مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 7
(7) سنة واحدة مرت على حكم "عماد الدين زنكي"، لكن في عالم السياسة والعسكرية كانت تسوي عقود. "عماد الدين زنكي" في ظرف سنة، بقى أمير على الموصل، وحلب، وحماة، قوة إقليمية ضخمة وبنيان مرصوص لا يُستهان بيه أبداً. "عماد الدين زنكي" كان فاهم كويس إن القوة مش بس إنك تتوسع، القوة الحقيقية في الربط والتأمين. المدن دي كلها متفرقة، وعشان تكون إمارته آمنة وخطوط مواصلاتها وشرايينها العسكرية سالكة ومحمية، كان لازم يؤمن الطريق الواصل بينهم.
في أواخر سنة 522 هـ / 1128م، تحرك "عماد الدين زنكي" بثبات وضم مدينة سنجار في منتصف الطريق بين الموصل وحلب، وده معناه تأمين لظهره. وأول ما سنجار استقرت تحت حكمه، حتى شاءت الأقدار إن أهل حران بنفسهم يبعتوا له ويستنجدوا بيه عشان يضم مدينتهم لدولته. حران بعد وفاة أميرها "عز الدين مسعود بن البرسقي" بقت مكشوفة ومعرضة لهجمات الصليبيين الشرسة، ومكنش فيه حامي ولا ملاذ ليهم غير "عماد الدين زنكي". وفي سنة 523 هـ / 1129م، استجاب "عماد الدين زنكي" لدعوات أهل حران وضمها لدولته، وبكده الأوضاع استقرت وأبحرت سفينة الدولة الجديدة بثبات وركائزها بقت صلبة جداً.
كل الشواهد والتحركات دي كانت بتقول أن فيه بطل جديد ظهر على الساحة، وأن فيه قوة متنامية تقدر تخلص المسلمين من كابوس الصليبيين. لكن زي ما التاريخ وطباع البشر علمتنا، الشجرة المثمرة دايماً بتتحدف بالطوب، زيادة قوة "عماد الدين زنكي" مكنش مريح إطلاقاً للقوى المعاصرة، وعشان كدة كان لازم يظهر عواصف المصالح الضيقة الأنانية.
"السلطان سنجر"، سلطان السلاجقة في خراسان وبلاد ما وراء النهر، شاف عملاق بيكبر اسمه "عماد الدين زنكي"، فحس بالخطر وأنه ممكن يكون تهديد له ولملكه، خاف إن القوة المتنامية دي ممكن تؤثر سلباً في المستقبل على ممتلكات السلاجقة نفسهم. راح واخد بعضه وسافر لابن أخوه "السلطان محمود السلجوقي"، سلطان السلاجقة على فارس والعراق، واللي عيّن "زنكي" في الموصل من البداية. السلطان "سنجر" قال للسلطان "محمود" يعزل "عماد الدين زنكي"، ويعيّن مكانه "دبيس بن صدقة".
الغريب والعجيب أن "دبيس بن صدقة" ده هو نفسه الطامع صاحب التاريخ الطويل في المحاولات الانقلابية على العباسيين والسلاجقة اللي اتكلمنا عنه قبل كده. لكن في الوقت ده "دبيس" كان لاهث في حماية السلطان "سنجر" وبقى من خاصته ورجله المقرب، فـ"سنجر" كان عاوز يزرعه في إمارة الموصل وحلب عشان يكون دراعه وعينه في المنطقة. وزيادة في الخبث السياسي، "سنجر" كان ضامن إن الخليفة العباسي مش هيقدر يستقطب "دبيس" لحسابه أبداً، بسبب العداوة القديمة والدم اللي بين الخليفة و"دبيس".
ودي تبقى حرب المصالح والأهواء في أبهى صورها؛ السلطان "سنجر" ما فكرش نهائياً في مصلحة المسلمين، ولا لقضية جهاد الصليبيين، وكل اللي شغله هو نفوذه الشخصي. والسلطان "محمود" تقديراً لمكانة عمه "سنجر" وتوقيراً لمجيته، ما عارضش! واستدعى "عماد الدين زنكي" عشان يبلغه بالتطور الخطير ده. وبالشكل ده بكل بساطة وبرود، مجرد فكرة طائشة كانت على وشك إنها تنهي أمل الأمة في الوحدة والجهاد وتنسف مشروع "زنكي" من جذوره.
