مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 10

(10) السلطان "سنجر" بعد ما حسم الأمور وحط ابن أخوه "طغرل" على كرسي السلطنة، لملم جيوشه ورجع على إقليمه في خراسان ــ شمال شرق إيران حالياً ــ والخطوة دي بالذات كانت نقطة الضعف القاتلة. مجرد ما السلطان "سنجر" أدى ظهره للعرش وسافر، موقف السلطان الشاب "طغرل" بقى مهزوز، وسال لعاب كل المنافسين والطامعين في التاج من جديد.

الأمير الشاب "داوود بن محمود" ومعاه أتابكه والمتصرف في كل شؤونه "آق سنقر الأحمديلي"، قرروا إنهم مش هيسكتوا. وعشان كدة جمعوا الحشود، وجهزوا الجيوش، وقاموا بتمرد مسلح على السلطان "طغرل".

وفي رمضان سنة 526 هـ / يوليو 1132م، وعلى أطراف همذان ــ غرب إيران حالياً ــ عاصمة السلطان "طغرل"، اصطدمت القوتين في معركة طاحنة، السيوف بتشتبك والنيران والرمال مغطية المشهد. لكن الغلبة والنصر في النهاية كانت للسلطان "طغرل"، وانكسر جيش "داوود بن محمود"، واستقر العرش تحت إيد "طغرل" من تاني.

تفتكر "داوود" يأس؟ أبداً! لملم "داوود" جراحه وطار فوراً على بغداد ودخل على الخليفة العباسي "المسترشد بالله". الخليفة بذكاؤه السياسي رحّب بيه واستقبله استقبال كبير ومهيب يليق بالأمراء، وأنزله في دار السلطان عشان يكرمه. بس الخليفة كان حذر جداً؛ مرضيش يخلع عليه لقب السلطان ولا ينصبه، لأن "داوود" في اللحظة دي كان مكسور ومهزوم وضعيف، والخليفة مش عاوز يورط نفسه في رهان خسران.

وفي نفس الوقت في ناحية تانية، خبر الحرب والصراع اللي اتجدد وصل للملك "مسعود". و"مسعود" دمه يغلي. هو وشايف إنه أولي وأحق واحد في الدنيا بالسلطنة دي كلها، لأنه الأخ الأكبر، وعلى الأقل هو أحق بكتير من السلطان الحالي "طغرل" أخوه الأصغر منه.

قام فوراً وطار "مسعود" على بغداد، ودخل القصر العباسي، وقعد في اجتماع مغلق مع الخليفة "المسترشد بالله" العباسي والأمير "داوود". وعلى الطاولة المفرودة، اتفق الثلاثة على إن الخليفة يخلع رسمياً لقب السلطان على "مسعود"، وفي مقابل ده يكون "دا,ود بن محمود" هو ولي العهد الشرعي ليه. وبكده، رجع المخطط القديم اللي كان متفق عليه قبل كده بين الخليفة و"مسعود" يتنفذ حرفياً، مع تعديل بسيط في اسم ولي العهد، بقى "داوود" بدل "سلجوقشاه".

ومسكت إيد "مسعود" في إيد "داود"، وجمعوا جيوشهم وأتوحدوا، وتحركوا ناحية بلاد فارس عشان يقلعوا "طغرل" من على عرشه. ودارت بينهم وبين جيش السلطان "طغرل" معارك ومصادمات عنيفة في أكثر من مكان وفي أكثر من جبهة في أراضي فارس، وفي كل معركة كانت الغلبة والسيطرة الكاسحة للملك "مسعود". وانتهت الجولات بحسم الموقف، انكسر "طغرل"، وصعد "مسعود" على العرش ــ وشالوا ألدو حطوا شاهين ــ  وانتزع لقب السلطان، في أواخر سنة 527 هـ / 1133 م.

