المشاركات

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 18

صورة
(18) حين صمتت بغداد..  "بغداد" المدينة اللي كانت قلب العالم النابض، فجأة واقفت قصاد قدر غامض. المرة دي مكنش حرب على حدود، ولا نزاع بين أمراء، دي كانت لحظة انكشاف، لما الخيمة الكبيرة اللي ضللت المسلمين قرون بدأت حبالها تضعف. في الشوارع عيون متعلقة بالسما، تستنى آية تنقذ المدينة. وفي القصور جدل لا ينتهي عن المذهب والولاء، في وقت كان فيه وقع حوافر الخيل المغولية بيقرب، وترابها بدأ يحجب نور النهار عن بيوت بغداد. المدينة اللي علمت الدنيا فنونها وعلومها، كانت بتعيش اللحظات الأخيرة من زمن الزهو، قبل ما تواجه امتحان قاسٍ، امتحان ما يعرفش فرق بين غني وفقير، ولا بين وزير وخليفة. ومن هنا بدأت الحكاية، لما أعلن "هولاكو" عزمه على دخول بغداد، أدرك الخليفة "المستعصم" أن لحظة القرار الأخير جت، بين تنازل يشتري بيه وقت، أو مقاومة تفتح أبواب المجهول. في أواخر أيام السلاجقة في العراق، بدأت الخلافة العباسية ترجع تفوق من تاني، وتاخد نفسها بعد سنين من الضعف. واللي قاد الصحوة دي كان الخليفة "الناصر لدين الله" (1180م - 1225م) راجل اتقال عنه إنه أقوى خليفة عباسي حضر من بع...

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 17

صورة
(17) لعبة الكراسي والمُحلل الصغير المفروض "شجر الدر" كانت تتحاكم محاكمة رسمية، وتتسلم للسياف، وتخلص الحكاية بضربة سيف واحدة تليق بسلطانة حكمت مصر. لكن في كواليس قلعة الجبل، الحسابات مكنتش بتمشي بالمنطق ده. "شجر الدر" مكنتش مجرد قاتلة في قفص المحاكمة، دي كانت رمز سياسي كبير؛ المماليك الصالحية لسه شايفينها "ستهم" وصاحبة فضل، والمماليك المعزية عاوزين راسها بأي ثمن. وهنا بيظهر ذكاء "سيف الدين قطز". "قطز" كان فاهم إن لو أمر بإعدامها، ممكن يفتح على نفسه أبواب جهنم من رفاق السلاح اللي لسه ليهم ولاء لبيت "الصالح نجم الدين أيوب". فقرر يلعبها صح، وده يحصل لما "شجر الدر" متموتش بقرار سياسي، لكن تموت بقرار التار. رفع "قطز" إيده عن القضية، ولسان حاله بيقول إحنا ملناش دعوة، دي خناقة حريم مع بعضها. وسلمها تسليم أهالي لـ "ولي الدم" الحقيقي في نظر العرف وقتها وهو السلطان الصبي "المنصور علي" وأمه "أم علي". وكأن "قطز" كان عاوز يغسل إيده من دمها قدام الناس، ويرمي الحمل كله على الضرة اللي...

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 16

صورة
(16) نَذر الدماء بعد ما غبار المعركة هدي، والقلعة قفلت أبوابها على جثة "أيبك"، كان لازم المماليك المعزية يثبتوا رجليهم بسرعة قبل ما المركب تغرق. والحل كان في "المنصور علي"، ابن أيبك، اللي اتنصب سلطان جديد عشان يسد الفراغ ويطفي نار الفتنة اللي كانت هتاكل القاهرة. الجيش اللي كان منقسم، والناس اللي كانت مرعوبة في الشوارع، الكل رضي بالأمر الواقع عشان يتجنبوا شبح الحرب الأهلية. لكن في ركن بعيد من القصر، كانت فيه حرب من نوع تاني خالص بتتحضر. "شجر الدر" السلطانة الأسيرة، اتقادت لحد بلاط السلطان الصغير، وهناك لقت غريمتها وضرتها "أم علي" مستنياها. "أم علي" فضلت سبع سنين كاملة، شايلة في قلبها نار مبتبردش، سبع سنين من القهر والوحدة بعد ما "أيبك" سابها وهجر ابنها عشان خاطر "الست السلطانة". والنهاردة، الدنيا دارت، وبقت هي "أم السلطان" وصاحبة الكلمة العليا في الموقف. فجأة، باب البرج الأحمر في قلعة الجبل  اتفتح بضربة رِجل عنيفة هزت المكان، وخرجت " شجر الدر" منه وهي بتتدفع لبره بمهانة. مكنش عليها غير قميص بيت حر...

