مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 18

(18)  مرت خمس سنين من السكون الظاهر لكن تحت السطح كان فيه بركان بيجهز، السنين دي كانت سنوات إعداد متصل وتنظيم مستمر، مغابتش فيهم قضية جهاد الصليبيين عن عقل "عماد الدين زنكي" ولا لحظة. مدينة واحدة مش مفارقه خياله، إمارة الرها الصليبية.

 بدأ "زنكي" يرتّب أوراقه، ويعد عدته، ويرسم خطته بدقة، عشان ينظم هجوم شامل وساحق ينهي بيه الوجود الصليبي في الرها. وهو بيجهز كانت إرادة الله وعونه معاه، كأن القدر كان بيمهدله الأرض، وبدأت الأحداث تتكاثف ورا بعضها بشكل عجيب.

في سنة 538 هـ / 1143 م، وصلت الأخبار بموت الإمبراطور البيزنطي "يوحنا كومنين" فجأة، ومسك الحكم من بعده ابنه "مانويل كومنين". طبعاً الأزمة كانت مرعبة، واضطر "مانويل" يصرف كل جهوده وطاقته عشان يثبت أركان الحكم وينظم الأمور الداخلية في الإمبراطورية. وبكده، خرج العملاق البيزنطي من معادلة الصراع تماماً، مبقاش عنده وقت ولا قوة يتدخل فيها عشان ينقذ أو يحمي إمارة الرها.

موت الإمبراطور البيزنطي فتح شهية "ريموند بواتييه" أمير أنطاكية، خلاه يطمع في إقليم قليليّة اللي كانت مسيطرة عليه الإمبراطورية البيزنطية. ومن غير تردد، تقدم "ريموند" بقواته واحتل الإقليم. فقام صراع ونزاع خطير ومسلح بين الإمبراطور البيزنطي وأمير أنطاكية. النزاع ده صرف ذهن "ريموند" تماماً عن الرها وعن همومها، ففقدت الإمارة أقرب وأقوى حليف صليبي كان ممكن يلحقها.

ترتيبات الله جل علاه، وحكمته ومعونته تجسدت كمان في وفاة الملك "فولك الأنجوي" ملك بيت المقدس، متأثر بجراحه اللي أتصاب بيها في رحلة صيد، وساب وراه ولدين صغيرين، اتحط الكبير فيهم "بلدوين الثالث" وعمره 13 سنة بس على كرسي المملكة، وأصبحت أمه "ميلزاند بنت بلدوين الثاني" وصية على الحكم. الاضطراب ده نزع هيبة مملكة بيت المقدس من جذورها، وتفرق شمل الإمارات الصليبية، لأن الزعماء العسكريين والفرسان في الإمارات التانية أصلًا مستحيل يستمعوا لكلام امرأة ولا لحكم طفل صغير.

وجوه البيت الصليبي نفسه، اشتعل صراع عنيف ودموي بين "جوسلين الثاني" أمير الرها، وبين "ريموند بواتييه" أمير أنطاكية؛ التنافس بينهم كان على أشدّه عشان يسيطروا على أملاك المسلمين اللي في النص بينهم. كان الملك الراحل "فولك الأنجوي" باعتباره السلطة الأعلى للكل، مسيطر على صراعاتهم، وكان دايماً بيفصل ما بينهم ويهدي اللعب، لكن بموته مبقاش فيه كبير يفك الاشتباك، وبقى العداء بينهم صريح، معلن، وعلى عينك ياتاجر.

وفجأة وفي عز الأحداث دي كلها، بيموت "ركن الدولة داوود بن سقمان" الزعيم الأرتقي الخطير. كان شخصية داهية وغير مأمونة، وكان ممكن ينقلب في أي لحظة ويضرب "زنكي" في ضهره، ومكنش عنده مانع أبدا يتحالف مع الصليبيين لو دعت الحاجة لحماية أملاكه. مات "ركن الدولة" ومسك مكانه ابنه "قرا أرسلان بن داوود" اللي كان عكس أبوه تماماً. كان ولد طايش معندوش الحكمة السياسية، مبيعرفش يمسك العصاية من النص، وعنده ضعف ملحوظ في السيطرة على جنوده، والأدهى إنه في أيام حكمه الأولى قرر بتهور إنه يتحالف مع "جوسلين الثاني" أمير الرها. الخطوة دي وإن كانت خطيرة في ظاهرها، إلا أنها كانت هدية على طبق من ذهب لـ"زنكي"؛ كشفت أوراق "قرا أرسلان" بدري، وأدت "زنكي" المبرر الكافي والقوي عشان يضربه ويهجم على بلاده، خصوصاً مع ضعف تأثيره على جيشه.