في عز المعركة والكر والفر، كان فيه عين تانية قاعدة تترقب وتتحين الفرص، عين حاكم دمشق الفاسد، "إسماعيل بن بوري" اللي شاف إن الجو مناسب قوي إنه يضرب ضربته. وفجأة، وبدون أي مقدمات، ساب "إسماعيل" دمشق وطلع بجيشه على مدينة حماة اللي كانت وقتها تابعة لإمارة "عماد الدين زنكي"، وكان فيها حامية عسكرية بسيطة. "إسماعيل" حاصر المدينة حصار خانق، وضغط عليها بكل قوته. الحامية حاولت تقاوم، لكن الهجوم كان شرس قوي، وفي النهاية، سقطت حماة في إيد حاكم دمشق.

الخبر نزل كالصاعقة على "عماد الدين زنكي" في الموصل. سقوط حماة مكنش مجرد خسارة لمدينة عادية، ده كان طعنة في قلب الإمارة الزنكية الناشئة. حماة دي كانت هي المفتاح؛ هي نقطة الانطلاق اللي مكنش ينفع تضيع لو "عماد الدين زنكي" فكر في يوم من الأيام يتقدم نحو دمشق ويوحد الشام، وكانت كمان قاعدة مهمة قوي لمراقبة وحرب إمارة طرابلس الصليبية. يعني "إسماعيل بن بوري" قفل الباب في وش "زنكي" من ناحية الجنوب والغرب. ورغم إن الموقف كان في غاية الفداحة والصعوبة، إلا إنه كان متوقع. الدنيا كانت سايبة، ومفيش أمن، والأحوال مضطربة مش مستقرة، وده كله نتيجة طبيعية لصراعات السلاطين والملوك السلاجقة اللي مبتنتهيش، واللي خلّت كل أمير يعمل اللي على كيفه طالما مفيش قوة مركزية تحاسبه.

طبعاً، أي حد مكان "عماد الدين زنكي" في الوقت المنفلت ده، كان ممكن ييأس أو يركز كل جهده في الرد على "إسماعيل بن بوري"، لكن "زنكي" مكنش زي أي حد. ده كان أمير محنك، عقله دينمو شغال، ودايما باصص لقدام مش تحت رجليه، بيفكر في المستقبل. زنكي كان عارف إن الطمع قل ما جمع، وإن الصليبيين لو شافوا المسلمين بياكلوا في بعض في العراق والشام، هيستغلوا الفرصة فوراً ويجتاحوا باقي البلاد. عشان كده، ورغم الجرح النازف في حماة، ورغم انشغاله بفتنة العراق، موقفش ضرباته ضد الصليبيين.

كل مدة زمنية قصيرة، كان بيبعت سرايا وحملات عسكرية خاطفة، مكنتش بتهدف للتحرير الكامل، قد ما كانت بتهدف لإشغال العدو وكسر شوكته، زي حرب الاستنزاف. وكان القائم بالأعمال دي، والبطل الحقيقي في الميدان، هو أمير حلب التارع لإمارة "عماد الدين زنكي"، الأمير "سوار" واللي كان شعلة نشاط وجرأة. وفي جمادي الآخرة سنة 527 هـ / مايو 1133 م، قاد حملة عسكرية كبيرة على مدينة مهمة جداً وتابعة لإمارة الرها الصليبية، وهي مدينة تل باشر. "سوار" وجيشه هجموا بمنتهى القوة والسرعة، ودارت معركة شرسة انتهت بانتصار ساحق للمسلمين.

النتيجة كانت مذهلة، قتلوا أكثر من ألف صليبي، وغنموا غنائم مكنتش تتوصف من كترها. النصر ده رجّع الهيبة لجيش المسلمين. الصليبيين جالهم ايرور، مبقوش فاهمين حاجة، مش هم بياكلوا في بعض ومتفرقين، أمال ايه الاعصار ده جه منين، فحسوا إن فيه قوة حقيقية لسة موجودة وبتحارب.

