مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 14
(14) يوم 6 شعبان سنة 532 هـ / 20 أبريل 1138 م، الجيوش البيزنطية والصليبية نازلة زي السيل الجارف حولين أسوار حلب، دروع بتلمع، وأعلام ملونة، وأعداد ملهاش عدد ولا حصر، قاصدة دك المدينة وإسِقاطها فوراً. لكن أول ما قربوا من الأسوار، أخد الإمبراطور "يوحنا كومنين" وقادته الصدمة القوية.
تفاجأوا بشراسة الاستحكامات والقوة العسكرية اللي جهزها الجيش هناك؛ الخنادق قدام الأسوار كثيرة وعميقة جداً متحاوطة بالفرسان، الأسوار عالية وسميكة كأنها الجبال، والجيش المسلم جوة الحصن واصل لأعلى درجات التحفز واليقظة!
ومع أول خطوة قرب فيها الجيوش البيزنطية الصليبية من الأسوار، نزل عليهم السهام زي المطر من فوق الأسوار، ضربات دقيقة وموجعة منعت القوات الصليبية والبيزنطية من إنها حتى تقرب من مباني أو أبواب حلب. ولأن المسلمين في حلب مكنش عندهم منطق الدفاع السلبي يعني مجرد الانتظار جوة الأسوار، فبنشوف أمير حلب الأمير "سوار" بيطلع عدة سرايا وفرق خاصة من الجيش، وبيعملوا هجمات خاطفة وكمائن ذكية لفرق من الجيش المحاصر على غفلة.
قتال شوارع ومناوشات سريعة ودامية، قدرت السرايا دي تقتل فيها عدد كبير جداً من البيزنطيين والصليبيين، وفي وسط المعارك الشرسة دي، يتقتل واحد من كبار القساوسة في الجيش البيزنطي، وده َسبب حالة من الفزع والازعاج الشديد والاضطراب النفسي جوة المعسكر البيزنطي بأكمله. الإمبراطور البيزنطي "يوحنا كومنين" واقف قدام أسوار حلب، وشايف إن المدينة بجيشها الشجاع، وتكتيكها الهجومي، وتحصيناتها المنيعة، أصبحت حلم بعيد المنال وصعب الكسر. وبعد 3 أيام بس من الحصار العقيم، الإمبراطور أخد قراره برفع الحصار عن مدينة حلب الباسلة. عجزت الجيوش البيزنطية والصليبية العملاقة إنها تكسر إرادة حلب وأهلها، ولملم الإمبراطور خيبته، وساب حلب يائس ومكسور.
حلب كسرت شوكة الحملة، لكن الإمبراطور مكنش مستعد يرجع من غير غنيمة، ولأن الطريق لاقتحام حلب اتقفل في وشه، لفّ بنظره ناحية هدف تاني، يمكن يعوض بيه هزيمته، وكان الهدف هو حصن الأثارب غرب حلب. الحصن ده كانت فيه حامية إسلامية بسيطة وصغيرة. القادة في الحامية لما شافوا اعداد الجيش البيزنطي الصليبي الجارف جاي عليهم، حسوا إن احتمال هلاكهم قوي، وبلا فائدة استراتيجية، ففضلوا الانسحاب التكتيكي للحفاظ على أرواح الجند. وبكدة امتلك الإمبراطور البيزنطي حصن الأثارب، وحط جوة الحصن أسرى وسبايا مدينة بزاغة اللي كان واخدهم معاه في الطريق، وساب معاهم حامية بيزنطية تحرس الحصن والأسرى. وبعد ما أمن حصن الأثارب، كمل الإمبراطور البيزنطي طريقه، واحتل في طريقه مدينة معرة النعمان وبعدها كفرطاب، وبعدهم يمّم وجهه وعينيه على مدينة شيزر.
فوق أسوار حلب الحامية الإسلامية بتبص، وتتأكد إن الجيوش البيزنطية والصليبية لفت وجمعت خيامها ورحلت عن المدينة، لكن الأمير "سوار" مكتفاش بحماية مدينته ونجاحه فيها، بعت ورا الجيوش البيزنطية الصليبية العيون والمراقبين عشان يتبعوا مسارهم ويعرفوا خطواتهم الجاية. وترجع العيون بخبر في غاية الأهمية، قالوا للأمير "سوار" إن البيزنطيين سابوا كل الأسرى والسبايا المسلمين اللي أخدوهم من بزاغة جوة حصن الأثارب، وسابوا معاهم حامية بيزنطية صغيرة لحراستهم.
