أحمد بن طولون 31

 (31) خطوات خطيب الجامع على خشب المنبر في الجامع الجديد بالقطائع (جامع أحمد بن طولون)، لها صدى بيتردد بين العقود المدببة والشبابيك الجصية المفرغة. الناس كتفها في كتف بعض تحت السقف الخشبي المهيب، والهدوء سايد الصحن الواسع، ومفيش غير صوت حفيف الهوا اللي جاي من جبل يشكر وصوت أنفاس متلاحقة.

الخطيب طلع المنبر في قلب التحفة المعمارية اللي بتنطق بعظمة الأمير. وشه مشدود وعينيه بتلف على بحر الرؤوس، مسك عصايته الخشب وبدأ الخطبة. الكل قرأ وثيقة الأمير اللي عزل فيها "الموفق" عن ولاية عهد الخليفة، وعشان كدة صلاة الجمعة المرة دي كانت مختلفة، مشحونة بالتوتر والترقب، الكل مستني اللحظة اللي اللعب فيها هيبقى على المكشوف في جامع الدولة الرسمي نفسه. وهي اللحظة التاريخية الفارقة التي نتوقف عندها بشغف في منصة "عايمة في بحر الكتب".

لما وصل الخطيب للدعاء، نبرة صوته اتمطت وبقت حادة زي حد السيف، هز أركان الجامع الطولوني وهو بيمد إيده للسما وبيقول بصوت جهوري مسمع لأخر الميدان برة: "اللهم أصلح أمير المؤمنين، المعتمد على الله.. اللهم استنقذه ممن أسره، وجار عليه، وقصده".

في الثواني دي، الجامع كله النفس فيه اتكتم. الكلمات نزلت من فوق منبر ابن طولون زي قذائف نار تطعن بغداد في كبريائها. الناس بتبص لبعضها بطرف عينيها والهمهمات بدأت تعلى.. الكل فاهم الشفرة والتلقيح الرسمي على "الموفق". الخطيب كمل بنبرة أسرع وقال: "اللهم وأصلح ولي عهده المفوض إلى الله. واحفظ لنا الأمير السعيد، العادل، أحمد بن طولون". وهنا.. انطلقت "آمين" كزئير طالع من حلاقيم آلاف المصلين تحت مآذنة الجامع الملوية، أعلنوا بيها إن مصر والشام قطعوا خط الرجعة مع "الموفق"، والصراع بدأ علني ورسمي من قلب جامع الأمير "أحمد بن طولون".

"ابن طولون" صنع الأزمة ومشاها زي السكينة في حلاوة، والشرعية بقت في جيبه، فقرر ياخد اللقطة التانية يكسر بيها هيبة "الموفق" في أهم حتة في العالم الإسلامي، مكة المكرمة وفي وقت موسم الحج. بعت "أحمد بن طولون" من الشام، رسالة على جناح السرعة لابنه "أبو الجيش خمارويه"، نائبه في مصر، وأمره يجهز جيش ضخم، ويبعث قائد ماهر قوي، يروح مكة يمنع الدعاء لـ"الموفق" تماماً، على منابر مكة، وفي الموقف وعلى جبل عرفات ذات نفسه. يعني فضيحة واذلال على عينك يا تاجر قدام المسلمين كلهم.

التصرف ده في عُرف السياسة مكنش مجرد حركة عناد، ده كان حرب عقول وتكسير عظام على أعلى مستوى، ومغطى بكارت الشرعية. "ابن طولون" مخرجش عن طاعة الخلافة، الدعاء للخليفة الشرعي "المعتمد بالله" وابنه ولي عهده "المفوض إلى الله" فضل شغال وبيهز المآذن، لكن المنع كان لـ"الموفق"، الأمير المستبد اللي حابس الخليفة ومسيطر على بغداد بالقوة. "ابن طولون" كان معاه رسائل استنجاد من "المعتمد" نفسه، فكان شايف إن منع الدعاء لـ"الموفق" هو عقاب سياسي شرعي لشخص مغتصب سلطة. والذكاء هنا، إن الأمير لقط إن منبر مكة وجبل عرفات في موسم الحج هما أكبر منصة إعلامية في العالم الإسلامي كله؛ لما الحجاج يرجعوا بلادهم من المشرق للمغرب والحكاية على لسانهم إن "الموفق" اتمنع من الدعاء في أطهر بقاع الأرض، يبقى برستيج بغداد اتهد في الشارع، والأمير الطولوني كسب معركة الوعي والشرعية بالضربة القاضية. وكما توضح الباحثة مروة طلعت في قراءتها للمشهد، فإن ابن طولون نقل المعركة من الصراع العسكري المحلي إلى حرب القوة الناعمة والرمزية الدينية أمام الأمة بأسرها.

