر طويل، وفي سكات السنين، وعلى إيد قائد عقله بيوزن كل خطوة بيخطيها بالميزان. كانت الرها هي العقبة الصعبة والشوكة العالقة في طريق أمل الأمة كله.. الحصن المنيع اللي احتله الصليبيين 50 سنة كاملة، فاكرين إن جدرانه أمان، وإن أيدي المسلمين مش هتوصل له أبداً. لكن "عماد الدين زنكي" كان ليه رأي تاني؛ 5 سنين كاملة من الشغل الصامت وفي السر، يرتّب أوراقه، ويخدع العيون، ويستنى لحظة القدر بمنتهى الهدوء.

كان "عماد الدين زنكي" قائد واقعي لأقصى درجة، معندوش استعداد للأوهام تضيعه؛ عارف كويس جداً إن حصون الرها منيعة ومحصنة كويس جداً، وعارف إن "جوسلين التاني" وجيشه لو اتحصنوا جوة حصونهم هتبقى عملية اقتحامها شبه مستحيلة. والتاريخ المسجَّل لزعماء المسلمين على مدار 50 سنة فاتت كان شاهد على الحقيقة دي. عشان كدة الخطة في عقل "زنكي" كانت مبنية في الأساس على المباغتة والذكاء الاستراتيجي، يضرب الرها في اللحظة اللي المدينة تفضى فيها من قائدها وجيشه. بس ده هيحصل ازاي؟ ازاي يخدع "جوسلين التاني" ويسحبه بجيشه بره وبعيد عن الرها؟

بدأ "زنكي" ينسج الخدعة، يتظاهر إنه طالع يهاجم بعض حصون حليف "جوسلين التاني"، "قرا أرسلان بن داوود"، ويتحرك بجيشه لمنطقة قريبة من الرها. وفي نفس الوقت، ينشر إشاعة إن فيه قوات مساعدة جاياله من حلب. الخطة هنا كانت معتمدة على إن جوسلين يبلع الطُّعم. وزنكي كان عارف كويس إن الفرنجة مش هيسيبوا حليفهم لوحده في الميدان، لأن الرها مكنتش واقفة على أسوارها بس، كانت واقفة على التحالف اللي بين "جوسلين" و"قرا أرسلان"، ولو الحليف وقع، الدور هييجي عليه بعده. ويطلع "جوسلين التاني" بجيشه برة الحصون عشان يقطع الطريق على معونة حلب. وبمجرد ما "جوسلين" يبلع الطعم ويخرج ويبتعد عن الرها، يغير "زنكي" وجهته فوراً، يسيب مناطق الأراتقة، ويطير على الرها؛ وساعتها بس تفتح فرصة العمر باب إسقاط المدينة المستحيلة.

وفي أواخر شهر ربيع الثاني سنة 539 هـ  / نوفمبر 1144 م، أصدر "عماد الدين زنكي" أمر صارم  لكل الأمراء والجنود والفرق والجيوش، أن لا يتخلف أحد عن هذه الموقعة بالذات. فخرجوا جميعاً بلا استثناء. ووسط زحمة الجيوش اللي لبوا النداء، كان واقف شاب عيونه بتبرق بذكاء الصقر، بيراقب كل حركة وكل أمر، "نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي" في الوقت ده، كان واقف في قلب الصفوف مع قوات حلب والشام الشمالية. مكنش قاعد متفرّج، كان واقف بيشرب الصنعة عسكرية وسياسية مباشرة من عقل أستاذه ومعلمه الأول "عماد الدين زنكي"؛ بيشوف بعينه إزاي الحصون بتتعزل بالدهاء، وإزاي الخدعة السياسية بتترسم، وإزاي القائد الحقيقي بيمسك خيوط المعركة من كل أطرافها. خرج "عماد الدين زنكي" بجيش كثيف وجرار من الموصل متوجه ناحية الرها. خرج بالجيش اللي بذل عمره وسنين حياته كلها عشان يبنيه ويجهزه للحظة دي.