لكن "عماد الدين زنكي" مش من النوع اللي يسلم رقاب الأمة للظروف. المشهد هنا بيتحول لسباق مع الزمن. يطير "عماد الدين زنكي" بسرعة البرق إلى بغداد، عشان يدخل في مباحثات ومفاوضات شديدة وطويلة مع السلطان "محمود". "زنكي" دخل في المناقشات دي بكل ما أوتي من فكر، وحنكة، ودبلوماسية، ولسان ساحر، وعرض حججه وأسبابه الاستراتيجية اللي بتثبت بوضوح لزوم وضرورة بقائه في منصبه لمصلحة الإسلام والسلطنة نفسها.
والحقيقة أن السلطان "محمود" كان راجل حليم عاقل؛ لما سمع كلام "زنكي" وحججه الموزونة الدامغة، اقتنع تماماً، وأصدر قراره الفوري بتثبيت "عماد الدين زنكي" في منصبه، وكتب له منشور جديد يؤكد فيه على منشوره السابق - السلطان "سنجر" يلطم في الزاوية - وثبت فيه إقطاعه حكم الموصل، والجزيرة، وكل اللي يقدر يضمه من بلاد الشام. وبفضل الله ثم بذكاء "زنكي"، مرت أزمة طاحنة وخطيرة كانت هتعصف بمسيرة المشروع الوحدوي والمقاومة ضد الصليبيين.
رجع "عماد الدين زنكي" إلى الموصل، لكن المرة دي أقوى بكتير، راجع بتأييد ورضا السلطان "محمود السلجوقي" للمرة التانية، وفوق كل ده، بشرعية مباركة وفرحة عارمة من الخليفة العباسي "المسترشد بالله"؛ فالخليفة كان طاير من الفرحة لأن "زنكي" أزاح كابوس "دبيس بن صدقة" وبعده عن حكم الموصل وحلب، وهو الخطر اللي كان هيعمل أزمة وجودية للخليفة بسبب عداوته التاريخية معاه. رجعت المايه لمجاريها، وخرج "زنكي" من المحنة أشد صلابة، عشان ينفض ايديه ويتفرغ من جديد للمعركة الأكبر.
"عماد الدين زنكي" واقف في غرفته المجهزة بالخرائط، عينه بتمسح الحدود بتركيز شديد.
بص "زنكي" للمشهد قدامه، لقى نفسه خلاص بقى على بعد خطوات قليلة جداً من حدود إمارتين صليبيتين تقال، إمارة الرها في الشمال، وإمارة أنطاكية في الغرب. عقل "عماد الدين زنكي" الاستراتيجي بدأ يوزن الإمارتين عشان يعرف خطوته الجاية ايه. إمارة الرها كانت أضعف من إمارة أنطاكية، ومش بس عشان حصون أنطاكية المنيعة جداً وصعبة الاختراق، كمان بسبب طبيعة المقاتلين، أنطاكية فيها مقاتلين "نورمان"، وهم في الأصل محاربين من الفايكنج الإسكندنافيين - اسمع حلقة الدحيح عن الفايكنج - شديدي البأس والقوة، والتركيبة السكانية هناك فيها تجانس واضح، يغلب عليهم الطابع النورماني الكاثوليكي المتعصب. من الأخر أنطاكية كانت قلعة بشرية وعسكرية متماسكة، الصدام معاها محتاج جيش موحد وإمكانيات ضخمة، لأن فتحها مش هييجي بذكاء ولا حيلة، هييجي بصدام كاسح، والأفضل تأجيله. ومع الأسف محدش قدر يفتح امارة انطاكية غير بعد 138 سنة تقريبا على ايد السلطان "الظاهر بيبرس البندقداري"، ودي تقراها بالتفصيل لما تطلب كتابي "أسد المماليك الظاهر بيبرس البندقداري".
