مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 3

(3) حلب، في أواخر مايو سنة 1094م / جمادى الأولى 487 هـ، غبار الهزيمة لسه مخيم على شوارع حلب اللي كانت بالأمس زاهرة وعادلة. الصمت يخنق الحارات، والعيون مليانة دموع وكسرة.. الخبر نزل زي الصاعقة على الجميع: "تتش قتل قسيم الدولة آق سنقر".

وسط كل الزحمة دي والوجع اللي مالي القلوب، كان واقف طفل صغير عنده 10 سنين، أسمر اللون، عيونه واسعة وثابتة، راسه مرفوعة بشموخ رغم أن الدموع متحجرة في عينيه رافضة الخروج.. وده كان أول درس عملي في الحياة أخده الشبل بن الأسد "عماد الدين زنكي بن قسيم الدولة آق سنقر".

الناس كانت تبص له والحسرة تأكل قلوبهم، يتهامسوا ويقولوا: "يا حبيبي يا بني.. ضاع الولد خلاص! مين هيحمي يتيم آق سنقر؟ إزاي طفل في السن ده يعيش بعد ما أبوه الجبل اتكسر؟". وكم من أيتام في التاريخ بلعتهم الأيام وضاعوا في زحمة الحياة.

بس "عماد الدين زنكي" ربنا أعزه ونصره ورفعه فوق الرؤوس، لأن "آق سنقر" لما مات، ما سابش لابنه قصور مليانة جبال ذهب ولا أورثه منصب رفيع وجاه جاهز، ساب له تركة عظيمة جداً، أعظم وأبقى ألف مرة من الفلوس والسلطان!

أوعي تفتكر أو يجي في بال حد إن كل الفضائل والبطولات والعدل والوفاء اللي رسمهم "آق سنقر" في حياته، كانت غايبة عن عين وعقل الطفل الصغير ده. عقول الأطفال أوسع وأعمق بكتير مما نتخيل؛ بتستوعب تصرفات الآباء ونظراتهم وقراراتهم في سن مبكرة جداً. خصوصاً في العصر الملحمي ده، العصر اللي مكنش فيه وقت لللهو أو الدلع.

كان الطفل يحفظ القرآن الكريم كاملاً وهو لسه عنده 7 سنين، ويحفظ كتب الفقه والحديث ويتعمق في علوم الدين وهو ما كملش 10 سنين، ويطلع يجاهد في سبيل الله ويشيل السلاح وهو عنده 15 سنة، وقائد بيحرك جيش كامل ويرسم خطط المعارك وهو لسه 18 سنة، وحاكم بيدير دولة وبيحكم بين الناس وهو ما وصلش 20 سنة!

كانت حياة جادة بكل ما تحملها الكلمة من معنى، حياة بتستوعب طاقة الطفل وتنمي إمكانياته وتصقلها من صغره، فتضيف لعمره أعمار جديدة وخبرات مبكرة.. مش زي الحياة المايعة اللي بنشوفها دلوقتي، يوصل فيها الشاب لـ 30 سنة وأكتر، ولسه مش قادر حتى يعتمد على نفسه أو يأخذ قرار في حياته.

مات "آق سنقر"، وساب طفله "عماد الدين زنكي" مشحون ومحمل بأعظم حُمولة: حب الشريعة، شغف الجهاد، رغبة جارفة في نصرة الدين وأهل الإسلام، وإحساس عميق وشديد بآلام أُمته ومشاكلها والدم اللي بيسيل على أطرافها. عشان كدة، وفي السن الصغيرة دي اختار "عماد الدين زنكي" بملء إرادته إنه يحيا حياة الجهاد والجدية، ويرتدي ثوب الفرسان وهو لسه طفل.

لكن كان فيه قدامه معضلة تانية قصاده، حلب خلاص ما بقيتش حلب اللي يعرفها. إزاي يقدر طفل نقي وعزيز النفس إنه يعيش ويستنشق هواء بلد بيحكمه "تتش" قاتل أبوه؟ "تتش" الراجل الظالم الفاسد، اللي ما بيشغلش باله لحظة بمصالح الأمة أو أنين الرعية، ولا بيصرف وقته وجهده غير لمطامعه الشخصية العفنة وشغفه بالسلطة. كان لازم يسيب حلب، بس هيروح فين اليتيم مع أمه المكلومة؟.

