أحمد بن طولون 29

 (29)  جرح خيانة "لؤلؤ" كان لسة بينزف في قلب "أحمد بن طولون"، وفي جوفه نار قايدة أحر من الجمر. بس الأمير مكنش بينكسر بسهولة، ولا بيكشف ورقه؛ كتم وجعه وأسرّ في نفسه غيظه من "لؤلؤ"، وأظهر قدام الناس والجيش إنه متهاون بأمره ومش فارق معاه.

 

وفي نفس الوقت، أراد "ابن طولون" يستغل الوضع سياسياً؛ أظهر للعامة والخاصة إن همه الأول وغمه الكبير هو حال الخليفة "المعتمد بالله" في بغداد. الناس كلها كانت شايفة غَم الأمير، وهو بيتحسر على المهانة والتقصير اللي بيلحق بالخليفة المغلوب على أمره من إيد أخوه "الموفق"، وخوفه من إنه يقتله في أي لحظة. "ابن طولون" كان دايماً يقول للكل: أنا رقبتي فيها أيمان مؤكدة وبيعة في عنقي للخليفة، وميرضيش ديني ولا إيماني إني أغمض عيني عن مهانته. أنا لازم أخرج بجيشي لنصرته وفك أسره من تلاعب أخوه واستيلائه على الأمور بداله.

 

بس الحقيقة في باطن "ابن طولون"، إنه واخد نصرة الخليفة دي ستار وذريعة؛ هو قاصد بخروجه بجيشه، ويلف اللفة دي كلها عشان يوصل في النهاية لحاجة واحدة، ألا وهي القبض على الخاين "لؤلؤ".

 

وعشان الحبكة تكتمل، في  سنة 268هـ / 881م، بعت "ابن طولون" لـ"المعتمد" في بغداد رسول سري جداً، اختار أنه يتخفى  يلبس هدمتين مقطعين عشان يبان شحات أو عابر سبيل ومحدش يشك فيه من رجال "الموفق"، بس كان مختار الرسول في الحقيقة بمواصفات معينه، ذكي، وفصيح، وسريع البديهة. وبعت معاه مية ألف دينار ذهب، ألزمهم لواحد من التجار الموالين لـ"ابن طولون" في بغداد، وبعت معاه كمان رسالة سرية للخليفة "المعتمد" في ، قال فيها: "قد منعني الطعام والشراب والنوم خوفي على أمير المؤمنين من مكروه يلحقه، مع ماله في عنقي من الأيمان المؤكدة. وقد اجتمع عندي مائة ألف عنان أنجاد، وأنا أرى لسيدي أمير المؤمنين الانجذاب إلى مصر، فإن أمره يرجع بعد الامتهان إلى نهاية العز. ولا يتهيأ لأخيه فيه شيء مما يخافه عليه منه في كل لحظة. فإن رأى أمير المؤمنين، أيده الله، ذلك صواباً قدمه إن شاء الله وأظهر الخروج لهذه القصبة".

يعني يا أمير المؤمنين أنا مش بنام من خوفي عليك، ومعايا 100 ألف فارس جاهزين، سيب بغداد وتعالى مصر، هنا عزك وأمانك وأخوك مش هيقدر يلمس منك شعرة.

وفي القطائع، الديوان كان غرقان في سكون تقيل، مبيقطعوش غير صوت الهوا اللي بيداعب ستاير القصر العالية. "أحمد بن طولون" قاعد على كرسي عرشه، الهيبة حاضرة، وعينه كانت بتلمع بنظرات غامضة، نظرات ثعلب حكيم غرقان في التفكير والتخطيط.

 

قدامه على الترابيزة الخشبية الكبيرة، خريطة الشام والعراق مفرودة. "ابن طولون" ساند راسه على إيده، وعقله دينمو شغال. وفي وسط دوامة التفكير دي، انقطع حبل أفكاره بصوت خطوات حذرة وهادية بتقرب من باب الديوان. رفَع الأمير عينه الثاقبة، فظهر "أحمد بن محمد الواسطي" وهو داخل بخطوات موزونة، ملامحه شايلة وقار بس فيها لمحة ترقب وقلق من قعدة الأمير لوحده وسط الخرايط والرسايل.