"خمارويه" نفذ الأمر، وطلع جيش مصري تقيل بيقوده اتنين من القادة الكبار "الغنوي" و"ابن السراج". الجيش وصل مكة ومعاهم فلوس كتيرة عشان يظبطوا الليلة. وبدأوا يوزعوا الفلوس دي على حارة "الجزارين" وحارة "الحناطين" في مكة؛ عشان يشتروا ولاءهم ويخلوهم يعاونوا الجيش المصري لو حصلت في الامور امور. بس "الموفق" مكنش نايم على ودانه، "الموفق" بعت من العراق جيش مع الحُجاج تحت قيادة راجل عسكري غشيم اسمه "جعفر بن الناعمودي". "هارون بن محمد" والي مكة، لقى إن كفة العراق أرجح، فضم أهل مكة لجيش العراق، ودارت خناقة شوارع وعلقة عسكرية مأساوية فوق أرض مكة الطاهرة. تحول العناد السياسي لمعركة مسلحة وسالت دماء المسلمين وجنود الطرفين أمام الكعبة المشرفة.

النتيجة كانت صدمة وكسرة شديدة للجيش المصري؛ جيش ابن "الناعمودي" طحن جيش "ابن طولون"، وقتل منهم 200 جندي، والباقيين هربوا واستسلموا. "جعفر بن الناعمودي" حط إيده على الغنائم وأخد من قادة "ابن طولون" 200 ألف دينار (دلوقتي 850 كيلوجرام من الذهب الصافي)، ومش بس كدة، ده فتش الجزارين والحناطين وأخد منهم الفلوس الطولونية اللي كانوا لسة قابضينها. بس للأمانة، "جعفر" طلع ذكي، ساب عامة الناس وتجار مكة في حالهم ومقربش لأموالهم عشان ميعملش ثورة ضد بغداد. واتقلب السحر على الساحر، اللي كان عاوز يعمله "ابن طولون" في "الموفق"، اتعمل فيه. اتكتبت وثيقة رسمية واتقرت في المسجد الحرام بمكة، وثيقة كلها لعن صريح على "أحمد بن طولون" قدام الداني والقاصي.

الحادثة دي ززلزلت العالم الإسلامي وقتها، والناس والمؤرخين أدانوا الطرفين "ابن طولون" و"الموفق"، واعتبروا إنهم انتهكوا حرمة بيت ربنا وعكروا حج المسلمين عشان صراع على السلطة والكرسي.

الجيش الطولوني رجع مصر يجر أذيال الخيبة، وفي السكة، القائد "ابن السراج" من غضبه ووجع الهزيمة، فلتت منه كلمات فيها لوم وتقصير، كلام ميعجبش الأمير. وطبعاً أصحاب الأخبار (عصافير وعيون ابن طولون) كتبوا كل كلمة وحرف قاله "ابن السراج"، وبعتوها للأمير في رسالة. "ابن طولون" وهو في قمة غضبه من هزيمة مكة وفضيحته على المنابر، أنكر كلام "ابن السراج" جداً، وأول ما "ابن السراج" حط رجله في مصر، لقى عساكر القصر محاوطاه، وبيقبضوا عليه بأمر الأمير "أحمد بن طولون" وأخدوه سجين في سجن المُطبق الرهيب.