اخد "عماد الدين زنكي" جيشه ده الأول لمدينة آمد التابعة للأراتقة، عشان يوهم "جوسلين التاني" وعيونه من الجواسيس إن "زنكي" مش رايح ناحية أصلاً ولا بيفكر فيها. وبكدة دخلت الخدعة على "جوسلين" وصدقها، خصوصاً إن "زنكي" كان بقاله 6 سنين كاملة مشغول في معاركه في أرض الجزيرة مع الأراتقة، فالموضوع بالنسبة لصليبيين كان شكله عادي ومفيش فيه أي جديد.

واستكمال للخطة بعت "زنكي" عيونه ورا إشاعة خروج مدد جديد من حلب، وسابها تمشي بين الأسواق والخانات، تتنقل من لسان للسان، لحد ما وصلت لقصر "جوسلين التاني" في الرها. و"جوسلين"، اللي كان شايف في نفسه فارس الشمال، ما استناش. جمع رجاله وخرج من الرها بالجزء الأكبر من جيشه، وساب وراه مدينة أسوارها عالية، بس رجالتها قليلين، وأغلبهم مرتزقة بيحاربوا على قد ما بيقبضوا. وزي ما رتب وخطط "عماد الدين زنكي"، خرج "جوسلين التاني" بجيشه للجنوب عشان يقطع الإمدادات العسكرية الإسلامية اللي جاية من حلب زي ما الاشاعة وصلته. وفي نفس لحظات فتح أبواب الرها وخروج جيشها، نقلت عيون "عماد الدين زنكي" الخبر، الهدف خرج من جحره.

العيون كانت راصدة تحرك جيش "جوسلين التاني" لحد ما بعدوا عن الرها بنفس المسافة اللي حددها "زنكي" ساعتها بعتوا الحمام الزاجل بالاشارة، وأول ما وصلت غير "زنكي" اتجاه الجيش بسرعة البرق؛ قسم التحرك لطريقين عشان يشتت عيون الصليبيين لو رصدوا أي حركة لجيشه. وتحت سترة الليل والظلام الدامس، أخد الجيش الرئيسي من طريق، وبعت حاجبه وقائد جيشه "صلاح الدين الياغيسياني" بفرقة تانية من طريق تاني خالص.

الليلة اللي اقتربوا فيها من أسوار الرها كانت ليلة قاسية جداً؛ المطر نازل فيها سيول، والبرد قارس ينزل على الأجساد زي السكاكين. لكن الظروف الجوية المرعبة دي مكنتش سبب لتعطيل تقدمهم، بالعكس كانت الستار الإلهي اللي منع عيون الصليبيين وجواسيسهم من رصد الطوفان الإسلامي المتقدم.

وأول ما نور الصبح طلع يوم 28 ربيع الثاني 539 هـ / 25 نوفمبر 1144 م، فرك الصليبيون المصدومون داخل المدينة عيونهم بذهول، فتحوا عيونهم على منظر الجيوش الإسلامية بالالاف على مدد الشوف، وهي محاوطة مدينة الرها من كل جانب، وكأنهم سوار من حديد على معصم شاحب. من الصدمة الصليبيين مبقوش مستوعبين الجيوش المرعبة اللي ماليها عدد دول جم ازاي ومنين وامتى، كأنهم هبطوا عليهم من السماء مع الامطار.

الأخبار المفزعة بتوصل لـ"جوسلين التاني" بس بعد فوات الأوان، اتفاجئ واتخض لما عرف الطوفان اللي حوالين امارته، يعني راح يلحق حليفه فالمفاجأة أنها جت فيه هو. لكنه خاف يرجع على الرها فيصطدم بالقوات الاسلامية الجبارة لوحده. قرر يهرب ويروح مدينة تل باشر التابعة له، مدينة بيفصلها عن الرها نهر الفرات العظيم، عشان يفضل قريب من مسرح الأحداث ومتابع التطورات أول بأول، وفي نفس الوقت متحصن ورا عائق مائي يديه الأمان والوقت الكافي للهرب لو الجو اتقلب عليه وبقت خطرة.

