مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 11
(11) في عز الكوارث والفتن اللي عمالة تطحن في بغداد وشرق العالم الإسلامي، "عماد الدين زنكي" كان بعيد عن القذارة دي كلها، عقله وقلبه مشغولين بما هو أهم وأعظم بكتير. على أطراف إمارة أنطاكية الصليبية، صهيل الخيل، غبار المعارك، وجيش "زنكي" بيهجم بجسارة. "عماد الدين زنكي" بيدك الحصون والقلاع الصليبية المحيطة بأنطاكية، ويزحف على المدن الإسلامية المحتلة في المنطقة عشان يفك أسرها. معارك ورا بعض مش مخلية العدو يتنفس، وكان دايماً الانتصار الساحق حليفه.
"عماد الدين زنكي" قدر ببراعة يحرر مدن تقيلة ومهمة استراتيجياً زي كفرطاب، معرة النعمان، وزردنا، كلها مواقع تاريخية حيوية في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا حالياً، وكانت بتشكل خط الدفاع والشريان الفاصل بين حلب وإمارة أنطاكية الصليبية. الأخبار دي نزلَت على قلب الأمة الإسلامية المكلومة زي البلسم الشافي على جروح غائرة نزفت لسنين طويلة. كانت الفرحة الباكية في عيون الشعوب الإسلامية، والعلماء، والفقهاء، والصالحين من أبناء الأمة. الأمل رجع يشرق في نفوسهم تاني بعد طول يأس، وحسوا إن فيه ضوء في آخر الممر المظلم، وإن الخروج من الأزمة دي بقى ممكن جداً على إيد "عماد الدين زنكي".
وزي كل نجاح ما له أعداؤه من مرضى النفوس وأصحابها الخبيثة، فيه ناس تانيين تلقت نفس الأخبار دي بقلق بالغ، وعصبية مفرطة، وغيرة بتاكل في قلوبهم. وكان من أبرزهم السلطان "مسعود" بذات نفسه؛ انتصارات "عماد الدين زنكي" هزت ثقة "مسعود" في نفسه، وشككته في نوايا "زنكي"، والقلق نهش قلب السلطان.
السلطان "مسعود" فاكر كويس إن "زنكي" كان على علاقة طيبة جداً بالخليفة "المسترشد بالله" في أيامه الأخيرة من بعد سنين خلاف. فقال في نفسه: "زنكي" مش هيسكت، وممكن جداً يثور وينتقم لدم الخليفة، خصوصاً إن الشارع الإسلامي وعامة الناس بتتهامس وتأكد إن السلطان "مسعود" هو اللي اتفق مع الباطنية (الحشاشين) وأجرهم يقتلوه.
انتصارات "عماد الدين زنكي" اللي ورا بعضها على الصليبيين وتحرير البلاد الإسلامية، رفعت أسهمه في السماء، وبقى في عيون المسلمين له هيبة ومكانة أتقل وأكبر من كل سلاطين السلاجقة. و"مسعود" وسواسه قاله إن "زنكي" أكيد هيستقل بكل المناطق اللي بيحكمها، ده فيه أمراء أضعف منه بمراحل استقلوا بمدنهم، فما بالك بواحد في قوة "عماد الدين زنكي".
مخطط وهدف "عماد الدين زنكي" كان واضح زي الشمس؛ هو نجح فعلياً إنه يربط الموصل بحلب بحماة، ومعاهم عدد كبير من مدن أرض الجزيرة الفراتية - في شمال شرق سوريا، وشمال العراق، وجنوب شرق تركيا حالياً، محصورة بشكل أساسي بين مجرى نهر دجلة شرقاً ونهر الفرات غرباً وجنوباً، وبتمتد شمالاً لحد جبال توروس في تركيا - وعمل شبكة تحالفات حديدية وعلاقات قوية مع الأكراد، ومع زعيم الأراتقة "حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي". "مسعود" وهو قاعد بيفكر والقلق ماليه من ناحية "زنكي" شايف إنه أكيد مش هيقف عند الحد ده، أكيد هيكمل مشروعه التوحيدي على حساب باقي المدن، وممكن بقوته دي في أي لحظة يقلب عليه وياخد بعضه ويطلع على بغداد نفسها، أو يدخل أرض فارس في قلب معاقل السلاجقة.