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 15

صورة
(15) دم لا يُرى "سيف الدين قطز" مش شخصية سهلة، لا ينفع يتحط في خانة "البطل الطيب" ولا "الشرير القاتل". هو مجرد أنسان عاش أول عمره في بلاط السلطان الخوارزمي، كولي عهد محتمل، أتفطم على أساليب السياسة والمؤامرات، ومن بعدها مملوك في طباق جزيرة الروضة اتعلم واتدرب تدريبات المماليك القاسية اتبرمج زيهم على الشدة والتفكير العكسري الصارم، وكمان على الطاعة المطلقة للاستاذية، وهي هنا بالنسبة له متمثلة في "أيبك"، زي ما سبق وشرحنا بالتفصيل. وده بالظبط اللي بيخليه مهم ومؤثر في اللحظة دي من تاريخ المماليك، خصوصًا لما نيجي نفهم مشهد قتل "أقطاي" وما ترتب عليه. "قطز" كان رجل اللحظة، مش رجل استعراض. بعكس "أقطاي" اللي كان بيحب المشهد، الحرس، الموكب، والهيبة الظاهرة. "قطز" كان بيخطط بشكل هادي، صامت، ومبيظهرش إلا وقت اللزوم، ومش اندفاعي زي "بيبرس" في بداية حياته. كلامي ممكن يكون صادم، لكن احنا متعودين نشوف مع بعض التاريخ بنظرة حياد، نفهم العصر وفكر الزمن عشان نعرف نحط كل شخصية في مكانها الصحيح. تعيين "قطز" نا...

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 14

صورة
(14) القلعة تشرب الدم… والمماليك يغيرون وجه الحكاية وسط كل الصراعات الكبيرة اللي كان السلطان المعز "عز الدين أيبك" غرقان فيها، طلع له خطر من نوع تاني، خطر جاي من قلب البلد نفسها. في سنة 1253م، قامت ثورة العربان في مصر، ودي كانت من أوائل الأزمات الداخلية اللي واجهت الحكم المملوكي وهو لسه بيحاول يثبت أركانه. العربان عبارة عن قبائل عربية استقرت في مصر من أيام الفتح الإسلامي، ومع الزمن اتأثروا بالبيئة الزراعية الغالبة في مصر عكس أرض الحجاز، فغيرتهم وبقوا أقرب للفلاحين، خصوصًا في الصعيد والشرقية، كانوا بيزرعوا الأرض حوالين القرى القديمة، واتعرفوا باسم “العرب المزارعة”. ورغم إنهم بقوا مستقرين، إلا إن مكانتهم الاجتماعية فضلت أعلى شوية من الفلاحين، لأنهم كانوا دايمًا عنصر عسكري مهم وقت الحروب - جمعوا مابين الفلاحة والفروسية عكس المصريين اللي نسوا المهارات العسكرية من كتر قرون الاحتلال اللي عدت عليها فأتحولوا لمزارعين فقط لأن مصر كانت بالنسبة للروم سلة غلال - خاصة في زمن الصليبيين، وده خلا الدولة تعتمد عليهم في القتال وحفظ الأمن وجمع الخراج. لكن مع بداية حكم المماليك، حصل خلل كبير. بع...

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 13

صورة
(13) المماليك والفرنج: حروب الغيرة والتحالف في الوقت اللي كان فيه العالم الإسلامي مشغول بصراعاته الداخلية، كان لويس التاسع واقف بعيد شوية بيراقب، ويحسبها صح. الصدام بين المماليك والأيوبيين كان فرصة دهبية بالنسبة له، واستغلها أحسن استغلال. ضغط على السلطان المعز أيبك، والضغط ده جاب نتيجة؛ خرج الأسرى الصليبيين من السجون، وبعدين اتفتح باب التحالف. سنة 650 هـ / 1252م اتعملت معاهدة بين أيبك ولويس، ظاهرها سياسي وباطنها مقامرة. أيبك وافق يفرج عن باقي الأسرى، ويتنازل عن بقية فدية لويس، ووعده كمان بإعادة مملكة بيت المقدس كلها للصليبيين. الاتفاق كان واضح في هدفه، ضرب الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب، وإقصاء الأيوبيين من الشام.  ممكن الناس تشوف  الكلام ده غريب، إزاي يسيب بين المقدس بسهولة؟ لكن لو فهمت الجو اللي كانوا عايشينه المماليك في مصر هتستوعب الموضوع.  الحكاية مش جشع أو طمع، لكن أيبك كان عارف إنه لازم يحسب كل خطوة صح. مصر كان لسة مشتتة بعد صراعات تورانشاه، والمماليك مش مستقرين قوي، والناصر يوسف من الشام بيهددهم في كل لحظة. وكمان خبر المغول كان بيقرب للشرق، وكل المنطقة في حالة قل...