"سوار" انتهز الفرصة فوراً، وطلع من حلب بسرعة في فرقة فرسان كبيرة من جيشه، وطاروا على حصن الأثارب. ضربات متتالية من فرسان حلب، وبعد وقت بسيط أسقطوا الحصن، وقتلوا عدد كبير من جنود الحامية البيزنطية، وأسروا الباقي، والأهم طبعاً أنهم حرروا كل الأسرى والسبايا المسلمين، ورجعوا بيهم مرفوعين الراس لمدينة حلب. الناس في حلب أول ما دخل عليهم "سوار بفرسانه وهم محاوطين وسطهم وعلى خيولهم أهالي بزاغة اللي كانوا المأسورين، هتاف وتكبير أهالي حلب وصل لعنان السماء، والموقف اتحول لفرحة كبيرة، والمعنويات ارتفعت. ولما وصلت الأخبار السعيدة دي لجيش "عماد الدين زنكي" المرابط عند سلمية، رقصت القلوب من الفرحة، وازداد إصرارهم على الجهاد، وقويت نفوس الجنود، وامتلأت قلوب الجميع بالطمأنينة، وشعروا إن معية الله ونصره كانوا معاهم.
الإمبراطور البيزنطي "يوحنا كومنين" اتجه بجيشه ناحية مدينة شيزر - مدينة وقلعة تاريخية في سوريا حالياً، تقع على نهر العاصي - وده عشان شيزر لحد اللحظة دي كانت إمارة مستقلة، وحاكمها الأمير "سلطان بن منقذ"، يعني مش تابعة لحكم "عماد الدين زنكي". الإمبراطور فكر وقال إنه بكده هيواجه إمارة ضعيفة نسبياً يقدر عليها بسهولة، وفي نفس الوقت مش هيثير غضب الزعيم العنيد الشرس "عماد الدين زنكي". هكذا ظن الإمبراطور البيزنطي، لكن الواقع جه صدمه كذبت كل ظنونه.
الأمير "سلطان بن منقذ" رغم رغبته الشديدة وحرصه على إنه يحتفظ باستقلاله عن "زنكي" إلا أنه أول ما شاف الخطر البيزنطي الجارف على أبوابه، بعت رسالة استغاثة عاجلة لـ"عماد الدين زنكي"، وهو كقائد للأمة كلها مش مجرد حارس لأملاكه؛ مكنش في حساباته أي خلافات، ولا اعترض على استقلال شيزر عنه، واتحرك فوراً بقوته الرئيسية لإنقاذ شيزر.
جيش "زنكي" عبر نهر القويق واحد من روافد نهر الفرات، وتجاوز مدينة حماة التابعة له، بحيث تكون في ظهره، عشان يحتصن بحصونها ويحتمي بيها لو حصل أي تفوق غير متوقع للجيش البيزنطي. وبعدها تقدم "زنكي" باتجاه شيزر، لحد ما عسكر بجيشه في منتصف الطريق بين شيزر وحماة، ونشر العيون والاستخبارات عشان تنقل له كل حركة للعدو على الأرض. ويرجع رجال الاستخبارات والعيون لـ"زنكي" بتقارير مرعبة بتقول إن الجيوش البيزنطية والصليبية اللي واقفة قدام شيزر ملهمش عدد، أعداد ضخمة جداً وهي أضعاف أضعاف جيش "زنكي"، ونصبوا 18 منجنيق ضخم حوالين أسوار شيزر، ده غير آلات دك الحصون الضخمة اللي جايبينها معاهم.
والأعلام بترفرف في الميدان لقوات الدولة البيزنطية العظمى، وإمارة أنطاكية، وإمارة الرها، ومعاهم كتيبة كبيرة من فرسان الداوية (فرسان المعبد أو الهيكل). لما وصلت الأخبار الاستخباراتية دي لـ"عماد الدين زنكي"، وعرف بحقيقة الأعداد الضخمة وآلات الحصار اللي واقفة قدام شيزر، أدرك إن قتال الجموع الهائلة دي في معركة حاسمة ومفتوحة مجازفة غير مأمونة العواقب، وممكن تكلف المسلمين كتير. وعشان كده، حسم أمره وعزم على إتباع سياسة ثانية خالص في القتال، سياسة تضمن له أفضل النتائج بأقل خسائر ممكنة.