السلطان "مسعود" بص حواليه وشاف أعداؤه كتير ومستنيين له غلطة، وعلى رأسهم ابن أخوه "داود بن محمود"، وأخوه "سلجوقشاه"، وعمه السلطان الكبير "سنجر". فكان السؤال اللي طير النوم من عينه: إيه اللي يحصل لو واحد من الأباطرة دول حط إيده في إيد "عماد الدين زنكي" ضدي؟ أكيد هتبقى نهايته.
كل الحاجات دي لما اتجمعت جوة عقل السلطان "مسعود"، خلته يفكر في تصرف خبيث، غادر، وغير متوقع بالمرة من راجل كان المفروض أن الناس بتوصفه دايماً بحسن الخلق. السلطان "مسعود" قرر يقتل "عماد الدين زنكي".
"مسعود" حسبها بعقله وقال لو عزلته من منصبه مش كفاية ولا هيحل المشكلة، هيفضل موجود في الساحة كأقوى وأعتى منافس ليا، الحل الوحيد إني أقطع عرق وأسيح دمه وأستريح منه خالص وأصفيه.
السلطان "مسعود" كان بيفكر تفكير أناني بحت، مش شايف غير نفسه وعرشه، مش فارق معاه إن أحلام أمة كاملة تضيع، ولا فارق معاه جهاد الصليبيين اللي بياكلوا ويغتصبوا أطراف البلاد، ولا هامّه توحيد الأمة الإسلامية. النظرة الأنانية الشديدة دي اللي بتخلي الحاكم يشوف الكون كله بيدور حولين مركز سلطانه وبس، ولازم يسخّر كل البشر والأحداث والشرور لخدمة كرسيه وشخصه، مهما كانت النتائج كارثية على الأمة كلها، أنا ومن بعدي الطوفان.
في قصر السلطان مسعود في همذان، الجو مكتوم والدسائس بتتطبخ في الخفاء. وفي وسط بلاط السلطان، كان واقف الزعيم الشيعي الفاسد "دُبيس بن صدقة"، واللي حكينا تمرداته قبل كدة وحروبه ضد السلطان "محمود" وقبله أبوه "محمد السلجوقي" وعداوته للخليفة "المسترشد بالله" وكل الفظائع اللي عملها، كان في الوقت ده منضم لجيش السلطان "مسعود" في حربه الأخيرة ضد الخليفة "المسترشد بالله"، استكمالاً لعداوته القديمة معاه.
و"دُبيس" وهو واقف في كواليس القصر، ودنه لقطت الخطة الشريرية والنية الفاسدة اللي بيكتمها السلطان "مسعود"، عرف ودَرى إن التدبير الخبيث ده مبني على أن السلطان يستدعي "عماد الدين زنكي" لبلاطه في همذان بحجة المشورة أو الخلافة، وأول ما يدخل "زنكي" وتطمئن نفسه، يتفاجأ بالغدر ويتم قتله.
لكن رغم الخبث والتدبير المظلم ده، كانت رحمة ربنا بعباده وبأمة الإسلام أكبر من أي مؤامرة، وعلى إيد مين.. على إيد عدو الأمس. "عماد الدين زنكي" كان أنقذ "دُبيس بن صدقة" من كام سنة فاتوا من أسر "بوري بن طغتكين"، ودفعله دية فك الأسر، وعامله بالحسنى وقرّبه منه وأكرمه. و"دُبيس"، ورغم كل فساده، شال الجميل ده في قلبه وحفظه لـ"عماد الدين زنكي".
أول ما "دُبيس" شم خبر المؤامرة، ما ترددش ثانية واحدة، وبسرعة البرق طيّر رسالة عاجلة جداً لـ"عماد الدين زنكي"، بيكشف له فيها المؤامرة بالكامل، ويحذره تحذير شديد إنه يحضر أو يحط رجله في بلاط السلطان "مسعود".
الخبر وصل للسلطان "مسعود" إن سر المؤامرة اتفضح، وإن فرصة اغتيال "عماد الدين زنكي" طارت من إيده. ولما عرف إن "دُبيس بن صدقة" هو اللي كشف المستور وضيع عليه الصيدة، جن جنونه وقتل "دُبيس بن صدقة" في الحال.
ولما وصل الخبر لـ"عماد الدين زنكي" وعرف إن "دُبيس" اتقتل بسببه، حزن بشدة وقال جملته الخالدة اللي فيها كل الوفاء والتقدير: «فَدَيْنَاهُ بالمالِ.. فَفَدَانَا بالرُّوحِ».