 

"الواسطي" انحنى احترماً وقرب بدبلوماسية، فبادرة "ابن طولون" وقال له: أيه رأيك لو خرجت بجميع جيشي وعدتي عشان أنقذ أمير المؤمنين من تلاعب أخوه "الموفق"، وننقل كرسي الخلافة نفسه لمصر؟ بيعته اللي في عنقي بتجبرني أعمل كدة.

 

"الواسطي" سكت لحظة، وبص في الارض في حيرة، وبعدين رفع راسه وقاله بدبلوماسية وتردد: يا مولاي، أنا معرفتي وفهمي على قدي ومقدرش أتكلم في الأمور السياسية الكبيرة دي. بس أنت عندك في محبسك راجل لو أحضرته واستشرته، هيدلك على الصواب لرجاحة عقله وفهمه الفذ.

"ابن طولون" استغرب وقاله: مين ده؟

"الواسطي" قاله: "محمد بن إسماعيل بن عمار".

الأمير سكت شوية وقاله: صدقت. هو فعلاً عبقري، ولولا إني نَفرت منه وخفت من دسائسه ودهائه ومؤامراته، لما كان سجين في سجن المُطبق. ولولا طبعه كان زمانه معايا في أعلى مكانة وأجل حال.

وبصوت جهوري أمر حراسه وقال: "هاتهولي حالاً".

 

وخرج "بن عمار" من ظلمات سجن المُطبق بحالة يرثى لها. دخل الديوان على الأمير وهو بيجرر السلاسل الحديدية اللي مكلبشة رجليه وايديه، وهو في غاية القذارة، لابس قميص عامل زي الشوال من قماش خشن مفيش بني آدم يرضى يلبسه، والقميص أسود ومبقع من طول قعدته تحت دخان سراج الزيت في السجن، وشعره طويل جداً، ومنكوش لحد ما سقط وغطى وشه، من كتر الوحدة، وعدم العناية بالنضافة، والقعدة في الضلمة.

 

"ابن طولون" أمر الحراس يفكوله سلاسله، وشاورله يقرب، فـ"ابن عمار" قرب شوية وبقلق. الأمير شاورله يقرب أكتر، فقرب تاني وهو مكسوف وقاله بصوت خافت: أنا ريحتي وحشة يا مولاي ومتلقش بمقامك يا أمير أيدك الله.

"ابن طولون" قاله بحزم: أنا دعوتك عشان أستشيرك في أمر عزمت أعمله، وعايز رأيك فيه.

"ابن عمار" بصلة بكسرة وقاله: وأين الرأي مني اليوم أيها الأمير وأنا في هذه الحال؟

"ابن طولون" قاله بثقة عشان يفتح نفسه: أنت أوفى رأياً وأذكى قلباً من إن حالتك دي تأثر على عقلك، أو يصيبك اللي بيصيب الناس الناقصة.

"ابن عمار" اِتنهد وقاله: يقول الأمير أيده الله ما شاء، والله الموفق.

 

"ابن طولون" فرد قامته وهو قاعد أكتر وقاله: "الموفق طلحة" سيطر على أخوه الخليفة "المعتمد"، وبقى بيمشي أمره في كل حاجة، وقدر يزنقه ويحاصره بالجيش والحراس اللي الخليفة نفسه اِستدعاهم زمان لقتال صاحب الزنج في البصرة. فلما الحرب خلصت، الجيش ده بقى عدة لـ"الموفق" ضد الخليفة. وأنا خايف أحنث في يميني وبيعتي لو قعدت ساكت. وعزمت أخرج بنفسي وبكل جيشي عشان أنصره وأنقله لمصر. ايه رأيك؟

 

الصمت ساد القاعة لحظات. السجين "ابن عمار" رفع عينه اللي غطاها الشعر، وبص لـ"ابن طولون" وقال: يا أمير، دي مخاطرة عظيمة جداً إنك تخرج بنفسك وبكل جيشك وعدتك برة مصر، الحرب سجال، والانتصار ده بتوفيق ربنا، وأنا خايف وأعيذك بالله إن الأمير تلحق بيه هزيمة، وساعتها مش هتقوملك قائمة بعدها أبداً. الأفضل إنك تفضل في مصر وتبعث بجيش من وراك وتكون أنت المدد والمادة ليهم، ده أولى بكتير من إنك تغامر بنفسك.