أما الرها بقى، فالموضوع مختلف تماماً؛ التركيبة السكانية فيها عبارة عن خلطة ومزيج من الأرمن والصليبيين، مليانة مشاكل واضطرابات، وبينهم تاريخ أسود ومجازر قديمة الأرمن مش ناسينها للصليبيين. الفرق الكبير ده بين الإمارتين خلى تفكير "عماد الدين زنكي" يقرر البدء بالجهاد ضد إمارة الرها قبل ما يفكر يقرب من إمارة أنطاكية.
لكن الطريق للرها مكنش مفروش بالورد. ظهرت مشكلة كبيرة جداً في التخطيط واقفة سد منيع قدام مسيرة الجهاد للرها. تعالي نبص مع بعض على الخريطة، إمارة الرها في شمال منطقة الجزيرة، وبالتحديد على ضفاف نهر الفرات، وبقية شمال الجزيرة كان وقتها تحت حكم الأراتقة. وهي دي المأساة؛ الجيل الموجود دلوقتي من الأراتقة مختلف عن الجيل السابق، مفيش فيهم حد شبه العمالقة القدامى زي "سقمان بن أرتق"، أو "إيلغازي بن أرتق"، أو "بلك بن بهرام". الجيل الجديد عبارة عن شخصيات هشة، في غاية الضعف، خيالات مآتة لا بتهش ولا بتنش.
الجيل الجديد من الأراتقة قسموا البلاد والعباد بينها كأنه ورث شخصي، وده اتسبب في ضعفت المسلمين وشتتت جمعهم. ومنطقة الاراتقة بعد ما كانت متوحدة، بقت عبارة عن عشرات الإمارات المستقلة الصغيرة، وكلهم مجاورين لإمارة الرها الصليبية، وواقفين في النص كعازل جغرافي وسياسي بيفصل بين "عماد الدين زنكي" وبين الإمارة الصليبية.كان لازم "عماد الدين زنكي" يتصرف معاهم بحذر ودهاء، عشان يزيل العقبات ويمهد الطريق، قبل ما يوجه ضربته القوية لإمارة الرها الصليبية.
"عماد الدين زنكي" لو خاطر ودخل بجيشه أرض الأراتقة عشان يروح يقاتل الصليبيين في الرها مباشرة، كان هيحط نفسه وجيشه في قفص مخيف ويهدد مشروع الدولة كله؛ لأن المخاطر كانت مرعبة من كل اتجاه. كان ممكن يتضرب في ظهره من الزعماء المسلمين نفسهم؛ اللي خايفين من خطر تنامي قوة "زنكي". والأمراء الأراتقة الضعفاء هيشوفوا "زنكي" وقوته خطر مباشر على كراسيهم وعروشهم، زي ما هو خطر على الصليبيين بالضبط. والكارثة الأكبر إن الزعماء دول كان ممكن يتصالحوا ويتعاونوا مع الصليبيين ضد "زنكي"، ماهم لا عندهم ملة ولا دين وكل همهم عروشهم، وساعتها جيش "زنكي" هيقع بين فكي كماشة.
حتى في حالة الرجوع، لو قدر الله والموقعة في الرها مكنتش لصالح "زنكي" واتهزم جيشه، العودة للموصل أو حران أو حلب هتبقى عملية انتحارية بسبب طول المسافة والمخاطر اللي على الطريق؛ فكان لازم ولا بد من وجود قاعدة ارتكاز قريبة يحتمي فيها ويرجع لها لو حصل أي طارئ. وفوق كل ده المناطق دي كانت عندها كثافة سكانية عالية جداً، وكل السكان من المسلمين؛ يعني لو الأمة توحدت وقوتهم انضمت لجيش "زنكي"، هيشكلوا إضافة وقوة ضاربة، لكن لو قاوموه وعطلوا مسيرته، هتبقى مشكلة معقدة وصعبة الحل. وعشان كل الأسباب دي، "زنكي" حسم أمره، قرر أن ضم المنطقة دي لحكمه مش مجرد خيار، دي خطوة لازمة وحتمية قبل الخروج لمحاربة إمارة الرها.
