مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 17
(17) ذي القعدة سنة 533 هـ / يوليو 1139م، في قلب حر الصيف كان الجيش الزنكي الجبار يزحف كالسيل الهادر من الشمال متجه نحو دمشق. غبار الخيول يغطي قرص الشمس، دوي الطبول وصوت ركض الخيول يسبق الخطوات.
"عماد الدين زنكي" وهو في طريقه، وقف ونزل من على فرسه، وخرج خريطة الشام من جرابها، وفردها وسط قادة جيشه وبص فيها بتمعن وسكون وأفكاره بتتصارع جوا عقله. وفجأة حط سباته على موقع بعلبك الحصينة بقلعتها الرابضة كالسيف الموجه خلف ظهره. "زنكي" كان عارف أنه لو حاصر دمشق وساب بعلبك وراه بحاميتها الشديدة هو مجازفة قاتلة؛ ففي أي لحظة يقع جيشه في الفخ، محصور بين فكّي كماشة بين ضربات حامية بعلبك من الخلف وجيش دمشق من أمام.
بعد مشاورته لقواد جيشه، وصل لقرار مهم يحميه ويحمي جيشه، ركب "زنكي" حصانه وأمر الجيش بالتحرك، وصدح نفير الحرب، لكنه لوى عنق حصانه ووجهة الجيش بأكمله، وانحرفت الركائب والرايات ناحية بعلبك.
في 20 من ذي الحجة 533 هـ / 18 أغسطس 1139م، صحي أهل بعلبك على مفاجأة طيرت ثباتهم وعقولهم؛ جيش "زنكي" عامل حصار محكم يلف أطراف المدينة كالأفعى، ومحاوط أسوارهم ب14 منجنيق ضخم.
قبل ما الآلات تبدأ تعزف لحن الدمار والخراب، "زنكي" أرسل رسله لفرسان القلعة وأهلها ينادوا عليهم بالأمان، ويدعوهم للتسليم من غير نقطة دم واحدة، حقناً لدماء المسلمين ويجنبوا حصنهم التاريخي أهوال الدك والخراب. لكن العظمة الكدابة والغرور غطوا عينين حامية بعلبك، فضربوا بعرض الحائط كلمة العقل، ورفضوا العرض وحصنوا الأبواب وقفلوها في وش "عماد الدين زنكي".
ساعتها سكتت الألسن، وساد صمت رهيب، وفجأة تكلمت المجانيق. 14 آلة دمار ضخمة بدأت تزمجر وتقدم حمم الأحجار ليل نهار من غير ثانية واحدة راحة، الصوت لوحده كان بيرج جبال البقاع رج؛ صفير الأحجار الثقيلة الضخمة وهي بتشق الهواء زي الصواعق، وبعدها دوي الانفجار المرعب لما ترتطم بالأسوار وفي قلب الأبراج، وجنود الأبراج يطيروا في الهوا مع حجارتها، السماء بتمطر صخور، والأرض تحت أقدام المحاصرين بتهتز وتتزلزل. ليلهم تحول لنهار من شدة وهج الحرائق، ونهارهم بقى ليل مظلم بدخان الحرائق وغبار الدك المتواصل.
أكتر من 40 يوم جحيم متصل، وبعلبك محبوسة تحت الحصار الخانق والقصف من غير رحمة. 40 من الاستماتة والمقاومة، لكن في النهاية تهاوت الأبراج العنيدة، وتشققت الأسوار الصلبة، وانكسر كبرياء الحامية تحت ضربات ملهاش نهاية.
وفي شهر صفر 534 هـ / أكتوبر 1139م، سقطت قلعة بعلبك أخيراً. نزل "عماد الدين زنكي" من على فرسه ودخل بخطوات واثقة للقلعة اللي خضعت لسطوته، عشان يعلن سيطرته الكاملة والمطلقة على خط الدفاع الشمالي كله لإمارة دمشق؛ وبكده بقت مدن بعلبك، وحمص، وحماه، وبانياس، والمجدل كلها تحت رايته ومن ضمن حدود الدولة الزنكية.