"سوار" كان عقلية عسكرية فذة، استغل وجود فرق كتير من التركمان الشجعان في أرض الجزيرة ــ المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات في أقصى شمال شرق سوريا وشمال العراق وجنوب شرق تركيا الحالية ــ وجنّد عدد كبير منهم في صفوف جيشه، وأستخدم الفرِق دي في هجمات سريعة وخاطفة على أطراف إمارتي أنطاكية وطرابلس الصليبيتين. الهجمات دي حققت انتصارات هنا وهناك، وقتلت عدد كبير من الصليبيين، ورجعت بغنائم تانية كتير. الهدف زي ما قلتلك من المعارك دي كلها مكنش إنه يحرر الإمارة الفلانية أو المدينة العلانية بالكامل. "سوار" و"زنكي" كانوا متفقين على حرب تشتيت للعدو عشان ميلحقش يفوق أنه يهجم على المدن الاسلامية، وانهاك قوته، زي حرب الشوارع اضرب واجري، لأنهم كانوا عارفين إن القوة الإسلامية وقتها، وفي ظل الانقسام ده، مكنتش كافية لحماية بلادهم أو حتى لتحقيق نصر نهائي.

الخطة دي كانت استراتيجية دفاعية هجومية عشان يحموا حلب والبلاد المجاورة ليهم، ويشغلوا العدو بنفسه وبجراحه، لحد ما فتنة العراق دي تنتهي على خير، ويخلصوا لعب، ويرجع السلاطين السلاجقة يتفقوا أو حد فيهم ينتصر نصر حاسم، وساعتها يتفرغ "عماد الدين زنكي" لمشروعه الجهادي الحقيقي من تاني لتوحيد الأمة وتحرير البلاد بالكامل. من المنظور ده، ومن زاوية الهدف الاستراتيجي اللي اتحط، الحملات العسكرية دي نجحت نجاح باهر. هي صحيح مفتحتش قلعة أو مدينة، لكنها حمت الإمارة الزنكية في وقت كانت في أضعف حالاتها، وأوقفت زحف الصليبيين، وحافظت على شعلة الأمل في القلوب.

وفي سنة 528 هـ / 1134 م، السلطان "مسعود" هو اللي كان قاعد على كرسي السلطنة في بغداد وبلاد فارس. لكن الحقيقة، الكرسي ده كان عامل زي الجمر، مفيش حد بيتهنى عليه. الوضع ده مكنش مريح السلطان المخلوع "طغرل" مكنش قادر يبلع فكرة الهزيمة وانه يسيب اللقب ببساطة كده لأخوه الكبير. وعمه السلطان "سنجر" لسة بيبعتله المعونات والمدد، وبيقوله بلسان الحال: (متخافش يا ابني، أنا وراك لحد ما ترجع حقك). "طغرل" بذكائه المعهود ودعمه القوي من "سنجر"، جمع قوته ولم شمله من هنا وهناك، وكانت عينه على نقاط الضعف في جبهة أخوه "مسعود".

واشتغلت الحركات السياسية والمؤامرات، "طغرل" راح للأمير "داوود بن محمود"، ووسوسله بالانفصال والخروج عن طاعة السلطان "مسعود". "داوود" كان لسة صغير نتهور ومعندوش خبرة ولا دهاء سياسي، عشان كدة وقع في الفخ وبايع "طغرل". وقدر "طغرل" بذكاؤه، واستغلال طمع الطماعين، إنه يستقطب ويجر لصفه فرق تانية كاملة من جوة جيش السلطان "مسعود" نفسه. وبكدة الفتنة شعللت تاني، والجيوش اتجهزت.

في أراضي بلاد فارس الواسعة، بنشوف غبار المعارك بيغطي السماء من جديد. الأخوان، "طغرل" و"مسعود"، في مواجهة مباشرة. السيوف بتتلاحم، والفرسان بيقعوا، والدم المسلم بيسيل، وكأنه مبقاش فيه صليبيين ولا أعداء غير بعض.