عزم "عماد الدين زنكي" على استخدام أسلوب حرب الاستنزاف، عشان يتجنب الصدام المباشر مع القوة البيزنطية والصليبية الشاملة وهي في كامل قوتها وتجمعها. "زنكي" جهز فرقة كبيرة ومتحركة من فرسانه وجيوشه، وبعتها تقرب ببطء من معسكرات البيزنطيين المحاصرين لشيزر، ولما البيزنطيين والصليبيين يشوفوا الفرقة الإسلامية دي جاية عليهم، يتحمسوا ويخرجوا بكتائبهم ويقربوا منها عشان يقاتلوها ويقضوا عليها، وف اللحظة دي تبدأ المصيدة.
فرقة "زنكي" متدخلش في معركة ملتحمة معاهم، وتنسحب تدريجياً وبذكاء شديد ويستدرجوا القوات البيزنطية ويبعدوهم مسافة كبيرة عن القوة الرئيسية اللي محاصرة شيزر. ولما يضمن "زنكي" إن القوة دي انفصلت تماماً عن أصل الجيش وأصبحت معزولة في الميدان، ينقض عليهم بسرعة ويصطدم بيهم في قتال خاطف وعنيف، ويقتل منهم أعداد كبيرة، ويأسر الباقين.
وفضل "عماد الدين زنكي" يكرر الأسلوب ده وينفذه بنفس الدقة مرة ورة مرة، ينكش، يستدرج، يقطع، ويضرب. فضل يمارس حرب الاستنزاف النفسي والعسكري ده لحد ما أرهق الجيوش البيزنطية والصليبية، وهدّ حيلهم، وشتت تركيزهم، ومن غير ما يديهم حتى مجرد فرصة أو لحظة واحدة إنهم يجمعوا قواتهم ويقاتلوه قتال مفتوح.
"عماد الدين زنكي" مكتفاش بإنهاكهم في الميدان بس، ده كمل الخناق عليهم وبعت فرق متخصصة وسريعة من جيشه عشان تحاصر وتخنق كل الطرق خلف الجيوش المحاصِرة.
خطوط الإمداد والمؤن كانت بتتقطع حبة حبة، القوافل مش عارفة تعدي، والأكل والمؤن مبقاش يوصلهم بشكل ثابت ولا منتظم. وده سبب لهم الخوف جوة قلوب القادة والجنود البيزنطيين، لأن الوقت مبقاش في صالحهم، ومع مرور الأيام هيمروا بضائقة شديدة، والجوع والعطش هيمنع الجيش كله إنه يصبر أو يصمد لفترة طويلة.
وفي وسط الضغط والضائقة دي، يضرب "زنكي" ضربته الثانية في سياسة الحرب النفسية. بعت رسايل للقوات البيزنطية الصليبية المتحالفة، رسايل مليانة بالقوة والثقة الشديدة، ويقولهم فيها بمنتهى الثقة والسخرية: «إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال، فاخرجوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقي، فإن ظفرتم أخذتم شيزر، وإن ظفرنا بكم أرحت المسلمين من شركم».
"عماد الدين زنكي" كان عارف كويس جداً إن قوته، أضعافها أضعاف قدامه، ومكنش عنده أي رغبة حقيقية في إنهم يخرجوا له في السهل المفتوح، لكنه بالكلمات دي كان بيدهس معنوياتهم، وبيحطمهم نفسياً. كان بيوصلهم إحساس مرعب إن قوته أضخم بكتير مما يتخيلوا، وإنه واثق في نفسه وجيشه تمام الثقة. رسالة هدفها الأول والأخير الإرعاب وإدخال الهيبة في قلوبهم.
