أحمد بن طولون 30
(30) في يوم من الأيام، والشمس بتميل للغروب وبترمى غزلها الدهبي على مية النيل، خرج "محمد بن سليمان" يتمشى لحد ما رجله سحبته لبرة حدود مدينة القطائع. فضل ماشي والهموم بتطحن في عقله لحد ما وصل عند قبة الهواء، دي قبة عالية بناها "أحمد بن طولون" في مكان استراتيجي ساحر، بتطل على النيل من ناحية، مكان يشرح القلب، كأنها كاشفة البر كله. وهي نفس القبة الشاهدة على أعجب قصص الطموح والدهاء التي نوثقها لكم في "عايمة في بحر الكتب". "محمد بن سليمان" دخل القبة، لقى هناك القائد "الحسين بن حمدان" – عم الشاعر "أبي فراس الحمداني"، و"سيف الدولة الحمداني" - وقاعد معاه جماعة من كبار القواد. قعد وسطهم، سحب نفس طويل من الهوا العليل، وبص للنيل بنظرة فيها ألف معنى ومعنى، وفجأة طلع من جوه قلبه تنهيدة عالية وقال: الحمد لله.. الحمد لله اللي بيده الأمر كله، يفعل في ملكه ما يشاء. "الحسين بن حمدان" لقط النبرة الغريبة في صوته، وبص له بطرف عينه وابتسم ابتسامة خبيثة وقاله: جرى إيه يا "ابن سليمان"؟ مفيش شك إن حمدك لربنا، وتجديدك للحمد ...