مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 8
(8) طائر زاجل طالع من قلب الشمال، بيشق السماء بسرعة ويوصل لمعسكر "عماد الدين زنكي"، والخبر اللي شايله كان بمثابة قنبلة مدوية هزت الشام كلها، وغيرت مجرى الحسابات في لحظة. عشان نفهم اللي حصل، لازم نرجع بالزمن شوية، ونتفرج على اللي حصل في جبال طوروس القريبة من شمال أنطاكية.
هناك، في الأراضي الجبلية الوعرة، كان فيه تجمعات أرمنية مسيحية عايشة في أمان الله تحت قيادة أميرهم "ليون الأول" زعيم الإمارة الأرمنية. وفجأة، وبدون مقدمات، ينزل عليهم "بوهيموند الثاني" أمير أنطاكية الصليبي بجنوده النورمان، ويهجم على ديارهم وقراهم بغشومية وإجرام. "ليون الأرمني" لقى نفسه في موقف لا يحسد عليه، قوته ما تستحملش بطش النورمان؛ ملقاش غير إنه يستغيث بأمير ملطية المسلم - حالياً شرق الأناضول بتركيا - "شجاع الدين إيلغازي الدانشمندي".
ما كدبش "الدانشمندي" خبر وجَهّز جيشه، ودارت معركة طاحنة وصدام مروع بين جيش "الدانشمندي" وبين الجيش النورماني الصليبي المتعصب بقيادة "بوهيموند الثاني". وكانت المفاجأة الكبرى اللي هزت أركان الوجود الصليبي كله، الجيش النورماني اتسحق سحقة تاريخية، وانكشفت كدبة الجنود النورمان العتاة اللي مجابتهمش ولادة، قصاد جيش المسلمين وهم بيجروا زي الفيران قصادهم، وكمان "بوهيموند الثاني" نفسه اتقتل في قلب المعركة، وأصبحت أنطاكية المنيعة إمارة بلا قائد.
"بوهيموند الثاني" ده كان شاب صغير في السن، وكان خاطب "أليس بنت بلدوين الثاني" ملك بيت المقدس. وكان عنده طفلة صغيرة خالص اسمها الأميرة "كونستانس" من زواج سابق. وطبقاً لقوانين الإقطاع والصليبيين في غرب أوروبا، الملكية والإمارة لازم تتنقل للوريثة الوحيدة، اللي هي الطفلة "كونستانس"، بس طفلة في السن ده أكيد محتاجة وصي يحكم الإمارة نيابة عنها لحد ما تكبر وتبلغ سن الرشد.
وفي سنة 524 هـ / 1130 م، في موقف زي ده طبيعي تظهر الأطماع السياسية والدسائس، كل العيون على أنطاكية أهم إمارة صليبية بعد بيت المقدس. وجدت في أول طابور الطامعين "أليس" بنت ملك بيت المقدس، بدل ما تقعد تبكي على خطيبها القتيل، أو تستنى رأي أبوها "بلدوين الثاني"، عينت نفسها وصية على الإمارة عافية. وبدأت الإشاعات تنتشر كالنار في الهشيم جوة شوارع أنطاكية أنها مش عاوزة تكون مجرد وصية على الأميرة الصغيرة، دي عاوزة تحكم أنطاكية كأميرة مستقلة بذاتها.
لما الأخبار دي وصلت لـ "عماد الدين زنكي"، عينيه لمعت وقعد يوزن الأمور بعقليتة العسكرية، دلوقتي أنطاكية اللي كانت قلعة بشرية منيعة وبنحسب لها ألف حساب، أصبحت في حالة اضطراب وتخبط كبيرة. "زنكي" فكر أنه لو استغل الفرصة دي وباغتهم بهجوم خاطف وسريع، ممكن جداً يفتح أنطاكية ويخلص المسلمين من الكابوس ده للابد.
وفي نفس الوقت، كانت الأخبار بتوصل لمملكة بيت المقدس، الملك "بلدوين الثاني" سمع باللي حصل لنسيبه "بوهيموند"، وتصرفات بنته الطائشة، فجمع فرسانه وطار بسرعة البرق على أنطاكية عشان يلحق الإمارة العسكرية الكبيرة قبل ما تضيع، ويختار الوصي المناسب.