دارت معارك شرسة وقوية، وفي كل جولة، كانت حماسة "طغرل" ودعم عمه "سنجر" بتصنع الفارق. وانتهت الجولات دي بانتصار ساحق وحاسم لـ"طغرل" وانكسر جيش السلطان "مسعود"، واضطر ينسحب ويلم اللي فاضل من قوته. وبكدة السيناريو اتكرر تاني، رجع كرسي السلطنة تاني للسلطان "طغرل"، وطار اللقب من "مسعود".

المسلمون فعلياً دخلوا في تيه من الصراعات والفتن اللي مابتخلصش، ومتاهة مفيش منها خروج. مأساة قتال الإخوة مبقاش حدث غريب، ده بقى حدث عادي وبنشوفه كل يوم. والجيوش الإسلامية، اللي مكنش ليها غير هدف واحد وهو قتال الأعداء وتحرير المقدسات، بقت بتتقاتل مع بعضها البعض بلا رحمة ولا هوادة، وكأنه مبقاش فيه دين ولا دم بيجمعهم.

و كرسي السلطنة، اللي كان بيهز الدنيا قبل كده وبيعبر عن قوة الخلافة والأمة كلها، بقى منصب عادي بسيط ومجرد لقب شرفي، واحد يقعد، والتاني يقعد مكانه بعد كام شهر، وكأنه لعبة بيتبادلوها، وبدون أي اعتبار لمسيرة أمة كاملة بتضيع وتنزف قدام عينهم.

"عماد الدين زنكي" واقف في قصر الموصل، عينيه على الأفق وملامح وشه بأن عليها العجز، شايل هموم أمة كاملة. راجل أفنى عمره وشبابه، تعب شقا وسهر عشان يجمع شتات المسلمين في كيان واحد قوي، كيان يقدر يقف في وش الصليبيين ويحميهم. وكل اللي بناه بيضيع قدام عينيه بسبب الظروف المضطربة دي، كل واحد في قلبه مرض وطمع يبتدي يشرّس. كان أكتر بني آدم بيتألم وبيتعذب في اللحظة دي هو "عماد الدين زنكي" نفسه؛ شايف الكيان بيقع وبيفك بين إيديه، والسلاطين المسلمين سايبين الخطر الحقيقي ورايحين يتصارعوا ويطحنوا في بعض بدال ما يوجهوا قوتهم في السكة الصح. والأدهى من كده، إن كل سلطان منهم بقى يشد طائفة من المسلمين لصفه، ويزقهم ويقويهم على الطائفة التانية.

وكانت النتيجة أن القلاقل والفتن ولعت في كل مكان، والأحوال جوا الإمارة الزنكية الواسعة نفسها بدأت تضطرب وتهتز. الناس في الشوارع من طول الصراع بدأوا يحسوا إن "عماد الدين زنكي" مبقاش في أيده حاجة، قاعد يتفرج لحد ما صراع السلاطين ده يرسى على بر. "زنكي" نفسه كان حاسس بحرج شديد جداً إنه يدخل نفسه أو يشارك في القذارة والصراعات دي، فكان قاعد ومترقب مع جيشه في الموصل، مستني الأحوال تستقر، بس للأسف، هي مكنتش ناوية تستقر خالص.

وفي سنة 529 هجرية / 1135 م، الهدوء حذر، وعماد الدين زنكي قاعد في مقره، عمال يرتب أوراقه ويحسبها، عشان يشوف هيتعامل إزاي مع الوضع الجديد للسلاطين. "طغرل" بقاله كام شهر قاعد على كرسي السلطنة، وفجأة يدخل رسول جاي على جناح السرعة، ويوصل نبأ عجيب يقلب الموازين. 

"طغرل" مات، فجأة كده، وهو لسه شاب عنده 26 سنة، في نفس السن اللي مات فيه اخوه السلطان الراحل "محمود". الجو بيرجع يتكهرب تاني، الملك "مسعود" لم المحيطين بيه والأعوان بسرعة البرق، وخدهم وطلع يجري نط وقعد على كرسي السلطنة.