بعد السقوط، "زنكي" مكنش مستعجل يلم خيامه ويمشي بسرعة؛ فضل قاعد في بعلبك شهر كامل. كان بيمشي بين شوارعها المهدومة وأسوارها المكسرة، يشرف بنفسه على بناء اللي هدته المجانيق، ويرمم الثغرات ويقوي تحصيناتها عشان ترجع قلعة عصية على أي طامع. وفي نفس الوقت، كان قاعد في مقره بينظم أمورها الإدارية والمالية بدقة مهندس وعقلية دولة. ولأنه عارف إن بعلبك دي ثغرة استراتيجية مسؤولية تقيلة مش أي حد يقدر يمسكها، فاختار لها قائد يجمع بين الحكمة والصلابة، رجل ثقة يسند عليه وهو "نجم الدين أيوب" أبو الطفل وقتها "صلاح الدين الايوبي".
وبعد ما اتطمن إن ضهر جيشه متأمن كويس وقلعة بعلبك بقت في إيد أمينة، حَب يفتح باب السياسة والدبلوماسية الأول مع دمشق. تحرك بجيشه ونزل في سهل البقاع الفسيح، وقعد في خيمته وكتب رسالة دبلوماسية لـ"جمال الدين محمد بن بوري" حاكم دمشق. عرض عليه صفقة سلمية تحقن الدماء، يسلم "جمال الدين" دمشق لـ"زنكي" من غير قتال، وفي المقابل وياخد حكم حمص وبعلبك تحت وصايته بأمان ورغد وتتحفظ كرامته.
لكن "جمال الدين" رفض عرضه تماماً، ورجال حكومته المستخبيين ورا الكواليس رفضوا، وعلى راسهم طبعاً العقل المدبر وداهية دمشق "معين الدين أنر"، اللي كان شايف إن خروج دمشق من إيده معناه نهايته ونهاية سطوته ونفوذه.
في شهر ربيع الأول 534 هـ / نوفمبر 1139م، لما فشلت السياسة ومحاولة المفاضات بسلمية وأتقفلت الأبواب، زحفت القوات الزنكية بصفوف منتظمة ومشهد مهيب، وضربت حوالين دمشق حصار، عشان تبدأ ملحمة الحصار الكبير.
حوالين دمشق، حلقة الحصار كانت بتضيق وتتقفل بإحكام مرعب، ودخل الطرفين في دوامة من الاشتباكات والمناوشات؛ يوم الغلبة لـ"زنكي" ويوم لجيش دمشق، والضرب رايح جاي على مدار أشهر طويلة ومتصلة من غير رحمة. الضغط جوه المدينة وصل لذروته، أصاب الأمير "جمال الدين محمد بن بوري" المرض والضعف بسبب طول الحصار والضغط العصبي والتوتر النفسي الرهيب اللي عاشه يوم ورا يوم طول فترة الحصار الطويل، فحس إن حبل الحصار أتلف حوالين رقبته وبيخنقه، والبلد بتموت بالبطيء، فكان خلاص هيستسلم ويرفع الراية البيضاء لـ"زنكي" حقناً للدماء ونجاة للي تبقي. لكن مين اللي كان واقف له زي الشوكة في الزور؟ "معين الدين أنر" الداهية اللي مكنش مستعد يفرط في الكرسي ولا يوافق على التسليم، وفضل يضغط ويدفع المقاومة، مهما كان التمن ومهما زادت قسوة الحصار وتأزم الموقف جوه الأسوار.
في شعبان سنة 534 هـ / مارس سنة 1140م، وفي وسط النار دي، الأخبار طارت بمفاجأة قلبت كل الموازين، مات "جمال الدين محمد" حاكم دمشق فجأة. البلد دخلت في حالة تخبط، والأمور اتفكت من إيد الورثة، وحصل صراع داخلي خفي وعلني على مين ياخد الحكم ومين يقعد على الكرسي. "عماد الدين زنكي" بانت قصاده بوادر فرصة ذهبية للتدخل الحاسم وسط الفوضى دي. لكن "معين الدين أنر" كان أسرع من خيال "زنكي"؛ بخطوة استباقية، قام بسرعة منصب ابن الحاكم المتوفي الصغير "مجير الدين أبق بن محمد" حاكم جديد، عشان يلم الشتات ويثبت أركان المقاومة اللي رجعت تشتعل بوحشية وعنف من جديد.