وفي خيمة الإمبراطور البيزنطي "يوحنا كومنين"، الرهبة والخوف والجزع ظهروا بوضوح شديد لما وصل نص رسالة "زنكي" المستفزة. بعض القادة الصليبيين الشجعان في المعسكر قالوا للإمبراطور "نخرج له ونقاتله في السهل ونخلص منه. لكن الإمبراطور البيزنطي رد عليه بكل جزع وهلع وخوف، وقالهم: «أتظنون أنه ليس من العسكر إلا ما ترون؟! إنما يريد أنكم تلقونه، فيجيء إليه من نجدات المسلمين ما لا حد عليه»
شفت العبقرية؟ الاستفزاز والتكتيك النفسي جابوا أجل الإمبراطور تماماً؛ أترعب، وجالوا هلع من المجهول، والنتيجة إن الرسالة منعته إنه حتى يفكر في التقدم خطوة واحدة ناحية الجنوب. "زنكي" مسك خيوط اللعبة السياسية، وغرس وتد الشك والريبة جوة التحالف الضخم ده لحد ما فككه حجر حجر.
وفي أثناء الأحداث دي، "زنكي" كتب خطابات سرية لزعماء القوات الصليبية، أمراء أنطاكية والرها، وحط قدامهم حقيقة مرعبة كانت غايبة عنهم في زحمة الحرب، وقالهم الإمبراطور البيزنطي لو استولى على حصن واحد بس في الشام، هيرجع وياخد كل البلاد والمدن اللي في إيديكوا أنتوا كمان.
الكلام ده وقع كالصاعقة على الصليبيين، صحى جوة قلوبهم تاريخ طويل ومرير من الصراع والمنافسة المستمرة اللي كانت بين الإمبراطور "ألكسيوس كومنين" أبو الإمبراطور الحالي "يوحنا كومنين" وبين أجدادهم وأسلافهم من زعماء الحملة الصليبية الأولى، افتكروا سياسة البيزنطيين القديمة في ابتلاع مكاسبهم، فدبت العصبية والريبة في نفوسهم.
ولأن "زنكي" شطرنجي محترف مبيسيبش نص الرقعة، بيبعت رسالة تانية للإمبراطور البيزنطي نفسه، يوصله فيها المعلومة بالمعكوس ويقوله الصليبيين اللي معاك في الشام خايفين منك، ولو فارقت مكانك أو تحركت خطوة، هيتخلوا عنك تماماً في منتصف الطريق.
الكلمات دي نزلت على عقل "يوحنا كومنين" زي السم البطيء، لأن تاريخ الصليبيين قدامه بيشهد على غدرهم القديم؛ افتكر إزاي الصليبيين استولوا زمان على أنطاكية ومدن إقليم قليقية ونكثوا بمعاهدة القسطنطينية القديمة الموقعة مع أبوه. الفكرة لعبت في دماغه، الصليبيين دول مش أهل أمان، وممكن يغدروا في أي لحظة لو تم الانتصار.
بقطرتين حبر ورسائل مبطنة، القى "عماد الدين زنكي" بذور الشك والريبة العميق في قلوب التحالف بأكمله، عرف يرمي الفتنة ما بينهم بمهارة، بقى كل طرف يبص للطرف الثاني بحذر، وخوف شديد من غدر حليفه، ففترت عزيمة الطرفين على إكمال القتال، وضاعت روح الاندفاع.
وبالخطة الاستراتيجية المتوازنة دي، بدأ البيزنطيون يتململون ويتضايقوا جداً من البقاء في الحصار الطويل والمرهق حوالين شيزر، خاصة إنهم شايفين قدام عينيهم مدينة حصينة جداً، وإسقاطها محتاج أسابيع ويمكن أشهُر طويلة من الضرب والتضحيات. الجيش البيزنطي الصليبي أصبح بيمر بحالة مأساوية من التردد والخوف وخيبة الأمل الشديدة..
أعداد قتلاهم وأسراهم بتزيد كل يوم بسبب ضربات الاستنزاف اللي بينفذها "زنكي"، وفي نفس الوقت مفيش أي نصر واضح أو إنجاز يذكر قادرين يحققوه قدام أسوار شيزر الصامدة.
تفتكر بعد حالة الشك والتردد دي، مين أول واحد هيقرر ينسحب ويلم خيامه ويرجع بلاده؟
(يتبع)
.png)
تعليقات
إرسال تعليق