توصل الأخبار لبغداد، "الموفق" عرف باللي عمله "ابن طولون" في مساجد مصر من إسقاط اسمه وترك الدعاء له والتلقيح عليه. "الموفق" دمّه فار، وقرر يرد الصاع صاعين وبنفس السلاح؛ أصدر أمر سلطاني بلعن "أحمد بن طولون" على المنابر، وخرج منشور رسمي باللعن، والمنشور لف وسافر كل البلاد والولايات التابعة للخلافة العباسية شرقاً وغرباً، وقال فيه:

"إن الله عز وجل قرن بطاعته طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وطاعة أولي الأمر، انتخبهم لإعزاز دينه، وإقامة معالمه، فقال جل من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} فإن عدو الله المباين لجماعة المسلمين، المعروف بأحمد بن طولون، أظهر ما كان منه من معصية وشقاق، فيما بين أقاصي المغرب إلى أكناف العراق، ومرق من الدين، وخالف أمير المؤمنين، وأخرب ثغور المسلمين، وقاتل فيها المجاهدين، بأهل الفسق الملحدين، واستباح حريمهم، وسفك دماءهم، فلما تبين أمير المؤمنين أمره، وعرف كفره، تبرأ منه إلى الله عز وجل، ولعنه لعناً ظاهراً وأمر بلعنه ليلحقه ذلك من خواص الأولياء وعوام الرعية، اللهم فالعنه لعناً يفلُّ حدَّه، ويقل جنده، ويتعس جَده، واجعله مثلاً للغابرين، إنك لا تصلح عمل المفسدين، يارب العالمين".

"ابن طولون" لما عرف إن "الموفق" لعنه على منابر بغداد وكل منابر البلاد الاسلامية العباسية، قرر يرد الضربة في حتة توجع وتكلف العباسيين هيبتهم. مصانع النسيج الملكية في مصر (الطُّرز) كان عندهم تقليد رسمي، أنهم بيغزلوا اسم الخليفة "المعتمد" وأسماء أولياء عهده "المفوض" و"الموفق" بماء الذهب على أكمام الهدوم الملكية والخلع السلطانية. "ابن طولون" ساعتها طلع أمر إن أي توب أو قماش اتكتب عليه اسم "الموفق" قبل كدة يترمي أو يتمحي فوراً، ومفيش خيط واحد يتغزل فيه اسمه بعد النهاردة. الأمر ده عمل حالة من الإرباك والانهيار لصناعة الملابس، المصانع اضطرت تعدم الالاف من الملابس، خصوصاً ان المصانع دي كانت بتصدر لكل الدول اللي تحت الخلافة العباسية، فالتجار وقعوا في خسارة فظيعة. حتى الناس اللي اشترت وعندها ملابس عليه اسم "الموفق" لقت نفسها في مشقة رهيبة، اللي عنده توب غالي ومكتب عليه الاسم، بقى لازم يقعد ينقضه خيط خيط ويفكه عشان ميتفهمش إنه ضد الأمير. البلد كلها اتقلب ورش تنسيل قماش بسبب العناد السياسي. وهنا نرى في "عايمة في بحر الكتب" كيف تحولت رقعة الثياب إلى ميدان حرب سياسية طاحنة طالت حتى التفاصيل اليومية للعامة.

وفي وسط خناقة القماش دي، وصل لـ "ابن طولون" أخبار قلقته وهزت ثقته في نفسه. "الموفق" قرب يقبض على "علي بن محمد" (قائد ثورة الزنج المرعبة في البصرة) في أواخر سنة 269 هجرية / 883 ميلادية. الخبر ده كان خطير، لأن "الموفق" لو خلص من ثورة الزنج اللي كانت مكلبشاه ليل نهار، هيفضى لمصر ويجي بجيشه كله يكتسح العرش الطولوني.