تضافرت كل الأحداث والظروف مجتمعة عشان تعزل إمارة الرها تماماً عن العالم. فقدت العون من أنطاكية، فقدت سند مملكة بيت المقدس، وفقدت حماية الإمبراطورية البيزنطية. لتصبح الإمارة الحصينة كالشاه التائهة البعيدة عن قطيعها، وحيدة ذليلة، في انتظار الذئب المفترس.

وفي نفس سنة 538 هـ / 1143 م، أطلق "عماد الدين زنكي" حملة عسكرية جديدة، هدفها الأول إسقاط الحصون الصليبية الواقعة على الحدود بين إمارة الرها وبين أملاك "قرا أرسلان"، عشان يضمن عزل الحليفين عن بعضهما تماماً وميخليش ليهم أي طريق للاتصال.

وبخطوات ثابتة وضربات مدروسة، نجح "زنكي" في إسقاط عدد من الحصون العسكرية الصليبية المهمة، زي حصن جملين، وحصن الموزر, وحصن تل موزن وغيرها. وبكده حقق هدفه، بقت إمارة الرها معزولة تماماً عزلة تامة عن العالم الخارجي، ومبقاش قدام "عماد الدين زنكي" أي عائق، خلاص مسرح العمليات جاهز، ومبقاش فاضل غير إنه يتوجه بجيشه ويضرب الضربة الكبرى، ويسقط إمارة الرها.

بس الحكاية متمشيش كدة بسلاسة لازم يطلع منغص ينغص على "زنكي" أحلامه. الحياة متكملش وردي كدة يا صاحبي.  وصلته رسالة خطيرة جاية من بغداد بتقول إن السلطان السلجوقي "مسعود" بيجهز جيش عشان يغزو "عماد الدين زنكي" وينتزع منه الإمارة وسلطانه. خير يارب ما كنا حبايب.

السلطان "مسعود" فجأة حس إن الأرض بتتناقص من تحته، وإن هيبته وسط الأمراء بدأت تقل لصالح "زنكي"، وحس إن أمراء الأطراف اللي تابعين له بدأوا يثوروا ويخرجوا عن طوعه. وطبعا كان فيه أطراف ليهم مصالح في الحاشية عنده كان ليهم الأثر، والدوي ع الودان أمر من السحر، عشان كدة ظن بكل وهم إن خروج الأمراء كان ده بتحريض من "عماد الدين زنكي" عشان يضعف بيه كرسي السلطان.

وقصاد الكرسي والسلطة، نسي السلطان "مسعود" قضية الصليبيين من أساسها، وتجاهل هموم الأمة والجهاد، وبقى كل همه وتفكيره هو إزاحة "زنكي" من الوجود.

وقف "عماد الدين زنكي" قدام الكارثة دي في مأزق خطير. ياترى يتجاهل أمر السلطان ويمشي في طريقه للرها خصوصاً بعد ما مسرح العمليات بقى جاهز، بس ساعتها هيكون ظهره مكشوف والسلطان هيهجم عليه من وراه فيضيع كل اللي بناه، ولا الصح يسيب الرها ويروح يحارب السلطان "مسعود"، بس ده فيكون على حساب ضياع فرصة العمر في فتح الرها اللي فضل يجهز لها سنين من أول يوم في حكمه.

مأزق فعلاً وحش جدا حطه فيه السلطان "مسعود" بكل أنانية. لكن حكمة القائد الحقيقي ظهرت في اللحظة الصعبة دي؛ فهداه الله إلى الحل الأمثل، لازم يشتري رضا السلطان "مسعود" بأي تمن، حتى لو وصل الأمر للانكسار له وإظهار الامتثال الكامل لسلطانه. مع إن كل الناس حواليه القاصي والداني كان شايف إن "عماد الدين زنكي" أقوى ألف مرة من السلطان "مسعود". إلا أن "زنكي" ما كانش عنده وقت يضيعه في معارك جانبية ملهاش فيدة من وراها غير استنزافه، ولا كان بيجري ورا لقب أو تشريف كاذب، كل اللي كان عايزه هو جهاد الصليبيين بصدق، ومكنش بيسمح لأي شاغل إنه يشتته عن الهدف الأسمى.

ساعتها جاتله الفرصة اللي يحقق بيها قراره على طبق من ذهب. طوال السنوات اللي فاتت، كان "زنكي" سايب ابنه البكر "سيف الدين غازي" في خدمة السلطان "مسعود" ببغداد. حركة سياسية ذكية وحكيمة جداً، يتقرب بيها للسلطان عشان يأمن شره، وفي نفس الوقت تكون عيونه جوه القصر تنقل له الأخبار أول بأول.