ومن جوه مخبأه، بعت رسايل استغاثة عاجلة لكل حتة تيجي على باله؛ بعث لأنطاكية رغم الخلاف والكره الدفين بينه وبين "ريموند بواتييه"، وبعث لمملكة بيت المقدس للملكة الوصية على العرش "ميلزاند" على الرغم من ضعفها وبُعد المسافة الطويلة بينهم. لكن الرياح بتيجي بما لا تشتهيه السفن الصليبية، "ريموند بواتييه" بكل برود رفض يساعده نهائي، واعتذر بأنه مشغول في حربه في إقليم قليقية ضد الدولة البيزنطية ومش فاضي للرها ولا للي فيها. أما الملكة "ميلزاند"، فعلى الأقل استجابت للواجب وبعثت قوة عسكرية عاجلة على رأسها "فيليب" أمير نابلس و"أليناند بورس" أمير الجليل. بس للأسف، المسافة الطويلة والبُعد الجغرافي خلوا القوة دي تتحرك ببطء، وفي النهاية وصلوا بعد فوات الأوان، وكأنهم جايين يعزوا في بلد راحت.

وعلى الجانب الآخر نداء الجهاد العظيم اللي أطلقته تحركات "عماد الدين زنكي" كان عامل زي السحر في قلوب المسلمين، حرّك الروح في عموم الأمة، فبدأت آلاف الناس من عامة المسلمين ينطلقوا ناحية جيش "زنكي" يتطوعوا معاه من كل حتة في شمال العراق، لحد ما جيش "زنكي" كبر أكتر من الأول كمان وتضخم أضعاف وبقى عدده يخرج عن الحصر والاحصاء.

"عماد الدين زنكي" مسبش ثغرة؛ أغلق بإحكام كل الطرق المؤدية للرها عشان يقطع أي أمل في وصول أي قطرة إغاثة للمدينة. ونصب آلات الحصار الضخمة والمرعبة حوالين الأسوار، ومنها عشرات المجانيق اللي بدأت تدك المدينة بقصف قوي، عنيف، ومبيوقفش لحظة واحدة طوال أيام الحصار. جوه المدينة، الصليبيين حسوا إن الموت بيحاصرهم من كل ناحية، خصوصاً إن "جوسلين" كان واخد معاه معظم القادة اللامعين والخبرات العسكرية، ومبقاش جوه الأسوار حد بيملك أي مؤهلات عسكرية تدير الأزمة المرعبة دي.

وقصاد الفراغ العسكري والانهيار ده، تقدم الأساقفة واخدوا زمام المبادرة وقادوا المقاومة، وكان على رأسهم الأسقف الكاثوليكي "هيو الثاني"، ومعاه الأسقف الأرمني "يوحنا" والأسقف اليعقوبي "باسيل". ولأن "زنكي" دايماً سابق بخطوة وعنده عيون جوه المدينة بتجيب له دبة النملة، وصلت له الأخبار دي فوراً. ففكر في حركة ذكية عشان يخلخل الصفوف ويفرق التجمعات المسيحية دي. راسل "زنكي" اليعاقبة والأرمن أساقفة المسيحيين الشرقيين، وعرض عليهم الأمان الكامل مقابل التسليم من غير دماء. في البداية رفضوا لكن مع ضغط الحصار وخوفهم الشديد، مالوا في النهاية لقبول فكرة التسليم والأمان. أصل أهل البلد الأصليين من الأرمن واليعاقبة مكنوش صليبيين جايين بغرض استعماري، دول ناس غلابة عايشين على أرضهم، مغلوبين على أمرهم، ومقهورين تحت الاحتلال الصليبي. فلما الحصار اشتد والموت على البيبان، قالوا واحنا مالنا ومال حرب الصليبيين وكبرياؤهم؟ خلينا نسلم وننقذ أرواحنا وأرواح أهالينا، وبالفعل كانوا خلاص هيميلوا للتسليم وحقن الدماء. لكن  الأسقف الكاثوليكي "هيو الثاني"، ممثل التعصب الأعمى والغطرسة الصليبية، بسلطته الدينية ونفوذه، كبس على نفس الأساقفة التانيين، ورفض فكرة الأمان تماماً، وأجبرهم بالقوة والتهديد إنهم يكملوا طريق المقاومة العبثية لآخر لحظة عشان يحموا مصالح الصليبيين وحدهم.