لكن أول ما وصل "بلدوين الثاني" تحت أسوار أنطاكية، اتصدم بكارثة ثانية أشد وألعن. بنته "أليس" استفردت بالحكم وقفلت أبواب أنطاكية في وشه، وأعلنت العصيان على أبوها ملك بيت المقدس واستقلت بالإمارة.
"أليس" قعدت على كرسي العرش وهي فرحانة، واتمخترت بالتاج والصولجان، ولما فرحة البدايات راحت، قعدت وقالت تمام كدة الحكم ده بيشتغل ازاي، بتدوروها منين بقى. "أليس" شافت أبوها بجيشه معسكر تحت أسوار أنطاكية، فغضبت ودبدبت في الأرض وقالت محدش ياخد مني اللعبة بتاعتي، أنا هعرف أتصرف لوحدي. وراحت باعتة رسول من ورا ظهر الكل لـ "عماد الدين زنكي"، بتعرض عليه المساعدة في حكم أنطاكية، ومستعدة تدفع له جزية مالية سنوية كرمز للتبعية والتسليم، في مقابل إنه يسندها ضد أبوها وضد قادة الصليبيين، يادين النبي ايه الحلاوة دي عظمة يا ست.
كانت دي طبعا فرصة ذهبية على طبق من دهب لـ"عماد الدين زنكي"، كان رجعها فيها للمطبخ، لولا إن الأقدار كان ليها رأي تاني. "بلدوين الثاني" بعيونه ورجاله المنتشرين على الطرق، قدر يقبض على الرسول اللي شايل الرسالة السرية من بنته لـ"عماد الدين زنكي"، ولما أخد منه الرسالة وقراها، عيونه برقت، وودانه دهنت، وفي فورة غضبه، أمر بإعدام الرسول فوراً تحت أسوار الإمارة، وطبعاً قطع الرسالة وحرقها.
وبدأ الملك العجوز يتراسل في السر مع أعيان ورجال الحكومة والقادة العسكريين جوة أنطاكية. القادة النورمان الكبار لما وصلهم الجنان اللي عملته "أليس"، قالوا ايه شغل العيال والهبل السياسي ده، هتضيع إمارة صليبية عسكرية ضخمة زي أنطاكية.
وعلى طول، فتحوا الأبواب المنيعة للملك "بلدوين الثاني"، اللي دخل بغضبه، وتملك زمام الأمور بمنتهى الحسم والسرعة، وأصدر قراره الصارم بنفي بنته "أليس" وتجريدها من كل سلطة ونفيها لمدينة اللاذقية. ورغم إن "بلدوين الثاني" قدر يسطر على الأوضاع ظاهرياً وينهي الصراع، إلا إن عين "عماد الدين زنكي" الفاحصة حست إن الجرح عميق، وأنطاكية من الداخل لا يمكن تكون استقرت، وأن الأوضاع جوة الإمارة لسة مضطربة وبتغلي.
وده شجعه أنه يتحرك بالجيش والاندفاع ناحية حلب، عشان يكون قريب من مسرح الأحداث في أنطاكية ويدرس الوضع عن قرب. عقله شغال وبيفكر يمكن الهجوم على أنطاكية وهي مضطربة كدة يكون أفضل وأهم ألف مرة من الهجوم على الرها. وقصة الأراتقة ومشاكلهم قاطعين الطريق ممكن تتأجل لوقت تاني. خصوصاً إن قوتهم بانت أنها هشة وضعيفة ومش هيشكلوا خطر كبير لو أتأجلوا دلوقتي.
أول ما وصل "عماد الدين زنكي" لمدينة حلب، مسح الحدود بعينه الفاحصة وجاب الخريطة قدامه. لقى إن فيه شوكة مسمومة غرزها الصليبيين في ظهر حلب من عشرين سنة، وتحديداً من أيام "رضوان بن تتش"، ودي كانت حصن منيع جداً اسمه حصن الأثارب.