الاشتباكات والمقاومة الدمشقية العنيفة هدّت حيل الجيش وارهقت "عماد الدين زنكي"، اللي فضل محاصر المدينة لمدة زادت عن 6 شهور متصلة من غير ما يزهق ولا يمل. "زنكي" كان عارف بيعمل إيه؛ مرفعش الحصار، وكان مراهن على إن الحالة الاقتصادية للمدينة هتنهار من كتر الحبس، والناس تتعب وتجبر قيادتها على الاستسلام لوحدها. لكن "معين الدين أنر" لما شاف الحصار بيخنق المدينة لحد الموت، والوضع وصل لطفح الكيل. وبما أنه قائد عسكري محنك قاري افكار "زنكي"، لجأ لوسيلة رخيصة جداً، وسلاح أخير يلعب بيه عشان يخلّي "زنكي" يفك الحصار ويسيب المدينة غصب عنه.
بعت "معين الدين أنر" رسالة سرية واستغاثة عاجلة لـ مملكة بيت المقدس الصليبية، بيطلب فيها من ملكها "فولك الأنجوي" إنه يتحرك بجيش صليبي ضخم وكبير عشان يحارب "عماد الدين زنكي" ويخليك يفك الحصار عن دمشق، وبيحذره بكل خبث إن لو "زنكي" دخل دمشق وسيطر عليها، مفيش بعدها حصن هيحميك، وهتبقى مملكتكم في مهب الريح وتحت التهديد المباشر.
وهنا تتجلى خسة النفوس لما تتعمى بالشهوة وتنسى كل قيمة وعهد. "معين الدين أنر" مفرقش معاه تاريخ، ولا دين، ولا الدم اللي بيجري في عروق أهل بلده؛ كل اللي شغل باله وعقله في اللحظة دي هو الكرسي اللي تحته، حتى لو هيسنده بسيف عدوه ومحتل أرضه. بعت استغاثته الخبيثة والسرية لـ"فولك الأنجوي"، وسلم رقاب المسلمين على طبق من دهب للعدو الصليبي، وبكل دناءة بيلعب على أوتار الخوف والخطر اللي بتهدد مملكة بيت المقدس، وبيقوله بلسان الخائن، تعَالى انجدني من أخويا، واستغل ضعفي عشان نكسر "زنكي" مع بعض.
تصرف بيعكس أقصى درجات الوضاعة والانهيار الأخلاقي، لما يتنازل الحاكم عن كرامته وشرفه، ويفتح باب بيته بنفسه للذئب، لمجرد إنه خايف ينكشف أو يخسر سلطانه. مشهد يعصر القلب مرارة، ويكشف قد إيه الخيانة لما بتبدأ من الداخل، بتكون أشد دمار من ضربات المناجنيق على الأسوار.
وعلى الناحية التانية، الملك الصليبي "فولك الأنجوي" لما وصلته الاستغاثة، مصدقش نفسه من فرحته، وحس إن دي فرصة عمره اللي مش هتعوض بكنوز الدنيا لضرب أكتر من عصفور بحجر واحد. أولاً، هيشف غليله وينتقم لكبريائه المكسور ويرد اعتباره من "عماد الدين زنكي"، بعد الهزيمة الرهيبة من تلات سنين بس في موقعة حصن بارين. ثانياً، هيوجّه ضربة قاصمة لأقوى قوة إسلامية صاعدة في المنطقة، وهيكون معاه في الصف الجيش الدمشقي القوي المدرب. ثالثاً، كان طمعان في مدينة بانياس الحصينة، وهيطلبها في بنود الاتفاق مع "أنر” كغنيمة ليها موقع إستراتيجي خطير على الطريق الساحلي غرب الشام. ورابعاً والأهم، دي هتكون بداية لعلاقة مصالح مشتركة في دمشق، تفتح له الباب في المستقبل لاحتلالها بالكامل، أو على الأقل تؤمن له الحدود الشمالية لمملكة بيت المقدس، بحيث تتحول مدينة دمشق نفسها لحاجز بشري وعسكري يحميه ويقف حصن أمين بينه وبين قوات الدولة الزنكية في حلب والموصل. مضيّعش الملك "فولك" ثانية واحدة،ت حركت الجيوش الصليبية بسرعة تجري ناحية دمشق.