وبدأت المدينة تدخل في مرحلة حرجة وصعبة جداً؛ المؤن والأغذية بدأت تخلص، ومبقاش فيه أي فرصة أصلًا لوصول "جوسلين" أو لاختراق الاستحكامات العسكرية الدقيقة اللي "زنكي" زرعها بحرفية على كل المحاور المؤدية للمدينة. وظهر السلاح السري الخطير لـ"زنكي" المتمثل في فرقة النقابيين وهي فرقة متخصصة في هدم الأسوار، ناس شغلتهم يحفروا وينقبوا تحت الأساسات والتحصينات. تقدمت الفرقة دي بكل شجاعة وعزيمة، وبدأت تمارس شغلها بحماس، وتكسر في أسوار المدينة وأساساتها من تحت، وهي متغطية ومحمية بستار القصف المستمر للمجانيق الإسلامية اللي مبيقفش على المدينة.

ومع مرور الأيام والساعات، بدأت تباشير النجاح تلوح في الأفق؛ وبرغم شراسة المقاومة الصليبية، إلا أن جدران وأجزاء أساسية من السور بدأت تتأثر وتتخلخل. وساعتها دب الحماس اكتر في قلوب النقابيين، وضاعف المجاهدون من جهدهم وطاقتهم أضعاف مضاعفة، والعمل مبيوقفش ولا ثانية، ومفيش بني آدم توانى أو تكاسل عن بذل أقصى طاقته عشان تفتح أبواب النصر.

في يوم 26 جمادى الآخرة سنة 539 هـ / 23 ديسمبر سنة 1144 م، وبعد 28 يوم كاملة من الصبر والمصابرة، والحصار الخانق، ودق المجانيق اللي مبطلش، أذن الله تعالى أخيراً لسور الرها المنيع أن ينهار ويتداعى. ومع اللحظة اللي شاف فيه الجنود بعينيهم انهيار جزء من السور، فجأة انفجر الحماس في قلوب الجيش المسلم كأنه بركان، وعلت صيحات الله أكبر من كل حدب وصوب، تزلزل الأرض والسماء. انطلق جموع المسلمين زي السيل العارم الجارف ناحية الفتحة المنهارة في السور، ودخلوا منها داخل المدينة الحصينة زي الطوفان. اشتبك المسلمين اللي دخلوا من الفتحة المنهارة مع حامية الباب الصليبيين، وفي لحظات معدودة كانت الغلبة للمسلمين، وجريوا فتحوا الأبواب من الداخل، عشان يدخل الطوفان الأعظم، الجيوش الاسلامية الكثيفة كلها في المدينة، وكان أول واحد فيهم يدخل من اسوار الرها البطل والقائد العظيم "عماد الدين زنكي" بنفسه، عيناه ترمق أفق النصر.