ويجي دور الحظ الطولوني يخدم الخطة، "الموفق" كان جواه غصة وندم، هو أصلاً مكنش كاره لـ"ابن طولون" لشخصه، الراجل كان بيعز "ابن طولون" وعارف فضله ومحله التقيل. "الموفق" في الحقيقة كان منبهر بـ"ابن طولون" ومعجب بيه جداً، وكان بيتأسف ليل نهار في سره ويقول يا ريت الراجل ده كان معايا وليا، مش مع أخويا "المعتمد" وضدي. كل الحكاية كانت غيرة سياسية مش أكتر. العلاقة بين "الموفق" و "ابن طولون" كانت حرفياً نفس علاقة توم وجيري.

وعشان "الموفق" يستشف باطن الخاين "لؤلؤ" ويشوف معدنه، قعد معاه وقاله باختبار ذكي: "تخرج يا لؤلؤ بجيش عشان تقاتل مولاك ابن طولون؟". "لؤلؤ" اللي جواه طبع النقص والخسة سقط في الاختبار؛ رد بسرعة ومن غير تفكير ووافق وبحماس. الحركة دي سقطت "لؤلؤ" من عين "الموفق" تماماً وصغرته؛ لأن الحاكم الحقيقي بيكره الخاين حتى لو خان لحسابه، و"الموفق" حس إن "لؤلؤ" ملوش أمان وناكر للجميل. بس "الموفق" كمل الملعوب؛ أمر بكتابة كشف بأسماء جيش ضخم قوامه 100 ألف فارس وراجل عشان يخرجوا مع "لؤلؤ" لمحاربة "ابن طولون". لكن من ورا "لؤلؤ"، "الموفق" غمز للكُتّاب بتوعه في السر وقالهم: ماطلوا في الإجراءات، وعطلوا الورق.

"لؤلؤ" الخاين عميت عينه ومفهمش الملعوب، وافتكر إن الموضوع جد؛ راح جدد عدته، واشترى خيل ودواب جديدة، وشمر دراعاته، مستني إشارة البدء عشان يحارب سيده ومولاه، وهو فاكر أنه كده بيكسب بونط عند "الموفق"، والحقيقة أن "الموفق" قاعد بيتفرج عليه ويتحسر على قبح عمله وقصر نظره اللي "لؤلؤ" نفسه مش واخد باله منه. "الموفق" مكنش راجل ساذج، كان قاري دبابيب الأرض وعارف إن السياسة ملهاش أمان، بس غل "لؤلؤ" وسُعاره فاجأوه، صدموه في كبريائه كقائد. الفرحة اللي رقصت في قلب "الموفق" أول ما "لؤلؤ" انشق بجنوده وجاله بغداد، اتقلبت في ثواني لغم ونكد كتموا على نفسه. "الموفق" وهو بيتأمل كلام "لؤلؤ"، شاف في عيونه سواد مخيف وغدر ملوش آخر؛ لقط بذكائه إن الراجل ده مش جاي يحارب عشان مصلحة الخلافة، ده جاي يحرق الأخضر واليابس عشان غل شخصي وتار بايت مع "ابن طولون". وهنا اشتغل عقل رجل الدولة جوة "الموفق"، القائد الحقيقي مبيسبش تابعه يجرجره لمعركة أعمى فيها الانتقام، واللي يبيع ولي نعمته بالشكل ده، ممكن يبيعه في أول منعطف. في اللحظة دي، كبرياء "الموفق" وقراءته للمشهد قالوا له فرمل، وقرر يوقف إنفاذ الجيش فوراً، لأن الحرب اللي بيسوقها الغل والجنون بالتار، آخرتها خسارة مروعة.

