المشاركات

مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 6

صورة
 (6) الهدنة مع الرها اتوقعت، والجو هدي شوية، لكن عقل "عماد الدين زنكي" لسة شغال وبيخطط، عينه دلوقتي على الجوهرة الثانية، المدينة العظيمة حلب، بلد الطفولة والذكريات والوطن الأولي. حلب والموصل، الأتنين كانوا زمان حتة واحدة تحت راية السلطان السلجوقي، يعني الوحدة بينهم حاجة منطقية، قانونية، وطبيعية جداً في عرف السياسة وقتها.  ده غير إن "عماد الدين زنكي" في حلب مش غريب؛ ده ابن "قسيم الدولة  آق سنقر الحاجب"  القائد العادل اللي أهل حلب لسه فاكرين سيرته الطيبة، ومات شهيد وهو بيدافع عنهم ضد "تتش بن ألب أرسلان" من 34 سنة. يعني اسم "زنكي" في حلب له هيبة وذكريات تخلي القلوب تميل له. "زنكي" كان من الذكاء أنه يجهز قاعدة شعبية له في حلب تسند دخوله وضمه ليها. عشان كدة بعت رسله لحلب، دخلوا متسللين، وبدأوا يتكلموا مع الناس في المساجد، في القعدات، وفي المجتمعات ويقولوا:  يا أهل حلب، مين أحق بحكمكم غير عماد الدين زنكي؟ ده اللي ارتضاه ليكم السلطان محمود، القوة الأولى في العالم. ده المجاهد الصلب اللي هيقف في وش الصليبيين. ده الحاكم العادل اللي هيرج...

مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 5

صورة
(5)  في يوم 26 نوفمبر سنة 1126 م /  8 ذو القعدة 520 هـ، كان "البرسقي" واقف يصلي زي كل يوم جوه الجامع الكبير بالموصل ، وفجأة تتشق الصفوف من قلب الظلام والزحمة، ويخرج 10 أفراد ملثمين من فرقة الباطنية النزارية المعروفين بالحشاشين؛ يندفعوا زي الشياطين وفي أيديهم السكاكين والخناجر المسمومة، ويهجموا على "البرسقي" في لحظة غادرة وهو بيصلي. ورغم الطعنة الأولى اللي اخدها " البرسقي" إلا أنه ما استسلمش بسهولة؛ قاوم واشتبك معاهم، وجرح منهم ثلاثة في وسط المعمعة، لكن للأسف الكثرة بتغلب الشجاعة. في النهاية سقط القائد الكبير قتيل على أرض الجامع، ينزف دمه عشان يقفل فصل مهم من تاريخ الموصل. الغريب أن أصابع الاتهام في الكواليس كانت بتشير للبلاط السلجوقي، والهمس بين الناس كان بيقول إن السلطان "محمود بن محمد السلجوقي"  هو اللي أتفق مع الحشاشين يهجوا عليه وسهّله طريقة الاقتحام والهجوم، عشان يخلص من نفوذ "البرسقي" اللي بدأ يكبر ويتعاظم ويشكل خطر على عرشه. السلطان "محمود" ما كنش بيتحرك بعاطفة، ده راجل حسابات سياسية، سلطان لدولة عظيمة لازم يحسب حساباته...

مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 4

صورة
(4) الموصل سنة 507 هـ / 1113م،  بعد الفراغ والوجع اللي سابه استشهاد الأمير "مودود"، كان لازم السيف السلجوقي يفضل مرفوع. فيتولى ولاية الموصل أمير تركي من ضباط الجيش السلجوقي، اسمه "آق سنقر البرسقي"،  وأصدر السلطان "محمد بن ملكشاه" أوامره الصارمة لكل الأمراء والقيادات بأن الجهاد ضد الصليبيين مش هيقف لحظة واحدة .  "البرسقي" مكنش غريب عن المشهد؛ ده كان ممثل الأمير "مودود بن التونتكين" في بلاط السلطان السلجوقي "محمد بن ملكشاه" .  يعني بلغة عصرنا كان بيقوم بدور السفير أو مدير المكتب السياسي وشخصية ثقة جداً للأمير "مودود" جوه القصر السلجوقي.  بما إن "مودود" كان عينه على الميدان ومشغول بالمعارك والجهاد ضد الصليبيين وإدارة الموصل، فكان محتاج راجل سياسي محنك يقعد في العاصمة، ينقل أوامر السلطان ل"مودود"، ويوصل رؤية ومطالب "مودود" للسلطان، ويدير مصالحه في كواليس الحكم.  عشان كده، لما اتقتل "مودود"، مكنش فيه حد أحسن من "البرسقي" فاهم كواليس ملف الموصل كويس، ومحط ثقة السلطان، عشان ...

مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 3

صورة
(3) حلب، في أواخر مايو سنة 1094م / جمادى الأولى 487 هـ،  غبار الهزيمة لسه مخيم على شوارع حلب اللي كانت بالأمس زاهرة وعادلة. الصمت يخنق الحارات، والعيون مليانة دموع وكسرة.. الخبر نزل زي الصاعقة على الجميع: "تتش قتل قسيم الدولة آق سنقر". وسط كل الزحمة دي والوجع اللي مالي القلوب، كان واقف طفل صغير عنده 10 سنين، أسمر اللون، عيونه واسعة وثابتة، راسه مرفوعة بشموخ رغم أن الدموع متحجرة في عينيه رافضة الخروج.. وده كان أول درس عملي في الحياة أخده الشبل بن الأسد "عماد الدين زنكي بن قسيم الدولة آق سنقر". الناس كانت تبص له والحسرة تأكل قلوبهم، يتهامسوا ويقولوا: "يا حبيبي يا بني.. ضاع الولد خلاص! مين هيحمي يتيم آق سنقر؟ إزاي طفل في السن ده يعيش بعد ما أبوه الجبل اتكسر؟". وكم من أيتام في التاريخ بلعتهم الأيام وضاعوا في زحمة الحياة. بس "عماد الدين زنكي" ربنا أعزه ونصره ورفعه فوق الرؤوس، لأن "آق سنقر" لما مات، ما سابش لابنه قصور مليانة جبال ذهب ولا أورثه منصب رفيع وجاه جاهز، ساب له تركة عظيمة جداً، أعظم وأبقى ألف مرة من الفلوس والسلطان! أوعي تفتكر أو يج...

مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 2

صورة
(2) الشوارع اللي كانت زمان بتصرخ من الخوف والفقر، دبت فيها الحياة من تاني. القوافل داخلة طالعة من البوابات الكبيرة، التجار جايين من كل بلاد الدنيا محملين بضائعهم وهم مطمنين، وصوت حركة البيع والشراء في الأسواق عامل زيكورد جميل بيهز حيطان المدينة. "قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْ سُنْقُرْ"  بقى السيرة الحلوة اللي بتتردد في كل بيت وحارة، مش بس في حلب، ده في الشام كلها وبلاد المسلمين. الناس كانت بتتكلم عنه بحب وشغف عجيب، كأنه بطل من أساطير ألف ليلة وليلة، بس بطل حقيقي وعادل. المؤرخين شهدوا في حق "آق سنقر"، يعني مثلاً "ابن القلانسي" في كتابه "ذيل تاريخ دمشق" قال: "وأحسن فيهم السيرة، وبسط العدل في أهليها، وحمى السابلة (الطريق المسلوك) للمترددين فيها، وأقام الهيبة، وأنصف الرعية، وتتبع المفسدين فأبادهم، وقصد أهل الشر فأبعدهم، وحصل له بذلك من الصيت، وحسن الذكر، وتضاعف الثناء والشكر، فعمرت السابلة للمترددين من السفار، وزاد ارتفاع البلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات والأقطار". وييجي "ابن الأثير" يؤكد على نفس المعنى، ويقول: "وكان قسيم ال...