وأول ما وطئت قدم الجيش أرض المدينة، اصطدمت الجيوش الإسلامية بالحامية الصليبية المرابضة في الداخل. وكان أول من حمل على الصليبيين واقتحم الصفوف هو "عماد الدين زنكي" شجاعةً وقدوة. واشتد الصراع بوحشية وقوة في كل زاوية وشارع، والفوضى ملت أرجاء المدينة، وارتفعت سحب الغبار والدخان في كل مكان، وسالت الشوارع بالدماء، وتناثرت الأشلاء في معركة حامية الوطيس. وفي وسط المعركة، سقط الأسقف الكاثوليكي "هيو الثاني" صريعا في القتال، وبسقوطه انهارت معنويات الصليبيين تماماً وتلاشى أي أمل عندهم، فهربوا بعشوائية وتخبط على القلعة المنيعة الموجودة في قلب المدينة. وفي النهاية، أحكم المسلمين السيطرة بالكامل على الأبراج، والأسوار، والأبواب، وكل المحاور الحيوية داخل المدينة. وسقط القتلى من الصليبيين بالآلاف، وأرسل الله جند من أجناده تساعد المسلمين وهو الرعب، ألقى الله تعالى الرعب والذعر الأعمى في قلوب من تبقى منهم.

انطلق الجنود المسلمون في كل مكان يملأون أيديهم من الثروات الضخمة، والسبي الكثير، والغنائم اللي لا تحصى ولا تُعد. مضيعش "زنكي" الوقت؛ أخد فرقة إسلامية قوية وحاصر بيها القلعة الملاذ الأخير للصليبيين داخل المدينة. ومفيش يومين بس، الا وسقطت القلعة الحصينة في ايد المسلمين. وقتل "عماد الدين زنكي" كل اللي فيها من الصليبيين العسكريين، وأبقى على حياة المسيحيي الشرقيين الأرمن واليعاقبة سالمين. أصدر "عماد الدين زنكي" في حقهم عفو عام وشامل؛ على الرغم أنهم شاركوا مع الصليبيين في الدفاع عن المدينة طوال الحصار، إلا أنه قدر ظروفهم الإنسانية، كان عارف أنهم قُهروا وأجبروا على ذلك من الأسقف والصليبيين، فسامحهم، وعذرهم، وأمنهم على أرواحهم وأموالهم، عشان تتكتب صفحة من أروع صفحات العدل والشهامة النبيلة في تاريخ الفتوحات.

ده كان يوم من أيام الله الخالدة، يوم من أيام الإسلام المشهودة اللي رجعت للأمة هيبتها وروعتها. ولما ظهر تفوق المسلمين الواضح وتاكد، واستتبت الأمور بالكامل لـ"عماد الدين زنكي" وجيش المسلمين، أصدر أمره بوقف عمليات القتل وتأمين الجميع، ما عدا الصليبيين العسكريين اللي حاربوا، فقتلهم، وأخدوا النساء والأطفال سبايا. 

مشهد الفتح العظيم ده مكنش مجرد معركة كسبناها وخلاص، ده كان زلزال هز أركان الدنيا كلها. وزي ما وثقها المؤرخ الكبير "ابن الأثير" بكل إبهار وشغف فقال: "لم ينتفع المسلمون بمثله، وطار في الآفاق ذكره، وطاف بها نشره، وسارت به الرفاق، وامتلأت به المحافل في الآفاق، وكان هذا فتح الفتوح حقاً، وأشبههم ببدر صدقاً".

"عماد الدين زنكي" مهدّاش ولا قعد يرتاح، يادوبك سقطت الرها، وأخدته حمية النصر فجرى زي الاعصار على كل الحصون اللي حواليها والتابعة ليها، هو شهر وفتح حصن سروج في رجب سنة 539 هـ. مبقاش فاضل من الإمارة الصليبية العتيدة دي غير كام مدينة صغيرة غرب الفرات، وأهمهم تل باشر اللي مستخبي فيها الهارب "جوسلين التاني" وهو ميت من الخوف والرعب. وبكده الإمارة اللي كانت أول إمارة صليبية تتأسس في الشرق، بقت أول إمارة ترجع في ايد أهلها الأصليين وتتطوي صفحتها إلى الأبد.