حصن الأثارب كان يعتبر أقوى حصون المنطقة كلها، موقعه استراتيجي بشكل يرعب؛ واقف زي الحارس الشرس بيشرف مباشرة على حلب، ومسيطر تماماً على شريان الطريق اللي بيربط بين حلب وأنطاكية. ومن كتر أهمية الحصن، الصليبيين حاطين جواه فرقة عسكرية من أعتى وأبسل الفرسان في إمارة أنطاكية كلها. هم خسارة فيهم لقب فرسان لأنهم في حقيقة الأمر مجرد حرامية وهليبة، كانوا متعودين يخرجوا من الحصن في جولات إرهابية، يهجموا فيها على مزارع حلب، ينهبوا المحاصيل، ويرعبوا الفلاحين الغلابة، ويرجعوا تاني يتحصنوا جوة أبوابهم المنيعة وهم سالمين غانمين.
"عماد الدين زنكي" كان عارف أن إسقاط الحصن ده مش بس هيأمن حلب وفلاحيها من الكابوس اليومي، ده هيهز إمارة أنطاكية كلها هزة عنيفة تزلزل عروشهم. وعلى طول، وبدون تردد، استغل حالة الفوضى واللخبطة اللي بتمر بيها أنطاكية بعد مقتل أميرها ونفي "أليس"، واتحرك بجيشه مباشرة عشان يفرض الحصار على حسن الأثارب.
لكن "عماد الدين زنكي" بعقله العسكري الموزون وخبرته في الميدان، أول ما قرب من الأسوار أدرك إن فتح الحصن بالطريقة التقليدية عملية في غاية الصعوبة، والحصار ممكن يطول لشهور من غير فايدة، ومستحيل يتجاوز الحصن.
وفكر وقرر أنه هيلعبها معاهم لعبة عسكر وحرامي. "زنكي" حرك معظم الجيش بعيد عن الأسوار قبل يوم التنفيذ الفعلي بكتير، وفضل مرابط جزء صغير من الجيش محاصر الحصن. وفي يوم التنفيذ لَفّ بالجزء ده من الجيش ورا الحصن، وأوهم الفرسان النورمان المحبوسين جوة إنه سايبهم ومتحرك بكامل قوته ناحية أنطاكية عشان يستغل ظروفها الواقعة ويسقط العاصمة نفسها. "زكي" عمل كدة عشان يفتكروا أن الجزء المنسحب ده هو جيشه كله عشان يطمعهم.
فرسان الأثارب لما بصوا من فوق الأسوار وشافوا المشهد، ركبهم الكبر وغرورهم العسكري، أفتكروا أنهم لما يخرجوا وراه بيوتهم اللي أكبر من جيشه اللي رايح أنطاكية بالتأكيد هينقذوا الإمارة منه. وفعلاً بلع الفرسان الطُعم المسموم، فتحوا الأبواب الضخمة وخرجوا يجروا ورا جيش "زنكي" بكل قوتهم عشان يلحقوه. "زنكي" سابهم يجروا وراه ويتسحبوا بعيد أوي عن حصنهم وأمان أسوارهم، ولما اطمن إنهم بقوا في الخلاء وفي المكان اللي هو محددُه، لفّ بجيشه تاني فجأة، لكن المرة دي في وشهم.
المشهد اتحول لكابوس للنورمان، الكمين العسكري كان محكم بحرفية مرعبة؛ حاصرهم "زنكي" من كل جانب، هو في وشهم وباقي جيشه المستخبي من وراهم، عملهم كماشة معتبرة، ودارت معركة خاطفة ومباشرة، ومفيش ساعات قليلة، وكانت كتيبة الفرسان دي بالكامل ساقطة بين قتيل وأسير.
وما إداهمش فرصة يستوعبوا الصدمة؛ رجع "عماد الدين زنكي" بسرعة البرق لأسوار حصن الأثارب الفاضية، ودخل الحصن واقتحمه، وأسر الحامية القليلة اللي فاضلة جواه. وعشان يقطع الشك باليقين، ويضمن إن حلب مش هيهددها الخطر ده تاني أبداً، أصدر "زنكي" أمره بتخريب الحصن وهدمه وتسويته بالأرض عشان يقطع على الصليبيين أي فرصة مستقبلية للسيطرة على حلب أو التمركز في المنطقة دي من تاني.