وهنا كانت حُسن تدابير ربك، وعنايته باليتيم الذي كان أبوه صالحاً، في الموصل كان االصديق الوفي للراحل "آق سنقر"، الأمير التركماني "كَرْبُوغَا"طلب "كربوغا" من بعض مماليك "آق سنقر" المقيمين في حلب إحضار "عماد الدين زنكي" وأمه، وقال لهم: «هو ابن أخي وأنا أولى الناس بتربيته ورعايته.. فأحضروه عندي».

الخطوة دي مكنتش مجرد عاطفة أو أبوة عابرة؛ "كربوغا" فاهم بوعيه السياسي مكانة "آق سنقر" العظيمة في نفوس التركمان وولائهم المطلق له، عشان كدة قرر يضم ابنه وياخد من خلاله نفس الولاء. ومن خلال ملازمته السابقة لـ "آق سنقر" خلته يشوف عن قرب نجابة الصغير "عماد الدين" ومكانته الرفيعة بين مماليك أبيه. فلما يضمه إلى جانبه هيستعين بيه وبقوة مماليك أبوه في حروبه ضد خصومه، ويضمن في الوقت ذاته أنه يربيه تحت عينيه فيأمن شر أي منافسة أو تحرك مستقبلي ممكن يخرج من بيت "آق سنقر" ضده!

وأياً كانت أسباب "كربوغا" ودوافعه، الخطوة دي كانت طوق النجاة اللي نقلت الولد وأمه من ظلمات حلب وقسوة "تتش" إلى أحضان الموصل سنة 489 هـ / 1095م، وكان "عماد الدين زنكي" وقتها عنده 12 سنة. وبكدة تبتدي مرحلة التشكيل الحقيقي.

ربنا سبحانه وتعالى سخر للولد الصغير اللي يحضنه، ويصقل شخصيته، وينمي موهبته العسكرية المبكرة. بدأ "كربوغا" يدربه بصرامة على كل فنون الفروسية، ضرب السيوف، رمي السهام، والكر والفر، وإدارة الفرق والجيوش. الولد مكنش بيلعب، كان بيتحول لقطعة حديد صلبة بتتطرق كل يوم في ميادين التدريب.

ولما وصل سن الـ 14 من عمره، خاض "عماد الدين زنكي" أول تجربة قتال حقيقية في حياته. خرج بفرسه وسيفه تحت راية "كربوغا" في المعارك اللي كان بيقودها لإخضاع بعض الولايات الخارجة وإعادتها لحكم السلطان السلجوقي "بركياروق". كانت صدمة الواقع بتصنع منه قائد، والحديد بيكتسب حمو النار، صدق من قال المحن والمصاعب بتصنع الرجال.

وفي قلب سنوات التكوين دي، وتحديداً سنة 491 هـ / 1097م، حلت الكارثة اللي هزت العالم الإسلامي كله.. الكتل الصليبية الضخمة تحركت من أوروبا عبرت مضيق البسفور، وسيطرت على نيقية ـــ شمال غرب إقليم الأناضول في تركيا حاليا ـــ وبعدين زحفت على الشام، وحاصرت أنطاكية ـــ في أقصى جنوب تركيا حالياً ـــ حصار شديد استمر لأكثر من 9 شهور، لحد ما سقطت بسبب الخيانة الداخلية وسوء إدارة الوالي «ياغي سيان».

سقوط أنطاكية في ايد الصليبيين كان بمثابة الزلزال الأول والضربة القاصمة التي فتحت الباب المباشر للصليبيين للتغلغل في الشام، وتأسيس أول إماراتهم (إمارة الرها وإمارة أنطاكية).

السلطان «بركياروق» بعت جيش ضخم بقيادة «كربوغا» عشان يحارب الصليبيين وينقذ المنطقة، لكن المعركة انتهت بالهزيمة والقسوة. التاريخ ما سجّلش لينا بوضوح هل الفتى «عماد الدين» كان طالع في الجيش ده ولا لأ، بس الأكيد والمعلوم بالضرورة إنه عاش القضية الصليبية وتفاصيلها من أول لحظة وأول يوم.

المجالس جوه بلاط "كربوغا" وقلاع الموصل، بطبيعة الحال مكنش فيه حديث يعلو على الحديث عن الصليبيين، الخطر الداهم، أنباء المجازر، دماء المسلمين المسفوكة، والتقارير العسكرية اللي بتوصل كل يوم. "عماد الدين زنكي" كان بيسمع، ويتابع، ويتعلم، وعينيه بتخزن وجع الأمة.