 الجو خلا تماماً لـ"مسعود" عشان ينصب نفسه السلطان الجديد، خصوصاً إن منافسه "داوود بن محمود" قوته كانت اتكسرت وضعفت جداً بعد ما الأتابك بتاعه "آق سنقر الأحمديلي" اتقتل، والناس بتهامس وتوشوش إن "مسعود" هو اللي تخلص منه وقتله عن طريق جماعة الباطنية (الحشاشين). ومن ناحية تانية، السلطان "سنجر" لقى إنه ملوش قومة ولا قدرة يخوض صراع في فارس والعراق بعد ما مرشحه للسلطنة الملك "طغرل" مات. أما "سلجوقشاه" فده كان أضعف واحد في الليلة دي كلها.

يعني من الآخر كده، "مسعود" وصل للكرسي مش لأنه يستحق، لا خالص، ده لمجرد إن الساحة فضيت من المنافسين، وكان واضح جداً زي عين الشمس إن الدولة السلجوقية خلاص بتطلع في الروح بتنزع نزعها الأخير.

وفي نفس التوقيت الملخبط ده، تجي استغاثة أغرب من الخيال لـ"عماد الدين زنكي" من قلب دمشق، ومن شمس الملوك "إسماعيل بن بوري" ذات نفسه.

شمس الملوك "إسماعيل بن بوري" ظهر منه كمية فساد وجنون محدش يتخيلها، وصل بيه الإجرام إنه قتل أخوه "سونج" بالجوع، أه والله زي ما بقولك كده، حبسه في بيت وقفل عليه وسابه أيام وليالي لحد ما مات من الجوع. وصادر أموال الناس بالعافية وينهب أملاكهم، كان نزل لدرجة من الدناءة إنه ينهب ويحرم الناس من أبسط وأحقر الأشياء، وما يترددش لحظة إنه يسرق فلوس الفقراء والمحتاجين.

ولما بعض الأعوان بتوعه اعترضوا على أفعاله قام قتلهم. وأعلن إنه مش هيتردد يقتل أي حد يعارضه. البلد كلها ضجت والناس ثارت من الظلم، دمشق دخلت في حالة اضطراب عنيف وشوارعها بقت بتغلي. والعامة والأمراء قاموا بحركة ثورة عنيفة جداً.

الموضوع وصل للذروة، لدرجة إن شمس الملوك "إسماعيل بن بوري" اترعب على نفسه وبقى خايف جداً. بقى متوقع في أي لحظة الناس هتقتحم قصره، وتنتقم منه وتقتله، وبدأ يشك ويخاف حتى من أقرب المقربين ليه، حاسس إن السكينة على رقبته وهيتقتل بين اللحظة والتانية.

الخوف والذعر دول هما اللي خلوه يبعت يستغيث بـ"عماد الدين زنكي" وعرض عليه يستلم دمشق مقابل إنه يحميه ويأمنه على حياته. ومن كتر الرعب والجنون اللي راكبه، هدد "عماد الدين زنكي" وقال له: (لو ما جيتش بسرعة واستلمت البلد.. أنا هسلم دمشق للصليبيين).

"عماد الدين زنكي" لما وصلت له استغاثة شمس الملوك "إسماعيل بن بوري"، عينيه لمعت وحس إن دي فرصة ثمينة جداً حالته على طبق من ذهب عشان يضم دمشق لمملكته ويقرب أكتر من حلمه بلم شمل المسلمين. أخد بعضه وعلى طول تحرك بجيشه من الموصل رايح دمشق.

وهو في الطريق، صادف فرصة تانية سانحة ميتسكتش عليها، مدينة الرقة ـ شمال سوريا حالياً على الضفة الجنوبية لنهر الفرات ـ قال بالمرة أضمها للكيان الموحد، وفعلاً نجح وببراعة إنه يضم الرقة لإمارته، بس الخطوة دي أخرته شوية عن مشواره لدمشق.