 

سكت "ابن عمار" ياخد نفسه، وابتسم ابتسامة خبيثة كشفت دهاءه وقاله: وبعدين يا مولاي أنا شايفك بتتكلم بحماس جارف، وعقلك وقلبك مأخوذين ومندفعين تماماً ورا فكرة نصرة الخليفة "المعتمد" وإنقاذه. بس الحقيقة إن "المعتمد" نفسه مش شايف ده، ولا هيقدرصنيعك ولا هيعترف بجميلك. "المعتمد" مشغول بلهوه، ومنهمك في لذاته، وبمعزل تماماً عن حسن التدبير، ومبيعرفش يكافئ على فعل جميل.

قاعة الديوان سادها صمت رهيب، ومفيش صوت يعلو فوق صوت أنفاس "ابن عمار" الخافتة، وعين "أحمد بن طولون" الثاقبة اللي مثبتة عليه ومستنية بقية الكلام. "ابن عمار" أخد نفس عميق، وبص للأمير وقاله بنبرة هادية: فكر معايا لو الخليفة "المعتمد" انتقل عندك هنا في مصر، وتمت ليك حمايته من بطش أخوه "الموفق"، وأجابك لكل اللي دعوته ليه. تفتكر هيكون ليه دار يسكنها في قصرك غير دارك أنت شخصياً؟

 

الأمير سكت، فالراجل كمل وعينه بتلمع بذكاء: أول حاجة هتحصل، وأنت مستعجل عليها، إنك هتضطر تنقل وتخرج من دارك دي لمكان تاني خالص. مكان لازم يكون أقل من دار الخليفة في العز والفخامة. وطبعاً الدار الجديدة دي هتضيق بكل حاشيتك والناس اللي بيحوطوك، ومش هيساعوا بعضهم كمان. وساعتها الأمير "أحمد بن طولون" لما يدخل قصره القديم عشان يشوف الخليفة، هيدخله كأنه مجرد زائر، واحد من ضمن الزوار.

 

الكلمة نزلت على قلب "ابن طولون" زي طعنة باردة، بس "ابن عمار" مَرحمهوش وكمل قراية المستقبل ويقول: يا مولاي، أنت الآن الكلمة كلمتك والنهي نهيك، بس مش هيمر وقت طويل إلا وهتلاقي نفسك بقيت التابع المأمور. وأكيد الخليفة اللاهي عنده حظوة وأثر لناس من حاشيته. ناس مالهمش لازمة؛ مجرد مغني، أو مضحك، أو نديم. الواحد منهم ميسواش عُشر غلام من غلمان الأمير. ناس مفيش منهم أي منفعة في إدارة دولة، ولا بيشيلوا عنك حمل ولا مسؤولية، كل شغلتهم في الحياة إنهم يلهوه ويسهلوا عليه الأمور ترفيهاً وبس.

 

"ابن عمار" سكت ثانية، وقرب خطوة وهو بيقول: وأقل حاجة يا أمير، إنك لما تدخل على الخليفة عشان تسلم عليه، هتفضل واقف على رجليك احترماً لمقامه، في حين إن النديم أو الملهي ده هيكون قاعد ومتربع ومتبسط في قعدته ومطمن لمكانته عند الخليفة. وجايز الأمير لما يشوف المنظر ده بعينه ويتحرق دمه، يخرج عن شعوره ويوصل لأفعال أكتر بكتير من اللي خرج ليها أخوه "الموفق" ضد الخليفة.

 

الكلام بقى بيتحول لصور حية جوة عقل "ابن طولون"، و"ابن عمار" مستمر في الكلام: ومش بس كدة، الأمير مش هيكون آمن إن بعض غلمان الخليفة وحاشيته يسألوه ويطلبوا منه ضيعة من ضياع مصر، أو إقليم معين شغال فيه أخص وأخلص غلمانك أنت، وساعتها مش هتمكنك مخالفته ولا هتعرف تقول للخليفة لا في كل اللي بيستدعيه ويطلبه منك، ده غير اعتراضات حاشيته وأصحابه اللي هيملوا البلد، وطلباتهم في الأقاليم اللي هتشق عليك وهتعظم، ومفيش في إيدك طريقة تمنعهم بيها، لأنك لو منعتهم، هتغضب أمير المؤمنين عليك.