وفي سنة 495 هـ / 1102م، مات الأمير "كربوغا"، وكان "عماد الدين زنكي" وقتها شاب في بداية رجولته، عنده حوالي 18 سنة. ولأن توفيق ربنا وعنايته كانت محاوطة ابن "آق سنقر"، تولى إمارة الموصل بعد كدة الأمير "شَمْسُ الدَّوْلَة جِكِرْمِش"، ومن محاسن الأقدار، إن جكرمش" هو كمان كان من أخلص وأوفى أصدقاء الأب الراحل "قسيم الدولة آق سنقر".

"عماد الدين زنكي" كبر وبقت ملامحه بتنطق رجولة وشهامة، عيونه فيها بريق القادة، وحضوره بيفرض هيبته على الكل. وفي قلب القصر، كانت العلاقة بينه وبين والي الموصل الأمير "شَمْسُ الدَّوْلَة جِكِرْمِش" بتزداد قوة وعمق كل يوم. "جكرمش" مكنش بس شايف فيه ابن صديقه القديم "آق سنقر"؛ اعتبره إبنه وحبه وحس بنجابته، وقربه منه جداً. "عماد الدين»" فضل ملازم لـ"جكرمش»"، يتعلم منه أسرار الحكم والسياسة ويدير معاه أمور الولاية لحد وفاة "جكرمش" سنة 500 هـ / 1106م.

بعد وفاة "جكرمش"، دخل الموصل والي جديد اسمه "جَاوَلِي سَقَاوْ"في الأول، كانت الأمور ماشية في هدوء وصفاء؛ "جاولي" شاف الفارس الهمام "عماد الدين زنكي" فقربه وصادقه واستعان بيه. بس الهدوء والصفاء ده ما طولش.

 في سنة 501 هـ / 1107م، "جاولي" خد قرار مجنون هز الموصل كلها، قرر ينفصل بحكم الموصل ويعلن عصيانه وتمرده على السلطان "محمد السلجوقي" اللي تولى السلطنة بعد وفاة أخوه السلطان "بركياروق". "جاولي" جهز جيشه للتمرد، وكل الأمراء والفرسان واقفين معاه إما خوف أو طمع. هنا يقف "عماد الدين زنكي" في لحظة فارقة نفس الوقفة اللي وقفها أبوه قبل كدة زمان. "عماد الدين" ولاؤه الرئيسي والشرعي للبلاط السلجوقي المتمثل في السلطان "محمد السلجوقي". أصل إزاي يرفع السيف في وش بيت السلطان اللي صَنَع أبوه زمان، والآن خيره عليه؟ وفي خطوة في منتهى الخطورة والانتحار السياسي، خطوة ممكن تكلفه رقبته ومستقبله ومنصبه في لحظة، يقرر "عماد الدين زنكي" إنه يرفض التمرد وينسحب بفرسانه فوراً من جيش "جاولي" الثائر، ويتجه مباشرة لينضم لجيش السلطان الشرعي "محمد السلجوقي".

نفس حركة أبوه "آق سنقر" بالظبط لما سحب جيشه من "تتش" وانضم للسلطان السلجوقي. نفس الشجاعة، ونفس عدم التردد، ونفس الوفاء اللي ما بيتباعش ولا بيشترى حتى لو كان الثمن حياته. لكن الله سلّم وفشلت ثورة "جاولي" وباءت بالهزيمة والنكوص، ووصلت أنباء الموقف البطولي الشريف ده لقصور السلطنة.

السلطان "محمد السلجوقي" عرف اسم القائد الوفي"عماد الدين زنكي ابن قسيم الدولة آق سنقر"، الاسم ده لمس قلب السلطان؛ ذكره بالبطل العظيم "آق سنقر" اللي كان مُحب ومقرب جداً لوالده الراحل السلطان "ملكشاه". السلطان "محمد" تكريماً لموقفه أصدر أوامره وتوصياته الخاصة برعاية "عماد الدين زنكي" وإكرامه والرفع من شأنه، وكانت اللحظة دي هي القفزة العالية اللي رفعت اسم "زنكي" في عيون كل الأمراء والقادة.

رجع "عماد الدين" من تاني للموصل اللي كانت على موعد مع نقطة تحول فارقة وهائلة في تاريخها وتاريخ "عماد الدين زنكي"، لما تولى إمرتها قائد مش عادي.. شخصية من أعظم وأطهر الشخصيات اللي مرت على تاريخ الإسلام: الأمير "مَوْدُود بن التُّونْتِكِين".