وبدأ "زنكي" فوراً يدرس المسرح السياسي هناك ويوزن موازين القوى. صحيح المنطقة كان فيها عشرات الزعماء والأمراء، لكن القوة الرئيسية والوزن الثقيل كان محصور بين "حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي الأرتقي" صاحب ماردين، صاحب الشخصية المحبة للرفاهية والراحة، وقضية الصليبيين والجهاد دي مكنتش في دماغه، كان بيمتلك مدن تانية مهمة جنب ماردين، زي مدينة نصيبين على الحدود الحالية بين تركيا وسوريا. وكمان فيه "ركن الدين داود بن سقمان الأرتقي" أمير حصن كيفا، وده بقى كان العكس تماماً، راجل حاد، فظ، وعصبي. وأخرهم كان "سعد الدولة أبو منصور إيكلدي" أمير آد، وده كان أضعفهم من الناحية العسكرية.
"عماد الدين زنكي" بص على الخريطة ولقى إن أقرب مدينة لمناطق حكمه هي مدينة نصيبين التابعة لـ"حسام الدين تمرتاش". ولأنه اتعلم الدرس ومكنش عاوز يكرر تجربة المفاوضات الطويلة زي ما حصل في مشكلة دمشق، وعرف إن الكلام السلمي مع الأمراء دول مش هيجيب نتيجة. في أوائل سنة 524 هـ / أواخر سنة 1129 م، وبمجرد ما رجع "عماد الدين زنكي" من بغداد بانتصاره الدبلوماسي مع السلطان "محمود السلجوقي"، طار بجيشه وحاصر مدينة نصيبين، في وقت كان فيه "حسام الدين تمرتاش" قاعد ومستقر في ماردين.
الحامية الأرتقية جوا نصيبين لقت نفسها في أزمة مرعبة، وقوة جيش "زنكي" الهادرة قدام ضعف الحامية خلّت الرعب يتملك من قلوبهم. معرفوش يعملوا ايه ولا يتصرفوا ازاي، وخصوصاً أن أميرهم كمان مش موجود، عشان كدة طيروا مع حمام زاجل رسالة استغاثة عاجلة لـ"حسام الدين تمرتاش" في ماردين يلحقهم. وفي ماردين كان الهدوء يلف القاعة، والستائر الحريرية التقيلة تحجب وهج الشمس، و"حسام الدين تمرتاش" نايم ممدد بين الوسائد الناعمة، بيشرب ويستمتع بوقته، وفجأة يقتحم القاعة خادم بيلهث وهو شايل في إيده رسالة الاستغاثة العاجلة الواردة من نصيبين المحاصرة.
"حسام الدين تمرتاش" يقوم مفزوع من المنظر اللي داخل بيه الخادم عليه، عرف أن أكيد فيه مصيبة، يخطف الرسالة منه، وملامحه تتغير في ثواني، عينيه تسرح، ووشه يتقلب بين الفزع والضيق. بس مش فزع القائد المحارب، ده كان فزع وضيق الراجل المترف اللي زعلان إن حد عكّر عليه صفو راحته ومزاجه.
عقله في اللحظة دي محللش القوة العسكرية، ولا حجم جيش "زنكي" المرعب اللي واقف على الأسوار؛ ده فكر بكل استعلاء وقلق أن إزاي" زنكي" يجرؤ يربك استقراري وييجي لحد عندي؟!
بعت للكاتب عشان يكتبله الرد على حاميته في نصيبين، وبعد لحظان سكوت طويلة، اخد نفس عميق وقاله اكتبلهم هبعتلكم فرقة مدد هتوصل بعد 3 أيام. أصلاً المسافة بين نصيبين وماردين خمسين كيلو. كان بيفكر بمنطق راجل فاكر إن بكرة مضمون في جيبه، مش حاسس بقيمة الوقت، ولا مقدر قوة جيش "زنكي" عايم في ماية البطيخ حرفياً. ردُّه ده كان مراية بتعكس روح أثقلتها الرفاهية والراحة وجردتها من جدية القادة. كتب الكلمات ببرود، وشبك الرسالة في رجل الطائر وأطلقه وهو فاكر إنه كده عمل اللي عليه وزيادة، ورجع اتكأ تاني على وسائده بكل برود.