فلما سمع "سيف الدين غازي" بالتطورات والنية السودا للسلطان، خاف على نفسه وعلى أبيه وهرب، وجري على الموصل عشان يحذره. بس الأخبار كانت وصلت لـ"زنكي" أسرع من وصول أبنه وكمان كان أخد قراره خلاص. لما وصل "سيف الدين غازي" للموصل فوجئ بالحرس بيمنعه من الدخول لمقابلة أبيه بناء على أوامره الشخصية. رفض "عماد الدين زنكي" إنه يقابل ابنه، وطلب منه عن طريق الحرس من غير ما يشوفه يلف ويرجع تاني للسلطان "مسعود" من غير حتى ما يستريح من السفر، وبعت معاه رسول برسالة للسلطان قال فيها: "إن ولدي هرب خوفاً من السلطان، لما رأى تغيره علي، وقد أعدته إلى الخدمة، ولم أجتمع به، فإنه مملوكك، والبلاد لك".

كلمات قليلة، لكن ذكائها السياسي نزل على السلطان زي المية الساقعة. تأثر السلطان "مسعود" بالموقف، ده رجعله إبنه أغلى ما عنده، وهو عارف إنه ممكن يبطش بيه ويأذيه، يعني مسلمله رقبته ومديه الأمان. سواء بقى فهم الموقف على أنه رضوخ حقيقي وطاعة كاملة من "زنكي"، أو فهمه على أنه خدعة سياسية، فإنه في النهاية مكنش يقدر يعمل حاجة، ولا يكمل في نية القتال؛ خصوصاً وهو عارف كويس قوة "زنكي" وشعبيته، والأهم من كده رد فعل عموم المسلمين مش هيرحم السلطان "مسعود" لو حارب "زنكي" خصوصاً بعد ما أظهر الأخير طاعته له وألغى مبرر القتال.

وبكدة توقف السلطان "مسعود" عن مخططه، ونجا "عماد الدين زنكي" من الكارثة بذكاء حكيم، ومضيعش لحظة واحدة، ويمم وجهه شطر الرها، والقلب ينبض باقتراب الميعاد.

 (يتبع)

مروة طلعت
19/10/2026
المصادر:
الكامل في التاريخ جـ 9— ابن الأثير، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2012م.
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم جـ 17–18— ابن الجوزي، تحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ/1992م.
البداية والنهاية جـ 12— ابن كثير، مراجعة عبد القادر الأرناؤوط وبشار عواد معروف، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة السادسة 2021م.
الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل — ابن الأثير، تحقيق عبد القادر أحمد طليمات، دار الكتب الحديثة بالقاهرة ومكتبة المثنى ببغداد، 1963م.
الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية جـ 1–جـ 3— أبو شامة المقدسي، تحقيق إبراهيم الزيبق، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1418هـ/1997م.
تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام — د. محمد سهيل طقوش، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثانية، 2010م.
ذيل تاريخ دمشق — ابن القلانسي، تحقيق H. F. Amedroz، بيروت، 1908م.
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان جـ 20–21— سبط ابن الجوزي، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الرسالة العالمية، دمشق، الطبعة الأولى، 1434هـ/2013م.
زبدة الحلب من تاريخ حلب — ابن العديم، وضع حواشيه خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ/1996م.
تاريخ مدينة دمشق — ابن عساكر، تحقيق عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان جـ 5— ابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1978م.
تاريخ الأتابكة في الموصل والشام — د. السيد الباز العريني.
القائد المجاهد نور الدين محمود زنكي: شخصيته وعصره — د. علي محمد الصلابي.
نور الدين محمود وتجربته الإسلامية — د. عماد الدين خليل.
العبير الشذي في سيرة الملك العادل نور الدين زنكي — محمود أحمد الزويد.
عماد الدين زنكي شخصيته وعصره ــــ د. على محمد الصلابي.
قصة الحروب الصليبية من البداية الى عهد عماد الدين زنكي ــــ د. راغب السرجاني.
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
EuJ/
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة
الحلقة السابعة
الحلقة الثامنة
الحلقة التاسعة
الحلقة العاشرة
الحلقة الحادية عشر
الحلقة الثانية عشر
الحلقة الثالثة عشر
الحلقة الرابعة عشر
الحلقة الخامسة عشر
https://www.facebook.com/share/p/1DNLhBnVuM/
الحلقة السادسة عشر
https://www.facebook.com/share/p/17c5enadCb/
الحلقة السابعة عشر
https://www.facebook.com/share/p/1JFNWZs6qx/



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أحمد بن طولون 29

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5