"عماد الدين" كان وقتها في ريعان شبابه وأوج حماسه، ومن كرم ربنا عليه وتوفيقه، إنه بقى من أقرب الناس لـ"مودود" وأكثرهم ملازمة ليه. "مودود" مكنش مجرد حاكم أو قائد عسكري، ده كان من أصلح الأمراء وأتقاهم لله، وأحبهم للعبادة، وأعدلهم مع الرعية، وأخلصهم في الجهاد في سبيل الله، وأشدهم رغبة وحرصاً على جمع كلمة المسلمين ووحدتهم، وأكثرهم كراهية ومحاربة للصليبيين اللي دنسوا الأرض ونهبوا الخيرات.

الفترة دي تحديداً كانت مرحلة النضج الذهبية في حياة "عماد الدين زنكي كان على طول جنب "مودود"، عايش معاه يومه، شايفه في محرابه بالليل، وفي ميدان القتال بالنهار. شرب وأتعلم منه كل حاجة، التوقير والتقدير المطلق للشريعة والدين. اتعلم منه ازاي يُبذل الوقت، والجهد، والنفس في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض. امتص منه أعلى المهارات القيادية والفنية والقتالية. تشرب منه الشجاعة الناصعة، والجرأة الميدانية، والفكر العسكري الصحيح. وفي نفس الوقت زرع "مودود»" جوه قلبه عقيدة وكراهية عارمة للصليبيين الذين استباحوا ديار المسلمين وسفكوا دماءهم.

وفي سنة 507 هـ / 1113م.. انفتحت أبواب التاريخ على مصرعيها ليشهد "عماد الدين زنكي" مع أستاذه "مودود" موقعة الصنَّبرة الخالدة ضد الجيش الصليبي بقيادة "بلدوين الأول".

غبار القتال، وصليل السيوف، وصحوة الإيمان في قلوب المسلمين. هناك، وعلى أرض المعركة، داق "عماد الدين زنكي" لأول مرة حلاوة النصر الناجز على الأعداء، وطعم العزة والكرامة اللي افتقدتها الأمة الاسلامية لسنين. وفي قلب الصنَّبرة ــ  في فلسطين وتحديداً عند الطرف الجنوبي لبحيرة طبرية ــ قدم "عماد الدين زنكي" أروع مثال في الفروسية والقتال غير مسبوق. أظهر شجاعة نادرة، ومقدرة قتالية فذة أذهلت كل الفرسان والأمراء في الميدان، حتى وصف "ابن الأثير" اللي عمله "عماد الدين زنكي" يومها بقوله: «وقد وصل في المهارة العسكرية إلى الغاية!»

الجيوش الإسلامية بفرسانها وراياتها العالية مش بس ضربت الصليبيين في الميدان، دي بقيت تجوب المنطقة كلها، تفرض حصار شديد على الصليبيين في مواقعهم، وتدك الحصون الصليبية بين عكا والقدس وتدمرها حصن حصن، واستولت على كميات ضخمة من الممتلكات والغنائم الصليبية اللي كانت تحت إيديهم. وفي نفس الوقت اللي كانت فيه جيوش "مودود" بتفرض هيمنتها المرعبة دي، يظهر تحرك جديد من مدينة عسقلان، خرج جيش عبيدي (فاطمي) واتحرك ناحية بيت المقدس. كان جيش صغير، مش طالع بهدف معركة فاصلة ولا عنده القدرة إنه يقتحم الحامية الصليبية القوية المرابضة جوه القدس، كان كل هدفه يعمل شوية مناوشات وهجمات استنزافية خاطفة في المنطقة ياخد بيها اللقطة ويرجع.

"بلدوين الأول" كان خايف وركبته بتخبط في بعضها؛ كان مرعوب إن يحصل أي تواصل أو تنسيق ميداني بين الجيش العبيدي القادم من الجنوب وبين الجيش السلجوقي القوي المظفر بقيادة "مودود" في الشمال، لو الاتنين حطوا إيديهم في إيد بعض الموقف هيتأزم والوجود الصليبي في بيت المقدس كله هيبقى في خبر كان. لكن للأسف الشديد نية التعاون مع المسلمين السنة ما كانتش واردة مطلقاً ولا مطروحة في عقل القيادة العبيدية. الجيش العبيدي اكتفى بشوية ضربات سريعة، ولمّ بعض الغنائم، ورجع جري على عسقلان من غير ما يفكر حتى يبعت رسول واحد أو يتواصل بأي شكل مع جيش "مودود" فرصة تاريخية ضاعت في الهواء بسبب الفرقة والتشرذم.