 

"ابن عمار" قرا ملامح الذهول في وش الأمير، فصدمه بالحقيقة الأكبر وقال: والأدهى من كدة يا أمير، إنك مش هتعيش آمن من إن الخليفة، مدفوعاً بالمحافظة ومكافأة الناس اللي ساندوه زمان أو عشان يرضي رغبة حد بيحبه، يقبل طلبهم في إنهم يستنزلوك عن موضعك ويشيلوك من إمارة مصر بالكامل. يعني تستدعي الخليفة لبلدك وملكك، ولما تبلّغه الغاية القصوى في الأمان، وتديله كل شبر وكل مليم أنت كدحت وشقيت فيه طول عمرك، يبص لكل ده ويشوف إن ده كله حقه الطبيعي ومن هيبته هو، ويشوف إن اللي باقي في إيدك وبتتجمل بيه بين يديه، هو ملكه هو دونك، وإن إبقاءه ليك في مكانك ما هو إلا تفضّل وإحسان منه عليك.

 

كلام "ابن عمار" بقى زي المشرط اللي بيفكك الأوهام السياسية، وقال: يا مولاي، إن من إقبال أمرك وسعدك، هو الوضع الحالي؛ يعني المهانة اللي بتلحق بـ"المعتمد" من أخوه "الموفق" في بغداد، هو اللي مديك الحجة والشرعية عشان تخالف "الموفق"، وتترك الائتمار بأمره، وتسقط اسمه والدعوة ليه، وتقلب الأولياء والأتباع عليه. بالوضع ده تقدر تبلغ اللي أنت عايزه بمعونة اسم أمير المؤمنين وهو بعيد، وبيه تقدر تضغط على أخوه فيرجع لإرادتك ويزول عنك كل اللي تكرهه. لكن أنا محبش ليك يا أمير إظهار هذا الاجتهاد العظيم في قهر "الموفق" ونصرة الخليفة بالشكل المباشر ده؛ لأني بخاف عليك من عواقب مواجهة "الموفق" لقوة إيده، وكبر أمره، وتمكنه في جيش الخلافة.

 

وفي النهاية، انحنى الراجل انحناءة خفيفة وقفل كلامه بوقار وقال: وأ شايف، ولرأي الأمير أيده الله فضله وعلوه، بلاش تعمل كدة عشان الأمر ميمشيش بينك وبين أمير المؤمنين زي ما شرحتلك، وساعتها تخرج معاه لأفعال ومواجهات أكتر بكتير من اللي خرج ليها أخوه "الموفق".

 

"ابن طولون" رفع إيده وقطع الصمت بصوته الجهوري وقال: كفاية كدة.. كفاية كدة.

واِلتفت لرجاله وأصدر أمره الصارم: أعيدوه إلى محبسه. "ابن عمار" اتنفض من الرعب وبص حواليه في هلع، والحراس بيحطوا السلالسل الحديد تاني في رجليه وايديه، وشدوه برا الديوان، و"ابن عمار" بيبص ل"ابن طولون" في رجاء صامت والدموع نازلة زي المطر على وشه، بعد خذلانه من الأمير.

أول ما الحراس أخدوا "ابن عمار" ورجعوا بيه لضلمة المطبق، ساد السكون والذهول في المكان. "أحمد بن محمد الواسطي" مكنش قادر يستوعب اللي حصل؛ الراجل لسة منقذ الدولة بخطة عبقرية، وبدل ما يتكافئ ويطلع للنور، الأمير بيرجعه السجن ببرود.

 

"الواسطي" مقدرش يكتم دهشته، قرب من "ابن طولون" وقاله بنبرة فيها عتاب حذر واستغراب: يا أمير، هو ده جزاء "أبو عمار" على رأيه السديد الصحيح، وقول الحق والنصيحة المخلصة، إنك ترجعه تاني لمحبسه؟! يعني هو ده جزاء الإحسان؟.