وفجأة رادار "عماد الدين زنكي" لقط الخطر اللي جاي عليه، لو استمر في مكانه وجم الصليبيين هيتحاصر ما بينهم وبين الجيش الدمشقي من الناحيتين، فهيتعرض لكارثة عسكرية تبلع جيشه بين فكّي الكماشة وفيها هلاكه.
وبقرار حاسم أمر "زنكي' برفع الحصار فوراً، واتحرم بجيشه بسرعة على إقليم حوران، عشان يسبق الأحداث ويقابل جيش الصليبيين في ميدان المعركة، قبل ما يتحد مع الجيش الدمشقي وتحصل الكارثة. الملك الصليبي "فولك" كان بيتحرك بحذر شديد وخوف من "عماد الدين زنكي" ملجم خطواته. ولما وصلته أخبار زحف "زنكي" لإقليم حوران، خاف وفضل إنه ميكملش لوحده، ووقف عند بحيرة طبرية يستنى أي مساعدة، وهو مرعوب من فكرة إنه يواجه "زنكي" وجهاً لوجه لوحده في المعركة.
ولأن الخطر كان بيكبر كل ثانية، مَسِك "معين الدين أنر" قلمه وبعت رسالة استغاثة تانية لـ"ريموند بواتييه' أمير أنطاكية، يستنجد بيه ويطلبه بسرعة. وما صدق "ريموند"؛ طار وجرى على راس جيش كبير عشان يلحق دمشق المحاصرة. عيون الاستخبارات عند "زنكي" كانت صاحية ورصدت التحركات دي أول بأول؛ بص ولقى إن الجيوش دي كلها لما تتجمع وتتكتل على بعضها، هتمثل خطر مرعب وطوفان من الصعب مواجهته في الوقت الحالي. وبحكمة القائد الخبير اللي بيعرف إمتى يتراجع عشان يحمي جيشه ويجهز لضربة أوجع، أخد "زنكي قراره الصعب. لوى عنق خيوله وانسحب بجيشه إلى حمص، ومنها كمل طريقه ورجع لقواعده في الموصل. لكن المأساة مخلصتش عند نقطة الانسحاب..
"معين الدين أنر" كان لازم يكمل خيانته على أكمل وجه؛ أخد فرقة من جيشه وطلع يحاصر مدينة بانياس التابعة لـ"عماد الدين زنكي"، ودارت معارك طاحنة وقتال مستميت بين قوات دمشق والحامية المخلصة للمدينة، لكن كتر القوات والضغط المتواصل حسموا الموقف، وسقطت بانياس في إيد "معين الدين أنر". وهناك عمل أفظع وأبشع تصرف ممكن يتخيله عقل سلم المدينة بدم بارد، للملك الصليبي "فولك الأنجوي"، على حسب الاتفاق المشؤوم والصفقة الملوثة اللي بينهم.
في اللحظة دي، رجع "عماد الدين زنكي" وفي قلبه مرارة وخيبة أمل تقيلة؛ شاف بعينه مأساة حقيقية من بلد إسلامي كبير كان بيأمل فيه الخير والمساندة، لكن حكامه فضّلوا شهوة الكرسي وحفظ السلطان على الدين والوطن والعرض.
وكانت دي الحقيقة المرة والدرس التاريخي القاسي إن مدينة دمشق فضلت لفترة طويلة من الزمن، من بدايات الحروب الصليبية وطوال حياة "عماد الدين زنكي، عائق منيع وحصن واقف في وش مشروع الوحدة الإسلامية الكبرى، وفضلت طعنة غائرة في ظهر الأمة، وشهادة حية على قسوة الصراع على السلطة.
(يتبع)
تعليقات
إرسال تعليق