كانت دي إرادة ربنا سبحانه وتعالى إنه يحفظ حياة "عماد الدين زنكي" لسنين تانية جاية؛ لأنه سبحانه كان شايل له ويدخر له أعمال جليلة وعظيمة في المستقبل، ولعل من الحكمة الإلهية كمان إن الفترة دي تسيب مساحة وقوة عشان يشتد فيها عود ابنه الشاب "نور الدين محمود" ويتجهز للمرحلة اللي بعدها.
الموقف ده كان مقزز ومحيّر لأقصى درجة، راجل زي "عماد الدين زنكي" وهو في قمة نشاطه وجهاده ضد الصليبيين ومقطع نفسه عشان الأمة، تجيله طعنة غادرة ومسمومة في ظهره من إخوانه في الدين، وكان الشخص الوحيد اللي حذره وسانده في الموقف ده هو الراجل اللي حفظ جميله وردها بدمه. ورغم كل القرف ده، "زنكي" فضّل مركز في مشروعه الجهادي، وما رضيش لنفسه إنه يغرق أو تغوص رجله في الصراعات الدنيوية الرخيصة اللي بيمسك فيها السلاطين في خناق بعض. لكن في نفس الوقت، حقيقة إن محاولة الاغتيال كانت موجهة لشخصه بالذات، خلته يتعلم الدرس؛ بقى فاهم إنه ما ينفعش يتغاضى أو يطنش الأحداث اللي بتحصل حوليه، وبقى بيتحرك بذكاء عشان يدفع الضرر والأذى عن نفسه وإمارته، من غير ما ينغمس ويغرق في مشاكلهم المعقدة والمستنقعات اللي هما عايشين فيها.
"عماد الدين زنكي" وهو قاعد في مقره، بملامح هادية وصارمة مفيهاش أي أثر لغل أو رغبة في الثأر الشخصي. رغم إن الموقف اللي حصل من "مسعود" وتدبيره لاغتياله يثير حفيظة أي حد، ورغم إن "زنكي" قوته العسكرية ومكانته في قلوب الناس وحبهم ليه كانت تخليه يقدر وبسهولة يتحرك بجيشه وينتقم من السلطان "مسعود" ويكسر شوكته، إلا إنه طنّش وما شغلش باله بالقضية دي خالص. "زنكي" مكنش من نوعية القادة اللي يسيبوا عقلهم لشهوة الانتقام أو يتسحلوا في معارك جانبية تاكل من طاقتهم وتضيع وقتهم؛ كان حاطط قدام عينيه قضيتين هما اللي عايش عشانهم ومكرس حياته ليهم: وحدة المسلمين وجهاد الصليبيين، ومش مسموح لأي حاجة في الدنيا تشغله عنهم.
وفي أواخر سنة 530 هـ وأول سنة 531 هـ / من سبتمبر إلى نوفمبر سنة 1136 م، بدأ "زنكي" يتحرك بذكاء سياسي. جهز رسايله وهداياه وبعتهم للخليفة العباسي الجديد "المقتفي لأمر الله" - اللي قعد على العرش بعد خلع "الراشد بالله" - وعمل على إقامة علاقات طيبة متينة معاه.
"زنكي" تحرك الخطوة دي عشان يضمن إن ما تحصلش أي قلاقل أو توترات مع الكيان العباسي؛ صحيح إن الخلافة العباسية وقتها مكنتش القوة العسكرية الشرسة اللي تخوف، لكن كان واضح جداً من سير الأحداث إن عموم المسلمين في كل مكان لسه بيهتموا برأي الخليفة العباسي وبيستنوا تزكيته ويبجلوا كلمته مهما كان ضعيف أو مسحوب منه السلطة الفعلية. ده غير إن الخليفة الجديد "المقتفي بالله" بالذات كان مشهور جداً بين الناس بحسن السيرة والعدل، وشعبيته وحب الناس ليه كانت كبيرة جداً، فكان ذكاء من "زنكي" إنه يكسب صفه ويكسب البركة والتأييد الشعبي والديني منه، عشان يفرغ عقله تماماً لمواجهة العدو الحقيقي.