 

"ابن طولون" اِلتفت له، وبص له بنظرة هادية وعميقة، نظرة حاكم شايف أبعاد تانية خالص محدش شايفها غيره، وقاله بكل ثقة: أيوة ده جزاؤه. إني تأملت أمره وفكرت فيه كويس، لقيته نصحني في دنياي، وغشني في ديني وآخرتي.

 

"الواسطي" تاه في الكلام، فـ"ابن طولون" كمل يشرح له الفلسفة المرعبة ورا قراره: أنا تأملت رأيه وجوته وصحته، اِتأملت إزاي عقله حاضر وجاهز بالبدائل دي كلها من غير فكر مسبق ولا استعداد، وهو في الحالة الصعبة القبيحة دي، الراجل عايش في مكان يفني الحس والوعي ويموت العقل، ومع ذلك عقله شغال كأنه في ديوان الحكم. ازي الحال بقى لو شاف نفسه مطلقة وحرة برة السجن؟ كُنت تفتكر إيه اللي هيحصل لو بقى نافذ الأمر والنهي، وبقى بيأكل طيب الطعام، ويلبس لين الثياب، وبيشم العطر؟

 

الأمير سكت ثانية وعينه بتلمع كمل وقال: ساعتها رأيه هيبقى أقوى وأصوب أكتر وأكتر، ولبعد غروره وطموحه، ولتمكن من عدوه بقوة حيلته وحزم رأيه. الراجل ده خطير يا "واسطي"، الراجل ده وهو في ضلمة المحبس وتحت الأرض هز أركان خطتي، فما بالك لو اِتطلق في النور؟

 

"ابن طولون" لـ"الواسطي" المذهول قدامه وقاله بلهجة حاسمة وقاطعة: يا "واسطي" إن أجهل الأمراء هو مَن أعطى مقادته لكتّابه العقلاء! (يعني الحاكم الجاهل المغفل هو اللي يسيب لجام حكمه في إيد الكتاب العباقرة بتوعه ويمشي وراهم عمياني). وده عشان هم أحكم الناس رأياً وأقَلّهم ديناً. ممكن ناخد من عقلهم الرأي والمشورة اللي تخدمنا، بس يفضلوا تحت عينا وميسوقوش السفينة.

 

"الواسطي" تعجب من قوله جداً. كان مذهول من فلسفة الأمير وجبروته، ومن ساعتها ازداد حذر، وخوف، ورعب منه. الأمير ده مبيفوتش هفوة، وقلبه مبيعرفش اللين في حق ملكه ودولته.

 

"ابن عمار" البائس الغلبان، لما الحراس أخدوه وخرجوا بيه برة حبسه وضلمته، وشاف النور وقعد قدام الأمير، و"ابن طولون" استشاره وطلب رأيه افتكر إن الدنيا ضحكتله، وظن إن مشورته والنصيحة الخالصة اللي طلعها من وسط جراحه ووجعه من غير غش، هتكون هي المفتاح اللي هيفتح باب زنزانته. افتكر إن في المشورة دي فرجه، وخلاصه، وإنحلال عقدة سجنه اللي طال واستمر.

 

لكن الصدمة كانت أقوى من قدرة قلبه على الاحتمال، أول ما الحراس رجعوا بيه، والحديد اِتقفل على رجليه، ورجع لضلمة المطبق الكئيبة، انطفأت جوة روحه آخر شمعة أمل. يأس تماماً، وحس إن النور كان مجرد سراب وخديعة. الغَم والحزن والكسرة هجموا على قلبه الضعيف زي الخناجر، صدعوا قلبه وفلقوه نصين من القهر.. ومات! مات "ابن عمار" في محبسه مقهور، عشان تنتهي حكايته، ويفضل رأيه السديد عايش ومنور بصيرة "أحمد بن طولون" في حكم مصر.