"الموفق" جمع كاتب سره الداهية "صاعد بن مخلد" وجماعة من خواصه، وأمرهم يكتبوا رسايل سرية باسمهم هما لـ"أحمد بن طولون"، لحفظ ماء وجه "الموفق" في حالة لو "ابن طولون" رفضها. رسايل عتاب دبلوماسي على تسرعه في خلع "الموفق" وإسقاط اسمه. كتبوا له وقالوا: "انه انما كان يجب ان تفعل ذلك لو رأيت بالخليفة حادثا، فأما ولم يجر الا منع امير المؤمنين من فعل شئ آثره، لو بلغه لعاد عليه وعلى مملكته ضرر، فذلك غير منكر يوجب ما تسرعت اليه، لانه ليس قادحا في يمين، ولا مخرجا عن بيعة، ولا عادلا عن طاعة، وانت تعلم ان خواص الملوك يردون امرهم في كثير مما يحبونه احتياطا لهم وعليهم، ولا يخرجون به عن طاعة، ولا يحنثون في بيعة، وانه قد كان يجب عليك ان صون نفسك عن سوء الظن بنا، في اننا نستجيز ان نحدث في امير المؤمنين حادثة، نبرأ الى الله الكريم منها".

وعشان يرموا بياضهم ويهدوا اللعب، "صاعد بن مخلد" وخواص "الموفق" حلفوا في الجواب يمين مغلظ بالنيابة عن "الموفق" وقالوا: "ويحلفون ان اللعن الذي خرج عن غير ارادة مني ولا محبة ولا اختيار، واني لكاره لما جرى من ذلك ويشيرون عليه بأن يكاتبني بما يزيل به ما قد وقع بيننا وبينه". وطبعاً دي كانت رمية سياسية عشان يرجعوا خطوة لورا مع حاكم مصر التقيل. وأشاروا على "ابن طولون" في الرسايل وقالوا: "ان الاحسن بك والاجمل، لما خصك الله به من الفضل، والمحل الجليل، والمروءة المقرونة بالدين، ان تكتب اليه تذكر فيه ما انت مؤثر له من طاعته، وما توجبه من حقه ورعايته، وما يشاكل ذلك مما انت بجميل فعلك ووافر تحصيلك، اهدى اليه ان شاء الله".

وعشان الحبكة تكمل والرسايل تلين عقل "ابن طولون"، "صاعد بن مخلد" ملى الرسايل بكمية كلام حلو، واستعطاف وملاينة مفيش بعد كدة، تخليه غصب عنه يوافق ويهدي اللعب. وانطلقت الرُسل بالرسايل دي في طريقها لمصر. سبحان مغير الأحوال، المشهد اتقلب إزاي؛ "الموفق" اللي فضل سنييين يعادي في "ابن طولون" وكان بينهم ما صنع الحداد، دلوقتي بيبعت جوابات مبطنة بالندم والاستعطاف، و"لؤلؤ" الخاين لبس في الحيط وجيشه طلع فالصو.

وصلت الرسايل للقطائع، ودخلت الرسل على "أحمد بن طولون". الأمير قعد يقرا جوابات "صاعد بن مخلد" وخواص "الموفق"، وعينه بتلمع بذكاء؛ هو فهم اللعبة على طول، الكُتّاب دول مكنوش يجرأوا يكتبوا حرف واحد من ورا ظهر "الموفق"، وإن كل الاستعطاف والملاينة دي طالعة بأمر مباشر من "الموفق" نفسه بعد ما خاف من عواقب الحرب ما بينهم. "ابن طولون" بعد ما خلص قرءة الرسايل ابتسم ملئ فمه، الموضوع عجبه جداً وراضى غرور القائد جواه، وحس إنه كسب بُونط سياسي وتقيل، فرد على جماعتهم كلهم برسايل سرية زي ما جت له سرية، بس رد بدبلوماسية وبكبرياء أمير مبيخافش، قالهم: "ان الموفق احد مواليه (واحد من موالي الخليفة) وانه انما انحرف عنه لحصره الخليفة، واسره اياه، وانه لو خلاه مع اختياره، وازال عنه الموانع التي الزمه اياها، ولم يحل بينه وبين امره ونهيه، وامتثل امره على رسمه كان، ولم ينحرف عن طاعته، ولا عدل عن محبته وارادته، لكان كبعض خدمه، وان جميع ما في يده من مال عمله محفوظ للخليفة، وان اقام على ما هو عليه من حصره اياه في يده وتوكيله به، حاربت عنه ولو لم يبق معي احد، فاني ارجو ان ارزق الشهادة على حسن الطاعة".