وعلى الجانب الآخر، استمر المسلمين فرض حصارهم الحديدي على جيش الصليبيين لمدة 26 يوم. الصليبيين قفلوا على نفسهم أبواب حصنهم، ومحدش فيهم جَرُؤ إنه يخرج برة السور أو يواجه المسلمين في معركة شاملة.. كانوا بيموتوا بالبطء جوه قلاعهم. وفجأة وفي شهر أغسطس سنة 1113م / جمادى الأولى 507 هـ، توصل أنباء هزت الساحل. أمام ميناء عكا القريب، رست سفن أسطول أوربي ضخم.. شايل على ظهره 16 ألف صليبي بأسلحتهم وعتادهم كاملين. العدد الضخم ده نزل على الساحل زي الجراد، وكان كفيل إنه يقلب موازين القوى العسكرية تماماً لصالح الصليبيين.

الأمير "مودود بن التونتكين" حس بالخطر الشديد نتيجة التجمع الرهيب ده. وهنا كانت عبقرية القيادة؛ "مودود" ما ممشيش ورا الحماس الأعمى، وفكر بذهن القائد الحريص على رجاله وأمته. قرر إنه ينسحب بذكاء من الطريق، مكتفياً بالنصر العظيم والتأديب القاسي اللي ألحقه بالصليبيين، ومحافظ على جيشه اللي ما فقدش في كل المعارك دي غير عدد قليل جداً من رجاله. وبالفعل تحركت الجيوش الإسلامية بمنتهى النظام والانضباط ناحية الشمال في اتجاه دمشق.

والغريب إن الجيوش الصليبية من كتر الإرهاق الشديد والهزيمة النفسية والخسائر الرهيبة اللي اتعرضوا لها في الصنَّبرة، ما تجرأتش حتى إنها تتتبع جيش "مودود" وهو ماشى. ده غير إنهم كانوا مرعوبين ومذعورين إن الجيش العبيدي يستغل خروجهم فيعمل هجوم أكبر وأقوى على القدس. وبكدة دخلت الجيوش الإسلامية براياتها المنتصرة دمشق، ودخلوا حاراتها وشوارعها العريقة في مظاهرة عز وفخر في شهر ربيع الآخر سنة 507 هـ  / سبتمبر 1113م.

يوم الجمعة 28 ربيع الأول سنة 507 هـ / 12 سبتمبر 1113م. الشمس ساطعة فوق المسجد الأموي العريق، والأجواء هادئة بعد الانتصار العظيم في الصنَّبرة. الأمير "مودود بن التونتكين" طالع من باب المسجد بعد ما أدى صلاة الجمعة وصلى النوافل. كان ماشي بثوبه البسيط، ويده في يد "طغتكين" حاكم دمشق، وحواليهم الحراس والناس بتنادي بالتعظيم والدعاء للمجاهد الكبير. وفي لحظة خاطفة، ومن وسط الزحمة، خرج شخص متنكر في شكل متسول، يقرب ببطء. وفجأة يمسك بملابس الأمير "مودود"، ويطلع خنجر مسموم كان مخبيه في هدومه، ويطعنه غدر أربع طعنات نافذة تحت السرة وفي الخصر.

ولما الصراخ ملا صحن الجامع، والحراس هجموا على القاتل وانهالوا عليه بالضرب لحد ما مات في إيديهم في الحال، فتشوا هدومه عشان يعرفوا هو مين، فلقوا رسالة مميزة في جيبه كشفت إنه انتحاري ينتمي لطائفة الحشاشين. والجريمة البشعة دي مكنش حادث عشوائي بالمرة، كان نتيجة تقاطع مصالح خبيثة وأسباب استراتيجية وسياسية حاسمة؛ فـ"مودود" كان أول قائد سلجوقي ينجح في جمع كلمة أمراء الشام والجزيرة وتشكيل جبهة إسلامية موحدة هزمت الصليبيين في الصنَّبرة، وده اللي كان بيرعب الحشاشين اللي قامت أجندتهم على إبقاء الأمة متشرذمة عشان يضمنوا نفوذهم الخفي، ده غير عداءهم العقائدي المباشر للقيادات السلجوقية. يضاف لده المكايد السياسية وشبهة التنسيق الداخلي اللي أشار ليها المؤرخين، وعلى رأسهم "ابن الأثير"عن تخوف "طغتكين" حاكم دمشق من شعبية "مودود" الجارفة بعد النصر وخوفه على كرسيه، وده خلق بيئة خصبة لتسهيل الجريمة. وأخيراً تقاطع المصالح مع الصليبيين؛ لأن وجود دولة إسلامية قوية كان هيقضي على معاقل الحشاشين السرية. وكان ده الدرس القاسي اللي انحفر في عقل "عماد الدين زنكي"، إن تطهير الجبهة الداخلية وتأمين ظهر الأمة هو الشرط الأول والأهم قبل مواجهة العدو الخارجي. 

