المشاركات

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 16

صورة
(16) نَذر الدماء بعد ما غبار المعركة هدي، والقلعة قفلت أبوابها على جثة "أيبك"، كان لازم المماليك المعزية يثبتوا رجليهم بسرعة قبل ما المركب تغرق. والحل كان في "المنصور علي"، ابن أيبك، اللي اتنصب سلطان جديد عشان يسد الفراغ ويطفي نار الفتنة اللي كانت هتاكل القاهرة. الجيش اللي كان منقسم، والناس اللي كانت مرعوبة في الشوارع، الكل رضي بالأمر الواقع عشان يتجنبوا شبح الحرب الأهلية. لكن في ركن بعيد من القصر، كانت فيه حرب من نوع تاني خالص بتتحضر. "شجر الدر" السلطانة الأسيرة، اتقادت لحد بلاط السلطان الصغير، وهناك لقت غريمتها وضرتها "أم علي" مستنياها. "أم علي" فضلت سبع سنين كاملة، شايلة في قلبها نار مبتبردش، سبع سنين من القهر والوحدة بعد ما "أيبك" سابها وهجر ابنها عشان خاطر "الست السلطانة". والنهاردة، الدنيا دارت، وبقت هي "أم السلطان" وصاحبة الكلمة العليا في الموقف. فجأة، باب البرج الأحمر في قلعة الجبل  اتفتح بضربة رِجل عنيفة هزت المكان، وخرجت " شجر الدر" منه وهي بتتدفع لبره بمهانة. مكنش عليها غير قميص بيت حر...

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 15

صورة
(15) دم لا يُرى "سيف الدين قطز" مش شخصية سهلة، لا ينفع يتحط في خانة "البطل الطيب" ولا "الشرير القاتل". هو مجرد أنسان عاش أول عمره في بلاط السلطان الخوارزمي، كولي عهد محتمل، أتفطم على أساليب السياسة والمؤامرات، ومن بعدها مملوك في طباق جزيرة الروضة اتعلم واتدرب تدريبات المماليك القاسية اتبرمج زيهم على الشدة والتفكير العكسري الصارم، وكمان على الطاعة المطلقة للاستاذية، وهي هنا بالنسبة له متمثلة في "أيبك"، زي ما سبق وشرحنا بالتفصيل. وده بالظبط اللي بيخليه مهم ومؤثر في اللحظة دي من تاريخ المماليك، خصوصًا لما نيجي نفهم مشهد قتل "أقطاي" وما ترتب عليه. "قطز" كان رجل اللحظة، مش رجل استعراض. بعكس "أقطاي" اللي كان بيحب المشهد، الحرس، الموكب، والهيبة الظاهرة. "قطز" كان بيخطط بشكل هادي، صامت، ومبيظهرش إلا وقت اللزوم، ومش اندفاعي زي "بيبرس" في بداية حياته. كلامي ممكن يكون صادم، لكن احنا متعودين نشوف مع بعض التاريخ بنظرة حياد، نفهم العصر وفكر الزمن عشان نعرف نحط كل شخصية في مكانها الصحيح. تعيين "قطز" نا...

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 14

صورة
(14) القلعة تشرب الدم… والمماليك يغيرون وجه الحكاية وسط كل الصراعات الكبيرة اللي كان السلطان المعز "عز الدين أيبك" غرقان فيها، طلع له خطر من نوع تاني، خطر جاي من قلب البلد نفسها. في سنة 1253م، قامت ثورة العربان في مصر، ودي كانت من أوائل الأزمات الداخلية اللي واجهت الحكم المملوكي وهو لسه بيحاول يثبت أركانه. العربان عبارة عن قبائل عربية استقرت في مصر من أيام الفتح الإسلامي، ومع الزمن اتأثروا بالبيئة الزراعية الغالبة في مصر عكس أرض الحجاز، فغيرتهم وبقوا أقرب للفلاحين، خصوصًا في الصعيد والشرقية، كانوا بيزرعوا الأرض حوالين القرى القديمة، واتعرفوا باسم “العرب المزارعة”. ورغم إنهم بقوا مستقرين، إلا إن مكانتهم الاجتماعية فضلت أعلى شوية من الفلاحين، لأنهم كانوا دايمًا عنصر عسكري مهم وقت الحروب - جمعوا مابين الفلاحة والفروسية عكس المصريين اللي نسوا المهارات العسكرية من كتر قرون الاحتلال اللي عدت عليها فأتحولوا لمزارعين فقط لأن مصر كانت بالنسبة للروم سلة غلال - خاصة في زمن الصليبيين، وده خلا الدولة تعتمد عليهم في القتال وحفظ الأمن وجمع الخراج. لكن مع بداية حكم المماليك، حصل خلل كبير. بع...