كان انتصار مهيب بكل المقاييس، خصوصاً إن الفرق القتالية اللي أبادها "زنكي" دي كانت عاملة لنفسها صيت أنهم من أعتى وأشرس النخبة عندهم، فـ"زنكي" قالهم سلامات يا نخبة.
وعشان "زنكي" من القادة اللي ما بيكتفوش بنصف الانتصار، ولا بيفقدوا حماسهم؛ طار فوراً بالجيش في اتجاه أنطاكية، ووصل لحد مدينة حارم القريبة جداً من أسوار أنطاكية، وفرض عليها حصار شديد. الصليبيين اللي في حارم كانوا مرعوبين من اللي حصل في الأثارب، لقوا نفسهم مش قد الصدام؛ فبعتوا لـ"زنكي" عرض بالهدنة ودفع نص دخل البلد كل سنة جزية مقابل رفع الحصار.
"زنكي" فكر ودرس إمكانيات جيشه بعد المعارك دي كلها، ولقى إن قوته العسكرية الحالية مش هتمكنه من فتح حارم بالقوة واقتحامها من غير خسائر ضخمة. وبدل الخوض في مغامرة غير محسوبة، قبل العرض، ورفع الحصار عنهم وهو واخد نص دخل مدينتهم.
كانت حملة موفقة وناجحة لأقصى درجة؛ أسقط فيها حصن منيع كان كابوس على المسلمين بقاله 20 سنة، أباد فرقة صليبية ماهرة وقوية، وفرض الجزية والتبعية على مدينة حارم الملاصقة لأنطاكية.
لكن للأسف تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. وفي الوقت اللي كانت فيه سفينة الجهاد واخدة السرعة والزخم، ورايات "زنكي" بترفرف بثقة على مشارف أنطاكية. نزل خبر شلّ حركة المنطقة كلها، وضرب الاستقرار في مقتل، وعطّل مسيرة الفتوحات والجهاد أربع سنين كاملة.
مات السلطان "محمود السلجوقي". مات السلطان العادل الحليم وهو لسة في زهرة شبابه، مكملش 27 سنة. كانت مفاجأة مزلزلة قلبت الموازين رأس على عقب في الأمة الإسلامية كلها. السلطان مات في السن الصغير ده، طبيعي يكون ولاده لسة أطفال صغيرين، ومحدش فيهم يقدر يشيل ملك أو يقود دولة. وفي لحظات معدودة انفتحت أبواب جهنم، وانكشف العرش العباسي والسلجوقي، والأمة الإسلامية وقتها بقت عاملة كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا.
كرسي السلطنة العظيم، الكرسي اللي ليه بريق يسحر القلوب ويغشي العيون، والفرصة اللي قدام الطامعين دلوقتي قدامهم سنين وسنين عقبال ما تتكرر تاني. في لحظة، خرج كل الأمراء والطامعين من كل جحر ومكان، الكل بيجري، والكل بيتصارع، والكل عاوز يوصل لكرسي السلطنة. أزمة حقيقية قادرة أنها تدفع الأمة كلها لآتون ناري من الصراعات والانشقاقات والحروب الأهلية اللي مش هتبقي ولا تذر.
ولو ضفنا للمعادلة دي القوى التانية اللي مش بتطمع في الكرسي نفسه، بس وزنها العسكري ونفوذها بيحرك أحداث المنطقة، المشهد هيبان معقد لأقصى درجة، وعلى رأس القوى دي بلا منازع "عماد الدين زنكي".
"زنكي" وإن كان من الناحية الرسمية مجرد أمير"على إمارة، إلا إنه في الواقع وبشهادة الميدان أصبح أقوى قائد عسكري وأوسعهم نفوذاً بالكامل، مسيطر من الموصل، لحلب، لحران، وحماة، ونصيبين، وبعض أقاليم ومناطق الأكراد، ونفوذه بقى بيدهس مشارف إمارة أنطاكية الصليبية. فوق كل ده "زنكي" هو البطل القومي والرمزي اللي كسر هيبة الصليبيين وأعاد للأمة أملها؛ قلوب الشعوب الإسلامية كانت بتهفو ليه وتدعيله في المساجد والأسواق.