على ما وصل دمشق اتفاجئ بأن شمس الملوك "إسماعيل بن بوري" خلاص اتقتل. شمس الملوك من كتر فساده وجنونه كان بيتآمر ويرتب خطة عشان يخلص من أمه ويقتلها، فهي سبقت وخلصت عليه الأول وأتغدت بيه قبل ما يتعشى بيها، وبالمرة تنتقم لابنها "سونج". وبعد ما اتقتل شمس الملوك، أهل دمشق اتلموا واتفقوا كلهم على تولية وطاعة أخوه "شهاب الدين محمود بن بوري"، وبايعوه إنه يكون الحاكم الجديد.

"عماد الدين زنكي" واقف بجيشه برة دمشق، ومش ناوي يفرط في اللحظة. فرض حصار شديد على دمشق وحاول بكل الطرق يضمها لصفوف الوحدة، لكن دمشق استعصت عليه تماماً وأصرت إنها ما تنضمش لوحدة المسلمين. أهلها تحصنوا بأسوارها والحصون المختلفة.. واللي مسك خط الدفاع الأول وإدارة المعركة جوة دمشق كان شخصية عسكرية تقيلة وخطيرة جداً، هيكون له شأن كبير في تاريخ المدينة بعد كدة. وهو الأمير"معين الدين أُنُر" من مماليك "طغتُكين" أمير دمشق الراحل، وراجل عسكري فذ وشاطر جداً في الحرب، بس كان نفعي لأقصى درجة ممكنة، معندوش أي مشكلة يستخدم أي وسيلة مهما كانت عشان يثبت رجله في كرسيه ومنصبه.

وفي نفس الوقت اللي "عماد الدين زنكي" بياخد ويدي فيه قدام أسوار دمشق، الأحداث في العراق كانت بتغلي نار. الخليفة العباسي "المسترشد بالله" رجعت تراوده أحلام الاستقلال والسيطرة، وعايز يتحرر من سطوة ونفوذ الدولة السلجوقية. وزاد الطين بلة أن الملك "داوود بن محمود" راح للخليفة وأغراه إنه يتحالف معاه عشان يحاربوا عمه "السلطان مسعود". الخليفة أكل الطعم، وجّهز جيوشه وبدأ يستعد فعلياً لدخول حرب مباشرة مع السلطان "مسعود".

وفي يوم 10 رمضان سنة 529 هـ / يونيو 1135م، وقع الصدام العنيف والمواجهة المباشرة بين جيش الخليفة العباسي "المسترشد بالله" وجيش السلطان السلجوقي "مسعود". وكانت النتيجة حاسمة ومأساوية للخليفة، النصر كما هو و متوقع كان حليف السلطان "مسعود"، وجيش الخليفة اتكسر، والأدهى إن الخليفة العباسي كمان اتأسر، وأخدوه وتحفظوا عليه في مدينة همذان المقر الرئيسي للسلطان "مسعود".

وبسبب النهاية المؤلمة والمؤسفة للخليفة، واضطر وهو مقهور إنه يوافق على شروط صلح مذلة جداً فرضها عليه السلطان "مسعود"، وهي أنه يدفع الخليفة غرامة ضخمة مقدارها 400 ألف دينار، ويتعهد إنه يحرّم ويرجع عن تجميع أي عساكر أو جيوش تاني أبداً، وما يخرجش من بيته خالص، ويقر ويعترف برئاسة وسلطنة السلطان "مسعود" على كرسي السلطنة.

الخليفة بلع الإهانة وقبل بالوضع الجديد، وقعد يلم حاجته ويتأهب للرحيل والعودة لبغداد وهو مكسور ومهزوم ومغلوب على أمره. وفي اللحظة دي بالذات، بيحصل سيناريو أشد قسوة وبشاعة من كل اللي فات.

في يوم 17 ذو القعدة سنة 529 هجري، كان الخليفة في سكته لبغداد، فنزل وعسكر في مكان يريح فيه هو واللي معاه، ونصبوا الخيام.  قاعد جوة خيمته، ممدد وبيفكر في المستقبل المظلم للخلافة، وأحلامه اللي تحولت الكوابيس ومذلة.  فجأة يقتحم خيمته 24 راجل من الباطنية (الحشاشين) دخلوا عليه ودبحوه قبل ما يستوعب الموقف وقطعوه حتت.