وهنا تتدخل حكمة الله وقدره في تيسير الأمور لـ"عماد الدين زنكي"، "تمرتاش" كان باعت الرسالة للجنود المحاصرين عن طريق حمام زاجل في الجو، وشاء الله إن الطائر ينزل أو يقع في إيد رجال "عماد الدين زنكي". "زنكي" يمسك الرسالة وعقله العسكري يشتغل بذكاء. "زنكي" جتله فكرة عبقرية، حوّر في ألفاظ الرسالة وكلماتها بمهارة؛ غير كلمة ثلاثة أيام وخلى المهلة اللي هيوصل فيها الفرقة المدد لعشرين يوم. وبهدوء وثقة، أطلق الطائر مرة تانية يطير في السماء ويدخل جوه أسوار مدينة نصيبين.
زنكي كان قاصد بالخدعة العبقرية دي إنه يزرع اليأس والانهيار النفسي في قلوب الجنود والحامية جوه المدينة، فلما يقرأوا إن المدد لسة قدامه 20 يوم كاملين، هيستسلموا ويفتحوا الأبواب بشكل سلمي من غير نقطة دم واحدة. وهو ده بالضبط اللي حصل بحرفيته؛ انكسرت معنويات الحامية، وفتحت نصيبين أبوابها الضخمة، ودخلها "عماد الدين زنكي" في سهولة، ويزيد رصيد دولته درة جديدة.
وصلت الأخبار لـ"حسام الدين تمرتاش"، والخبر نزل عليه زي الصاعقة، مكنش متوقع نصيبين تقع بسهولة كدة، حالة من القلق الشديد والرعب مسكت فيه، وفجأة فاق وبدأ يتحرك ويتواصل مع بقية زعماء الأراتقة عشان يلموا الشمل ويلحقوا الموقف. وتحت راية الفزع، تجمع الأعوان والأنصار بقيادة "ركن الدولة داود بن سقمان"، و"أبو منصور إيكلدي"، وغيرهم من زعماء التركمان الموالين لـ"داود بن سقمان". التحالف الأرتقي ده جمع قواته الضخمة في بلدة اسمها دارا، ووصل تعدادهم لـ 20 ألف مقاتل.
وصلت الأنباء لـ"عماد الدين زنكي" بتجمعهم الشرس ده، "زنكي" وبإصرار وعزيمة اتحرك فوراً ووصل لهم على رأس فرقة عسكرية صغيرة عبارة عن 4 آلاف مقاتل بس، 4 آلاف قدام 20 ألف. ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ صدق الله العظيم.
ورغم الفارق العددي المرعب وصغر حجم قوة "عماد الدين زنكي"، إلا أن الصدمة العسكرية والعبقرية التكتيكية حسمت المعركة بإذن الله؛ انتصر "زنكي" عليهم في فترة قصيرة جداً، وشتت جمعهم في الميدان، وبقوا يجروا قصاده زي الفيران المذعورة. واستغل حالة الذهول والانهيار النفسي عندهم، وأتبع الانتصارات الميدانية بالسيطرة السريعة على كذا حصن استراتيجي في المنطقة، زي حصن دارا وحصن سِرْجي.
اللي حصل ده كان دليل على إن أمراء الأراتقة معندهمش أي مقومات للاستقلال أو القيادة. كل واحد فيهم كان عايش على بقعة صغيرة من الأرض، حاطط نفسه زعيم وقائد، وفي الحقيقة هو مجرد عائق عطل مسيرة الأمة، وشتت أمرها، وفرق كلمتها قدام الخطر الصليبي. المشهد كان يوحي إننا قدام بداية ممتازة لمسيرة واضحة، مسيرة منطقية جداً كان المفروض تنتهي بضم إقليم الجزيرة بكامله لدولة "عماد الدين زنكي"، بكل ما في الإقليم ده من إمارات ودويلات مبعترة ملهاش وزن ولا قيمة عسكرية.
كل الظروف والمؤشرات كانت بتقول إن الجزيرة خلاص هتقع في إيد "عماد الدين زنكي" زي الثمرة النضجة. كان ممكن ده يحصل بسهولة شديدة، لولا الأخبار المفاجئة والطارئة اللي جتله فجأة من إمارة أنطاكية الصليبية عشان تقلب طاولة الأولويات تماماً، وتجبر "زنكي" إنه يغير بوصلته العسكرية في لحظة.
(يتبع)
.png)
تعليقات
إرسال تعليق