صحيح "زنكي" في المرحلة الدقيقة دي ما يقدرش يستقل تماماً ويُعلن دولته الخاصة، لأنه معندوش العصبية القبلية الضخمة ولا الأعوان الكتار اللي يسندوا قيام دولة جهادية مستقلة بالكامل عن الخلافة والسلطنة، إلا إن محدش يقدر ينكر أن وجوده بقى رمانة الميزان. المتنافسون على السلطة استحالة يقدروا يتجاهلوه، وفي نفس الوقت أي قرار بعزله بقى قرار انتحاري ومش آمن بالمرة، لأنه هيعمل موجه سخط عارمة عند الجموع الإسلامية كلها، ناهيك عن إن الحاجة ليه في خطوط المواجهة ضد الصليبيين بقت ضرورة ملحة ومصيرية.
المشهد دلوقتي بيكشف عن حركة شطرنج سياسية معقدة؛ كل القوى المتصارعة على السلطنة هتبدأ تتودد لـ"زنكي" وتستقطبه لحسابها. وهنا كان الخطورة على "زنكي"؛ لازم يحسن الاختيار بعناية شديدة، عشان ما يراهنش على الحصان الخسران، فيدخل في صدام مع الشخصية اللي هتكتسح وتوصل للكرسي في الآخر، فيرتكب خطأ سياسي يربك موقفه ويوقف حركة الجهاد نهائياً.
الموقف كان معقد جداً وفرص المتنافسين متقاربة وقواهم شبه متساوية، لكن بعقلية "زنكي" الاستراتيجية وبعد نظره، شاف إن الفرصة الكبرى والحصان الرابح هو "الملك مسعود بن محمد بن ملكشاه"، الأخ الأكبر للسلطان الراحل "محمود". وفي نفس اللحظة اللي كان "زنكي" بيحسب فيها خطواته ناحية الملك "مسعود"، كان الملك "مسعود" هو كمان قاعد مع رجاله وبيفكر في أقوى شخصية على الساحة تقدر تسنده وتضمن له الوصول لعرش السلطنة، ومين كان في مقدمة أفكاره وأول القوى اللي رهن عليها؟ طبعاً كان "عماد الدين زنكي".
وفي وسط الضباب والمشهد المعقد ده، يطير طائر زاجل محمل برسالة خاصة جداً من الملك «مسعود» لـ"عماد الدين زنكي"، رسالة فيها طلب مساعدة عسكرية عشان يثبته على عرش السلطنة. وفي مقابل الدعم ده، هيوهبه إمارة إربل، صاحبة الموقع الاستراتيجي المهم. "زنكي" قرأ حسابات القوة، ووافق فوراً، وانضم رسمياً لصف الملك "مسعود" عشان يبقوا إيد واحدة.
لكن فيه عقبة وركن أساسي في لعبة السلطة زمان ما ينفعش حد يتخطاه، تقليد الخليفة العباسي. العرف والتقليد المتبع وقتها كان بيلزم أي سلطان جديد إنه ياخد منشور وتقليد رسمي من الخليفة العباسي في بغداد. الخطوة دي هي اللي بتدي السلطان شرعية قدام الشعوب والممالك في كل أنحاء العالم الإسلامي؛ لأن الناس كانت بتقدس رأي الخليفة وبتعمله ألف حساب -على الأقل من الناحية الشرعية- وكان عندهم يمين حاسم إن اللي يعصي الخليفة أو يخرج عليه مش هيشوف خير أبداً.
وده الغريب في الأمر؛ الكل كان عارف ومتأكد إن مركز الخليفة العباسي ضعيف وموقفه السياسي وقلة حيلته واضحة، ومع ذلك كان السلاطين السلاجقة بحجمهم وقوتهم بيجروا حفاة عشان ياخدوا منه التقليد. ده كمان السلاطين كان عندهم قاعدة مرعبة أنهم لو حسوا إن الخليفة مش هيديهم التقليد، مكنش عندهم مانع يخلعوه من منصبه خالص، ويقعد مكانه واحد غيره يكتب لهم التقليد والشرعية، كدة ببساطة.