الأخبار  دي لما وصلت للناس في كل البلاد الإسلامية، فالناس بدأت تهمس إن السلطان "مسعود" هو اللي حرض الباطنية وأشتراهم لقتل الخليفة؛ لأنه حتى بعد ما الخليفة أقر بشروط الصلح القاسية دي، "مسعود" مكانش مآمن له ولا مالي إيده منه.

ورغم البشاعة دي كلها، مبايعة الخلافة تمت لابن الخليفة القتيل "أبي جعفر المنصور" والملقب بـ "الراشد بالله". بس كان واضح جداً لكل عين بتشوف إن المنطقة كلها بقت قاعدة على مرجل بيغلي بعنف وشرار طالع من كل ناحية، خصوصاً إن السلطان "مسعود" ما اكتفاش باللي حصل ده، وأخد بعضه وطلع بجيشه عشان يحارب ابن أخوه الأمير "داوود بن محمود".

(يتبع)
مروة طلعت
23/9/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ
#مُمَهِّدُ_النصر #نور_الدين_محمود_زنكي
المصادر:
الكامل في التاريخ جـ 9— ابن الأثير، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2012م.
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم جـ 17–18— ابن الجوزي، تحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ/1992م.
البداية والنهاية جـ 12— ابن كثير، مراجعة عبد القادر الأرناؤوط وبشار عواد معروف، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة السادسة 2021م.
الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل — ابن الأثير، تحقيق عبد القادر أحمد طليمات، دار الكتب الحديثة بالقاهرة ومكتبة المثنى ببغداد، 1963م.
الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية جـ 1–جـ 3— أبو شامة المقدسي، تحقيق إبراهيم الزيبق، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1418هـ/1997م.
تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام — د. محمد سهيل طقوش، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثانية، 2010م.
ذيل تاريخ دمشق — ابن القلانسي، تحقيق H. F. Amedroz، بيروت، 1908م.
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان جـ 20–21— سبط ابن الجوزي، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الرسالة العالمية، دمشق، الطبعة الأولى، 1434هـ/2013م.
زبدة الحلب من تاريخ حلب — ابن العديم، وضع حواشيه خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ/1996م.
تاريخ مدينة دمشق — ابن عساكر، تحقيق عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان جـ 5— ابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1978م.
تاريخ الأتابكة في الموصل والشام — د. السيد الباز العريني.
القائد المجاهد نور الدين محمود زنكي: شخصيته وعصره — د. علي محمد الصلابي.
نور الدين محمود وتجربته الإسلامية — د. عماد الدين خليل.
العبير الشذي في سيرة الملك العادل نور الدين زنكي — محمود أحمد الزويد.
عماد الدين زنكي شخصيته وعصره ــــ د. على محمد الصلابي.
قصة الحروب الصليبية من البداية الى عهد عماد الدين زنكي ــــ د. راغب السرجاني.
الحلقة الأولى
https://www.facebook.com/share/p/19V5QyVeHN/
الحلقة الثانية
https://www.facebook.com/share/p/192zWUa
EuJ/
الحلقة الثالثة
https://www.facebook.com/share/p/14oE3zKLPma/
الحلقة الرابعة
https://www.facebook.com/share/p/1ETQo54DJR/
الحلقة الخامسة
https://www.facebook.com/share/p/18s1saeMSt/
الحلقة السادسة
https://www.facebook.com/share/p/1Bo22UMFuj/
الحلقة السابعة
https://www.facebook.com/share/p/1D7XQ62xGp/
الحلقة الثامنة
https://www.facebook.com/share/p/1BD7FPMwur/
الحلقة التاسعة
https://www.facebook.com/share/p/1Duj9Tmk6P/



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أحمد بن طولون 29

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5