الدنيا قامت ومقعدتش من الفرحة، الشوارع الإسلامية كله غرق في الاحتفالات، والناس في كل البلاد الاسلامية هزت الساحات بالتهليل والتكبير، والخطباء على المنابر يصفوا بيحاولوا يوصفوا العزة اللي رجعت للقلوب، والشعرء بأشعارهم يتغنوا بالعزة والنصر وأشعاهم تلف البلدان من الشرق للغرب.

الأخبار لما وصلت لحد بغداد، هزت قلب الخليفة العباسي "المقتفي لأمر الله" اللي كان مشهور عنه التقوى، ومن شدة حماسه وفرحته بعت لـ"زنكي" كمية من التشريفات والتشجيع والهدايا، وأنعم عليه بألقاب تليق بأسطورة حية، ألقاب عمرها ما اخدها قائد قبله، منها الملك العادل، ركن الإسلام، الأمير المظفر، عمدة السلاطين، زعيم جيوش المسلمين، وملك الأمراء، ألقاب ضخمة بتعلن ميلاد زعيم مستقل، وشايل على كتافه هموم أمة بحالها.

حتى السلطان "مسعود السلجوقي" في بغداد لما شاف نصر "زنكي" الاعجازي الساحق، ووقوف الأمة وراه، سكت تماماً وتراجعت كل أفكاره العدائية، وبلع سكينة الحكمة؛ عرف حجمه الضئيل الحقيقي جنب البطل الهمام، فظلت العلاقات بينهم طيبة ومستقرة لحد آخر يوم في عمر "زنكي". وحتى الأراتقة في أرض الجزيرة، "قرا أرسلان" و"حسام الدين تمرتاش" لمّوا نفسهم وسكتوا، وكل واحد قنع باللي في إيده وهو عارف كويس مين كبير الميدان، ومحدش فيهم تجرأ ينطق ببنت كلمة، يعني كل قرد لزم شجرته ورجعت الفيران لجحورها.

ودي كانت لحظة الميلاد الحقيقي لـ "الدولة الزنكية"؛ أقوى دولة في المنطقة كلها، وراثة هتاخد الراية من الدولة السلجوقية، و"عماد الدين زنكي" فيها هو المؤسس البطل اللي ولاده هيشيلوا راية الجهاد من بعده، وتدينه بالولاء كل قبائل وعائلات المنطقة.

لكن في الناحية التانية الصورة كانت مرعبة ومظلمة جوه معسكر الصليبيين. صدمة نفسية هدت حيلهم، وإحباط أعمى مخلّاش عندهم أي أمل في بكرة. الخبر طار لأوربا وصحاهم من سباتهم العميق، والملكة "ميلزاند" بعت رسايل استغاثة وصيحات مقهورة وذليلة للبابا في روما. صرخات استنجاد بقت هي النواة المباشرة اللي هتكون السبب في الحملة الصليبية الثانية بعد سنين قليلة.

وحتى "ريموند بواتييه" أمير انطاكية، اللي كان نافخ نفسه ورايح يحتل قليقية، لقى نفسه فجأة واقف لوحده في الميدان قدام الطوفان الإسلامي الجديد. فاضطر صاغر إنه يروح يغازل الإمبراطور البيزنطي "مانويل كومنين" ويبدأ معاه مباحثات عشان يتحالفوا سوا ضد المسلمين. وغصب عنه، سحب الإمبراطورية البيزنطية تاني لحلبة صراع الدم مع الصليبيين.

وفي أرض الاسلام اتفتحت البيبان المقفولة؛ الطرق بين الموصل والشام بقت آمنة تماماً، العراق وسوريا بقوا حتة واحدة، والخيرات والوفرة الاقتصادية دخلت بيوت المسلمين بدخول مناطق الرها الثرية في دائرة الحكم، وارتفعت حالة الأمن لأعلى درجاتها، وبقى وادي الفرات بكامله وادي إسلامي خالص ينبض بالعز والفخر والكرامة.