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 13

صورة
(13) المماليك والفرنج: حروب الغيرة والتحالف في الوقت اللي كان فيه العالم الإسلامي مشغول بصراعاته الداخلية، كان لويس التاسع واقف بعيد شوية بيراقب، ويحسبها صح. الصدام بين المماليك والأيوبيين كان فرصة دهبية بالنسبة له، واستغلها أحسن استغلال. ضغط على السلطان المعز أيبك، والضغط ده جاب نتيجة؛ خرج الأسرى الصليبيين من السجون، وبعدين اتفتح باب التحالف. سنة 650 هـ / 1252م اتعملت معاهدة بين أيبك ولويس، ظاهرها سياسي وباطنها مقامرة. أيبك وافق يفرج عن باقي الأسرى، ويتنازل عن بقية فدية لويس، ووعده كمان بإعادة مملكة بيت المقدس كلها للصليبيين. الاتفاق كان واضح في هدفه، ضرب الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب، وإقصاء الأيوبيين من الشام.  ممكن الناس تشوف  الكلام ده غريب، إزاي يسيب بين المقدس بسهولة؟ لكن لو فهمت الجو اللي كانوا عايشينه المماليك في مصر هتستوعب الموضوع.  الحكاية مش جشع أو طمع، لكن أيبك كان عارف إنه لازم يحسب كل خطوة صح. مصر كان لسة مشتتة بعد صراعات تورانشاه، والمماليك مش مستقرين قوي، والناصر يوسف من الشام بيهددهم في كل لحظة. وكمان خبر المغول كان بيقرب للشرق، وكل المنطقة في حالة قل...

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 12

صورة
(12) أيبك... سلطان الضرورة بعد ما العاصفة هديت شوية، والبلد كانت لسه بتفوق من صدمة تنصيب "شجر الدر" سلطانة عليهم، لقى الناس نفسهم قدّام سلطان جديد على عرش مصر، ومش أي سلطان ده من المماليك مش أيوبي، "عز الدين أيبك التركماني"، اللي اتلقب بلقب " الملك المعز" . الغريب إن أيبك مكنش لا أكبر المماليك سنًا، ولا أقدمهم خدمة، ولا أقواهم نفوذًا. كان فيه أمراء أتقل منه بكتير، وعلى رأسهم فارس الدين أقطاي، قائد الجيش وزعيم المماليك البحرية اللي كان اسمه مالي السمع والبصر بعد معركة فارسكور. لكن اختيار أيبك مجاش صدفة، ده كان اختيار محسوب، شجر الدر كانت عايزة سلطان تقدر تمسك زمامه، واحد يفضل محتاجها أكتر ما هي محتاجاه، وتقدر تعزله في أي وقت لو اضطرت. وفي شهر ربيع الأول سنة 648 هجرية، الموافق مايو سنة 1250 ميلادية، اتجوزت شجر الدر من عز الدين أيبك، وبالخطوة دي تنازلت له رسميًا عن عرش مصر. تنازل جوهره سياسي بحت. ولأن فكرة خروج الحكم من البيت الأيوبي كانت لسه تقيلة على النفوس، لجأ المماليك لحل وسط، جابوا طفل من البيت الأيّوبي عمره ست سنين، ونصبوه سلطان باسم " الملك الأش...

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 11

صورة
(11) حكم مؤقت… وأزمة دائمة القاهرة صحيت اليوم ده على حاجة مش شبه أي يوم عدّى قبل كده. الخبر خرج من القلعة ونزل زلزل الشوارع، المنادي بيلف شوارع المحروسة، بينادي ويعلن: ( شجر الدر بقت السلطانة!!). في قاعة الإيوان، قلب القصر النابض، كانت الصورة مهيبة. الأعمدة العالية مكسوّة بالرخام والآبنوس، والنقوش الذهبية بتلمع مع ضوء الصبح اللي داخل من الشبابيك الواسعة. الفرش التقيل مفرود، الزرابي والطنافس متراصة، والأرائك مستنية أصحاب القرار. على دست الحكم، جلست شجر الدر، هادية، ثابتة، لابسة هيبة اللحظة أكتر ما لابسة تاج. واحد ورا التاني، دخل الأمراء والقادة. خطوات محسوبة، عيون مترقبة، وانحناءات فيها اعتراف قبل ما يكون فيها احترام. لا هتاف، ولا صخب جوّه القاعة،  بس صمت تقيل، صمت بيقول إن اللي بيحصل ده غير عادي، وإن التاريخ بيغيّر سِكّته قدّام عينيهم. برا القصر، المشهد كان مختلف. الباحة اتملت عن آخرها. ناس واقفة، ناس بتتزاحم، ناس فرحانة وناس مصدومة مش مستوعبة. صنايعية سايبين شغلهم، تجّار قافلين دكاكينهم، فلاحين جايين من أطراف القاهرة، جند واقفين بسيوفهم، مغنّيين وراقصين جايين بدافع الفضول ...