 

وفي أواخر سنة 268 هـ / 882 م، وسط ترقب "ابن طولون" وحساباته المعقدة، وصلت الرسالة المنتظرة. ورد رسالة من "طيفور"، نائب "أحمد بن طولون" في بغداد. الرسالة بتأكد فيه وصول رسول "ابن طولون" السري، ووصول رسالته للخليفة "المعتمد"، ومعاه ال100 ألف دينار ذهب. ومش بس كدة، "طيفور" كتب في رسالته للأمير يبشره بخروجه مع "المعتمد"، وطلب من "ابن طولون" الاستعداد، عشان الخليفة عزم على المسير والهروب لمصر.

 

أول ما "أحمد بن طولون" قرا كتاب "طيفور"، وعِرف إن خطته نجحت والخليفة بلع الطُعم وخارج فعلاً، اِستنفر أجهزة الدولة فوراً وعمل اجتماع طارئ. أحضر شيوخ كُتّابه، وكبار قواده، وشيوخ وأعيان البلد كلهم. وفي وسط الجمع ده، جاب ابنه  التاني "أبا الجيش خمارويه" واستخلفه على حكم مصر في غيابه.

 

وعشان الأمير عارف إن ابنه لسة عوده طري، ومدخلش في دهاليز السياسة والحكم قبل كدة، طبيعي مسابوش لوحده؛ ساب معاه وقعد جنبه جماعة من شيوخ قواده الكبار اللي يشيلوا البلد معاه، وعلى رأسهم القائد العسكري المخضرم "محمد بن أبَّا" وغيره من الأعيان. الأمير وقف وسطهم وأوصى ابنه بصرامة إنه يتبع أمر الشيوخ دول وميخرجش عن شورتهم، وفي نفس الوقت أوصى القواد والأعيان بابنه "خمارويه". وأكد على الجماعة كلها في جلسة مهيبة إنهم يراعوا البلد، ويحافظوا على الرعية، ويديروا الأمور بتمام السياسة واستقامة الحال، عشان تفضل سيرة الدولة طيبة والسمعة الحسنة بين الناس. وبلهجة حاسمة، حذر ابنه من إنه يتشاغل بلهو، أو ينصرف لأي حاجة تانية برة الحكم والمسؤولية اللي قلده إياها.

 

ورتب "ابن طولون" حاله، وخرج بجيشه الجرار متوجهاً إلى الشام، وأخد معاه ابنه المتمرد "العباس" محبوس جوة قفص حديدي جوة قبة هودج مقفول فوق، عشان يفضل تحت عينه، ما هو مبقاش ضمنه يسيبه، يجد في الامور أمور، يقدر بوسيلة ما يوصله متمردين تانيين، ويحصل قلق تاني.

 

طول الطريق، "ابن طولون" بيظهر في قوله وفعله وحركته قدام الجيش والعامة إن خروجه ده غزوة مقدسة لنصرة "المعتمد" وفك أسره. بس الحقيقة المكتومة والكامنة في صدره، واللي بتغلي في عروقه، هي حاجة واحدة بس، غلامه الخاين "لؤلؤ". الأمير كان من كتر غيظه ووجعه يتمنى لو إن الأرض تطوى ليه طي عشان يوصل لـ"لؤلؤ" في ثانية، أو إن الأرض تقذفه بين إيديه حالاً عشان يقتص منه بإيده. كان عايش في غاية من الكآبة والغم والهم بسبب الخيانة دي. وكسرته زادت لما عِرف إن "الموفق" استغل الموقف وبعت لـ"لؤلؤ" الخلع السُلطانية، في حين إن "ابن طولون" نفسه لسة موصولش ليه ولا لحقه. وفضل الأمير ماشي بنار قلبه، ولحد ما وصل الرملة في فلسطين، وجاله الخبر الصادم أن "لؤلؤ" ساب الشام ودخل العراق خلاص وانضم لـ"الموفق".

 

وفي كواليس المعسكر التاني، كان فيه شخص ميت في جلده من الرعب. "محمد بن سليمان" كاتب "لؤلؤ" والعقل المدبر للتمرد. الراجل ده كان أكتر واحد خايف وواخد حذره من "أحمد بن طولون". "ابن سليما" كان قاعد كل أيامه يفتكر الرؤية القديمة اللي شافها زمان.. الرؤية اللي عمره ما نسيها واتحولت لنبوءة وفعلاً اتحققت.
(يتبع)
مروة طلعت
7/6/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4