(يتبع)

مروة طلعت
22/10/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ
#مُمَهِّدُ_النصر #نور_الدين_محمود_زنكي
المصادر:
الكامل في التاريخ جـ 9— ابن الأثير، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2012م.
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم جـ 17–18— ابن الجوزي، تحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ/1992م.
البداية والنهاية جـ 12— ابن كثير، مراجعة عبد القادر الأرناؤوط وبشار عواد معروف، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة السادسة 2021م.
الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل — ابن الأثير، تحقيق عبد القادر أحمد طليمات، دار الكتب الحديثة بالقاهرة ومكتبة المثنى ببغداد، 1963م.
الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية جـ 1–جـ 3— أبو شامة المقدسي، تحقيق إبراهيم الزيبق، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1418هـ/1997م.
تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام — د. محمد سهيل طقوش، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثانية، 2010م.
ذيل تاريخ دمشق — ابن القلانسي، تحقيق H. F. Amedroz، بيروت، 1908م.
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان جـ 20–21— سبط ابن الجوزي، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الرسالة العالمية، دمشق، الطبعة الأولى، 1434هـ/2013م.
زبدة الحلب من تاريخ حلب — ابن العديم، وضع حواشيه خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ/1996م.
تاريخ مدينة دمشق — ابن عساكر، تحقيق عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان جـ 5— ابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1978م.
تاريخ الأتابكة في الموصل والشام — د. السيد الباز العريني.
القائد المجاهد نور الدين محمود زنكي: شخصيته وعصره — د. علي محمد الصلابي.
نور الدين محمود وتجربته الإسلامية — د. عماد الدين خليل.
العبير الشذي في سيرة الملك العادل نور الدين زنكي — محمود أحمد الزويد.
عماد الدين زنكي شخصيته وعصره ــــ د. على محمد الصلابي.
قصة الحروب الصليبية من البداية الى عهد عماد الدين زنكي ــــ د. راغب السرجاني.
الحلقة الأولى
https://www.facebook.com/share/p/19V5QyVeHN/
الحلقة الثانية
https://www.facebook.com/share/p/192zWUa
EuJ/
الحلقة الثالثة
https://www.facebook.com/share/p/14oE3zKLPma/
الحلقة الرابعة
https://www.facebook.com/share/p/1ETQo54DJR/
الحلقة الخامسة
https://www.facebook.com/share/p/18s1saeMSt/
الحلقة السادسة
https://www.facebook.com/share/p/1Bo22UMFuj/
الحلقة السابعة
https://www.facebook.com/share/p/1D7XQ62xGp/
الحلقة الثامنة
https://www.facebook.com/share/p/1BD7FPMwur/
الحلقة التاسعة
https://www.facebook.com/share/p/1Duj9Tmk6P/
الحلقة العاشرة
https://www.facebook.com/share/p/1KPgcZoPz2/
الحلقة الحادية عشر
https://www.facebook.com/share/p/1JdKFDQRso/
الحلقة الثانية عشر
https://www.facebook.com/share/p/1VJHF8Rsr6/
الحلقة الثالثة عشر
https://www.facebook.com/share/p/19cQegFWXC/
الحلقة الرابعة عشر
https://www.facebook.com/share/p/14rGtMAoZgK/
الحلقة الخامسة عشر
https://www.facebook.com/share/p/1DNLhBnVuM/
الحلقة السادسة عشر
https://www.facebook.com/share/p/17c5enadCb/
الحلقة السابعة عشر
https://www.facebook.com/share/p/1JFNWZs6qx/
الحلقة الثامنة عشر
https://www.facebook.com/share/p/19GB7j4LAs/



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أحمد بن طولون 29

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5