المشاركات

مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 4

صورة
(4) الموصل سنة 507 هـ / 1113م،  بعد الفراغ والوجع اللي سابه استشهاد الأمير "مودود"، كان لازم السيف السلجوقي يفضل مرفوع. فيتولى ولاية الموصل أمير تركي من ضباط الجيش السلجوقي، اسمه "آق سنقر البرسقي"،  وأصدر السلطان "محمد بن ملكشاه" أوامره الصارمة لكل الأمراء والقيادات بأن الجهاد ضد الصليبيين مش هيقف لحظة واحدة .  "البرسقي" مكنش غريب عن المشهد؛ ده كان ممثل الأمير "مودود بن التونتكين" في بلاط السلطان السلجوقي "محمد بن ملكشاه" .  يعني بلغة عصرنا كان بيقوم بدور السفير أو مدير المكتب السياسي وشخصية ثقة جداً للأمير "مودود" جوه القصر السلجوقي.  بما إن "مودود" كان عينه على الميدان ومشغول بالمعارك والجهاد ضد الصليبيين وإدارة الموصل، فكان محتاج راجل سياسي محنك يقعد في العاصمة، ينقل أوامر السلطان ل"مودود"، ويوصل رؤية ومطالب "مودود" للسلطان، ويدير مصالحه في كواليس الحكم.  عشان كده، لما اتقتل "مودود"، مكنش فيه حد أحسن من "البرسقي" فاهم كواليس ملف الموصل كويس، ومحط ثقة السلطان، عشان ...

مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 3

صورة
(3) حلب، في أواخر مايو سنة 1094م / جمادى الأولى 487 هـ،  غبار الهزيمة لسه مخيم على شوارع حلب اللي كانت بالأمس زاهرة وعادلة. الصمت يخنق الحارات، والعيون مليانة دموع وكسرة.. الخبر نزل زي الصاعقة على الجميع: "تتش قتل قسيم الدولة آق سنقر". وسط كل الزحمة دي والوجع اللي مالي القلوب، كان واقف طفل صغير عنده 10 سنين، أسمر اللون، عيونه واسعة وثابتة، راسه مرفوعة بشموخ رغم أن الدموع متحجرة في عينيه رافضة الخروج.. وده كان أول درس عملي في الحياة أخده الشبل بن الأسد "عماد الدين زنكي بن قسيم الدولة آق سنقر". الناس كانت تبص له والحسرة تأكل قلوبهم، يتهامسوا ويقولوا: "يا حبيبي يا بني.. ضاع الولد خلاص! مين هيحمي يتيم آق سنقر؟ إزاي طفل في السن ده يعيش بعد ما أبوه الجبل اتكسر؟". وكم من أيتام في التاريخ بلعتهم الأيام وضاعوا في زحمة الحياة. بس "عماد الدين زنكي" ربنا أعزه ونصره ورفعه فوق الرؤوس، لأن "آق سنقر" لما مات، ما سابش لابنه قصور مليانة جبال ذهب ولا أورثه منصب رفيع وجاه جاهز، ساب له تركة عظيمة جداً، أعظم وأبقى ألف مرة من الفلوس والسلطان! أوعي تفتكر أو يج...

مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 2

صورة
(2) الشوارع اللي كانت زمان بتصرخ من الخوف والفقر، دبت فيها الحياة من تاني. القوافل داخلة طالعة من البوابات الكبيرة، التجار جايين من كل بلاد الدنيا محملين بضائعهم وهم مطمنين، وصوت حركة البيع والشراء في الأسواق عامل زيكورد جميل بيهز حيطان المدينة. "قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْ سُنْقُرْ"  بقى السيرة الحلوة اللي بتتردد في كل بيت وحارة، مش بس في حلب، ده في الشام كلها وبلاد المسلمين. الناس كانت بتتكلم عنه بحب وشغف عجيب، كأنه بطل من أساطير ألف ليلة وليلة، بس بطل حقيقي وعادل. المؤرخين شهدوا في حق "آق سنقر"، يعني مثلاً "ابن القلانسي" في كتابه "ذيل تاريخ دمشق" قال: "وأحسن فيهم السيرة، وبسط العدل في أهليها، وحمى السابلة (الطريق المسلوك) للمترددين فيها، وأقام الهيبة، وأنصف الرعية، وتتبع المفسدين فأبادهم، وقصد أهل الشر فأبعدهم، وحصل له بذلك من الصيت، وحسن الذكر، وتضاعف الثناء والشكر، فعمرت السابلة للمترددين من السفار، وزاد ارتفاع البلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات والأقطار". وييجي "ابن الأثير" يؤكد على نفس المعنى، ويقول: "وكان قسيم ال...

مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 1

صورة
(1)  الموصل، فجر الأحد 17 شوال 511 هـ / 10 فبراير 1118 م. سكونٌ يلف أزقة المدينة القريبة من نهر دجلة، هدوءٌ يسبق شروق الشمس، ينكسر بصراخ مولود يدخل العالم في أكثر أوقاته اضطراباً. في البيوت البسيطة والمباني العتيقة، كان الكل لسه نايم أو بيستعد لصلاة الفجر، إلا البيت ده الحركة فيه ما وقفتش طول الليل. القوابل داخلين طالعين، والهمس شغال، لحد ما الصوت الصغير ده شق الهدوء وحسم الأمر. بره الأوضة، كان واقف شاب في الثلاثينيات من عمره، أسمر، أسود الشعر واللحية، حاد الملامح، عينيه واسعة وثاقبة فيهم شدة ويقظة، وكان وشه جاد رسمته سنين الخدمة العسكرية في أروقة الدولة السلجوقية، نادر ما تشوف على وشه الابتسامة. طويل القامة، قوي البنية، مفتول العضلات، له هيئة هيبة ووقار. أول ما سمع صوت المولود، فتح الباب بالراحه، ودخل بخطوات ثقيلة وموزونة وقرب من الفراش. شال المولود الصغير بين يديه. أيد اتعودت تشيل السيف وتحكم لجام الخيل، دلوقتي شايلة حتة منه صغيرة ملفوفة في القماش. رفع المولود قريب من صدره، تأمل في وشه الأسمر الصغير، كأنه بيدور في الملامح الصغيرة دي عن امتداد لدمه ولحمه، عن سند لأخوه الكبير "سيف...

أحمد بن طولون 31

صورة
 (31) خطوات خطيب الجامع على خشب المنبر في الجامع الجديد بالقطائع (جامع أحمد بن طولون)، لها صدى بيتردد بين العقود المدببة والشبابيك الجصية المفرغة. الناس كتفها في كتف بعض تحت السقف الخشبي المهيب، والهدوء سايد الصحن الواسع، ومفيش غير صوت حفيف الهوا اللي جاي من جبل يشكر وصوت أنفاس متلاحقة. الخطيب طلع المنبر في قلب التحفة المعمارية اللي بتنطق بعظمة الأمير. وشه مشدود وعينيه بتلف على بحر الرؤوس، مسك عصايته الخشب وبدأ الخطبة. الكل قرأ وثيقة الأمير اللي عزل فيها "الموفق" عن ولاية عهد الخليفة، وعشان كدة صلاة الجمعة المرة دي كانت مختلفة، مشحونة بالتوتر والترقب، الكل مستني اللحظة اللي اللعب فيها هيبقى على المكشوف في جامع الدولة الرسمي نفسه. وهي اللحظة التاريخية الفارقة التي نتوقف عندها بشغف في منصة "عايمة في بحر الكتب". لما وصل الخطيب للدعاء، نبرة صوته اتمطت وبقت حادة زي حد السيف، هز أركان الجامع الطولوني وهو بيمد إيده للسما وبيقول بصوت جهوري مسمع لأخر الميدان برة: "اللهم أصلح أمير المؤمنين، المعتمد على الله.. اللهم استنقذه ممن أسره، وجار عليه، وقصده". في الثواني دي،...