"زنكي" كمان ما وقفش عند العلاقات السياسية والدبلوماسية، ده تحرك كمان عشان يوسع الإمارة الزنكية في اتجاه أرض الجزيرة بالتعاون والتحالف مع حليفه "حسام الدين تمرتاش". وقاموا بهجوم مشترك وقوي جداً على جبل جور ومنطقة السيوان، ودي مناطق تقيلة ومهمة بتقع في شمال ديار بكر، وده معناه توسع إقليمي كبير وضخم في قلب أراضي الجزيرة الفراتية. التوسع ده والضربة القوية دي خلت كل المقاومين والمعارضين لمشروعه التوحيدي يهدأوا تماماً ويثبتوا في مكانهم ويخشوا جحورهم، والرعب ده كان السبب في استقرار الأوضاع جداً في كل مناطق الجزيرة، وده أتاح فرصة ذهبية لـ"عماد الدين زنكي" عشان يتفرغ بالكامل للصليبيين.
لكن في نفس الوقت، كانت مدينة حمص واقفة زي شوكة له في الزور. حمص كانت بتشكل عقبة سخيفة في الطريق لدمشق، وفي نفس الوقت تعتبر نقطة ضعف خطيرة في ظهر "عماد الدين زنكي" لو قرر يتقدم ويهجم على أنطاكية أو طرابلس. عشان كده، كرر "زنكي" محاولاته وحاصر المدينة كذا مرة، لكن حمص استعصت عليه وما نجحش في فتحها مباشرة. ورغم كده، المحاولات والحصار المتكرر ده هز ثقة صاحب المدينة "قريش بن خير" ورعبه لدرجة إنه اضطر يسلم المدينة لـ"شهاب الدين محمود" صاحب دمشق، عشان يساعده ويحميه ويحمي حمص ضد هجمات "عماد الدين زنكي". و"شهاب الدين" من ناحيته، أول ما استلم حمص، حط عليها أعتى وأصلب وأقوى أمراؤه العسكريين، "معين الدين أُنُر".
وبالنسبة للصليبيين، "زنكي" كان حريص جداً ومصحصح، ومش مديهم أي فرصة ولا نفس عشان يعيدوا تنظيم صفوفهم أو يلموا شتاتهم، فكان دايماً بيفاجئهم ويباغتهم في أماكنهم. ومن أروع المشاهد دي، اللي عمله جيش "زنكي" في منطقة اللاذقية؛ في شهر شعبان سنة 530 هـ / مايو - يونيو سنة 1136 م حقق المسلمون هناك نصراً عظيماً وجباراً على القوات الصليبية. دمروا حصونهم، وقتلوا أعداداً ضخمة جداً من جنودهم، والأعظم من ده كله إنهم أسروا أكثر من 7 آلاف صليبي دفعة واحدة.
ومع الأسرى، جمع المسلمون غنائم مهولة ما تتوصفش ولا تتقدر بمال؛ كفاية أقولك إن الدواب والمواشي لوحدها عدت الـ 100 ألف رأس من الخيول والبغال والحمير والبقر والغنم، ده غير الأقمشة الفاخرة والمجوهرات والبضائع اللي ملهاش عدد. كان نصراً عظيماً وملحمياً بكل المقاييس، رجّع للمسلمين هيبتهم وجزءاً كبيراً جداً من ثقتهم في أنفسهم وقدرتهم على الانتصار.
ورغم إن "عماد الدين زنكي" كان مشغولاً ومسحولاً في كل المحاور الثقيلة دي مع بعضها في نفس الوقت، إلا إن العقلية العسكرية الفذة اللي جواه مكنتش بتغفل ثانية واحدة؛ الراجل كان حريص كل الحرص إنه يؤمن ظهره ويحسب حساب أي حركة غدر ممكن تجيله من ناحية السلطان "مسعود". وعشان كدة أخد بعضه بجيشه وطلع في أوائل سنة 531 هـ / نوفمبر سنة 1136 م، وضم مدينة دقوقا لحكمه.
الموقع الجغرافي لدقوقا ده بالذات كان ضربة معلم؛ المدينة دي بتقع بين إربل وبغداد، يعني بالضبط في جنوب شرق الموصل. وبكده "زنكي" عمل لنفسه خط دفاع وحائط صد فاصل بينه وبين أملاك السلطان "مسعود"، بحيث تبقى دقوقا دي زي نقطة المراقبة والانكشاف اللي تكشف له أي تحرك أو زحف من قوات "مسعود" قبل ما يتفاجأ بيه أو يتباغت جوة الموصل
(يتبع)
تعليقات
إرسال تعليق