وعشان كده، كانت العيون كلها متسلطة على دار الخلافة في بغداد، الكل مستني رأي الخليفة "المسترشد بالله" في القضية المشتعلة دي. وفي العادة والظروف الطبيعية، الخليفة كان بينصاع للواقع ويقر الاتفاق اللي بيوصل له السلاجقة بينهم وبين بعض. لكن المرة دي الوضع كان مختلف تماماً.
الخليفة "المسترشد بالله" كان راجل عنده طموح وسياسي متطلع للحكم؛ كان عايز يستغل الفرصة واللخبطة دي عشان يختار أضعف وأبعد شخصية ممكنة، شخصية ما تتدخلش في شؤون العراق والحكم، عشان يدير هو الأمور بنفسه ويرجع هيبة الخلافة. وعلى الأساس ده، وقع اختيار "المسترشد" على السلطان "سنجر"، وده عشان "سنجر" قاعد بعيد جداً في اقصى الشرق في خراسان، وبعد المسافات ده يضمن للخليفة إن كلمته هتبقى نافذة ومسموعة في العراق، ويمكن كمان تطول الشام. فالخليفة "المسترشد" أقام الخطبة رسمياً في مساجد بغداد باسم السلطان "سنجر"، وعلق أي موافقة على سلطان جديد بشرط موافقة السلطان "سنجر" شخصياً. لكن الرياح ما مشيتش زي ما الخليفة خطط لها.
السلطان الراحل "محمود" قبل ما يموت، كان مدي ابنه الطفل الصغير "داوود" ولاية لعهده وسلطان من بعده. والطفل "داوود" مكانش لوحده؛ كان معاه جيش أصفهان، وده القوة الضاربة الرئيسية لجيوش السلاجقة، والكتيبة اللي كانت تحت السيطرة المباشرة لأبوه "محمود" وطبيعي، الأوصياء على "داوود" وجيشه الرهيب مستحيل يسيبوا الكرسي يضيع من إيديهم بسهولة؛ فقرروا التوجه فوراً بجيش أصفهان على بغداد عشان يجبروا الخليفة بالسلاح إنه يقلد "داوود" السلطنة.
وفي نفس اللحظة والوقت، الأخوين "مسعود" و"سلجوقشاه" اتحركوا هما كمان بجيوشهم على بغداد لنفس الهدف بالضبط، إجبار الخليفة إنه يقلد كل واحد فيهم السلطنة لحسابه الخاص. ومن الموصل اتحرك جيش "عماد الدين زنكي" لنصرة وحماية حليفه الملك "مسعود".
أما في الشرق، لما الأخبار وصلت للسلطان "سنجر"، حس إن بعد المسافة ممكن يخليه يخسر اللعبة والسيطرة على الأوضاع في العراق. فاتفق فوراً مع الأخ الثالث "طغرل"، وجمعوا جيش جرار كبير، وزحفوا هما كمان بنفسهم على بغداد.
وده السيناريو المرعب اللي ما يخطرش على بال الخليفة "المسترشد" أبداً. مكانش متخيل في أعتى كوابيسه إن "سنجر" يسيب خراسان وييجي بنفسه مع "طغرل" وجيوشهم لحد بغداد، عشان يرجع الخليفة تاني مجرد تابع ليهم زي ما كان تابع لغيرهم.
الموقف تعقد لأقصى درجة ممكنة.. بغداد أصبحت ساحة تحشد فيها أربع قوى متصارعة بجيوشها الفتاكة، وضع مرعب ومشتعل مفيهاش رحمة، كان بيلزم الخليفة العباسي إنه يوقف اللعب، ويختار بجدية وحسم مين السلطان المرتقب اللي يقف جنبه ويراهن عليه قبل ما المعبد يتهد على رأس الكل.
(يتبع)
.png)
تعليقات
إرسال تعليق