أما "مودود"، رغم الدماء اللي بتنزف منه، مسك نفسه ومشي بثبات كأنه بيهدي الناس المرعوبة لحد ما وصل للباب الشمالي وانهار جسمه.

الحراس شالوه بسرعة على قصر "طغتكين"، والأطباء حوليه في حالة ذهول وتوتر. "مودود" كان صايم في اليوم ده. الأطباء والأمراء حواليه بيترجوه عشان يشرب شوية مية أو يفطر عشان يعرفوا يسعفوه، لكنه رد بلسان الواثق بالله والزاهد في الدنيا وقال: «لا لقيتُ اللهَ إلا صائماً!». ورفض تماماً إنه يفطر، وفضل متمسك بصيامه لحد ما فاضت روحه الطاهرة للبارئ بعدها بساعات قليلة.

أمام جثمان "مودود" المضرخ بدمائه الشريفة، واقف "عماد الدين زنكي" بكبرياء أليم لحجم التضحية، ويعلم تماماً أن الدماء دي مش هتضيع هباء، وأن الشجرة التي غرسها الأب "آق سنقر" وسقاها الأستاذ "مودود" ستثمر فتح ونظافة للأرض المقدسة.

من "آق سنقر" إلى «"كربوغا" و"جكرمش"، ومن "مودود" إلى "عماد الدين زنكي"، ومنه إلى "نور الدين محمود". لم تكن مجرد أسماء في كتب التاريخ، بل كانت سلسلة ذهبية نورانية من الوفاء والجهاد والتربية، سلم فيها الأبطال شعلة النصر بدمائهم وأرواحهم حتى أشرقت شمس العزة على الأمة من جديد.

​(يتبع)
مروة طلعت
17/8/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ
#مُمَهِّدُ_النصر #نور_الدين_محمود_زنكي
المصادر:
الكامل في التاريخ جـ 9— ابن الأثير، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2012م.
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم جـ 17–18— ابن الجوزي، تحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ/1992م.
البداية والنهاية جـ 12— ابن كثير، مراجعة عبد القادر الأرناؤوط وبشار عواد معروف، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة السادسة 2021م.
الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل — ابن الأثير، تحقيق عبد القادر أحمد طليمات، دار الكتب الحديثة بالقاهرة ومكتبة المثنى ببغداد، 1963م.
الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية جـ 1–جـ 3— أبو شامة المقدسي، تحقيق إبراهيم الزيبق، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1418هـ/1997م.
تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام — د. محمد سهيل طقوش، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثانية، 2010م.
ذيل تاريخ دمشق — ابن القلانسي، تحقيق H. F. Amedroz، بيروت، 1908م.
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان جـ 20–21— سبط ابن الجوزي، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الرسالة العالمية، دمشق، الطبعة الأولى، 1434هـ/2013م.
زبدة الحلب من تاريخ حلب — ابن العديم، وضع حواشيه خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ/1996م.
تاريخ مدينة دمشق — ابن عساكر، تحقيق عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان جـ 5— ابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1978م.
تاريخ الأتابكة في الموصل والشام — د. السيد الباز العريني.
القائد المجاهد نور الدين محمود زنكي: شخصيته وعصره — د. علي محمد الصلابي.
نور الدين محمود وتجربته الإسلامية — د. عماد الدين خليل.
العبير الشذي في سيرة الملك العادل نور الدين زنكي — محمود أحمد الزويد.
عماد الدين زنكي شخصيته وعصره ــــ د. على محمد الصلابي.
قصة الحروب الصليبية من البداية الى عهد عماد الدين زنكي ــــ د. راغب السرجاني.
الحلقة الأولى
https://www.facebook.com/share/p/19V5QyVeHN/
الحلقة الثانية 
https://www.facebook.com/share/p/192zWUa
EuJ/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أحمد بن طولون 29

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5