طار الجواب السري لبغداد، ودخل "صاعد" بالرسالة على "الموفق". "الموفق" قعد يقرا، وهنا تظهر عظمة الملوك؛ "الموفق" مكنش حاكم غشيم، ده كان قائد عاقل، واثق من نفسه، ذكي الروح وحسن المعرفة. بدل ما يتعصب من تهديد "ابن طولون"، انبسط من باطن الكلام واللي بين السطور، واستحسن فعله وعناده. "الموفق" قال لنفسه: الراجل ده مش متمرد عشان طمعان في ملك، ده راجل عنده إرادة قوية في الطاعة، ونيته صحيحة في موالاتنا، بس هو مخلص في بيعته لأخويا "المعتمد". وهذا التحليل النفسي الدقيق لرجالات الدولة، هو ما تعكف الكاتبة مروة طلعت على تبيانه في رصدها لملامح الصراع العباسي الطولوني.

في اللحظة دي، الغل اللي في قلب "الموفق" ناحية "ابن طولون" داب، وقلبه مال ليه تماماً، وأيقن وتأكد إن "ابن طولون" مستحيل يتخلى عن قضية الخليفة "المعتمد" أو يسيب حقه. وتثميناً لكبرياء "ابن طولون" وقوة إيده وفضله اللي كبر في عين "الموفق"، قرر يغير في سياسة بغداد لجل خاطر أمير مصر. "الموفق" نزل من برجه العاجي ونفذ كل اللي "ابن طولون" طلبه في رسايله السرية. أمر فوراً بفك الحصار عن الخليفة "المعتمد"، ونقله لقصره الملكي معزز مكرم، ونفذ كل حاجة طلبها واللي يحبه، وشال كل الحراس والموكلين بالتشديد عليه، ولغى تماماً خطة التضييق على الخليفة اللي كان عازم عليها. وراح بنفسه لأخوه الخليفة "المعتمد"، يتأسفله ويراضيه وقاله: أنا مكنتش حابب موضوع لعن "ابن طولون" على المنابر، وأنا نادم أشد الندم على كل اللي جرى في حقك وحقه. وشكر "الموفق" أخوه على حسن محافظته على هيبة الخلافة، وسأله يكتب رسالة لـ"ابن طولون" عشان النفوس تصفى تماماً والصلح يكمل.

تخيل فرحة الخليفة "المعتمد" وهو شايف كبرياء أخوه "الموفق" بيتكسر قدام صمود "ابن طولون" الوفي في مصر. "المعتمد" كان سعيد جداً، وجاب الورقة والقلم، ومن شدة فرحته كتب رسالة لـ"أحمد بن طولون" بخط إيده هو شخصياً، جواب مليان مشاعر شكر وامتنان، قاله فيه: أنا بشكرك من كل قلبي على موقفك ومحافظتك عليا، موقفك ده هو اللي رجع لي أمري زي ما بحب وأكتر. وبطلب منك كأخ وصديق، إنك ترجع عما أنت عليه ناحية "الموفق"، وترد الدعاء لـ"أبو أحمد الموفق" على منابر مصر والشام، وترجع تكتب اسمه بماء الذهب على الطُّرز وقماش الخُلع زي زمان، وعفا الله عما سلف عشان الحال يستقيم. "الموفق" كمان جاب ورقة وكتب بخط إيده براءة رسمية بإسقاط اللعن عن "أحمد بن طولون" وتثبيته في ولايته بكامل الإعزاز.

حطوا الرسالتين في يد "الحسن بن عطاف"، وأمروه بالانطلاق بأقصى سرعة، يطوي الأرض طياً من بغداد لمصر، عشان يزف بشرى الصلح الكبير وانتصار الإرادة الطولونية.

في نفس اليوم فوجئ "الموفق" بـ"لؤلؤ" داخل عليه يصوت ويلطم ويبكي بحرقة، ومن وسط صويته فهم "الموفق" أن "أحمد بن طولون" أخد نساء "لؤلؤ" وأولاده وكل أهله وقرايبه، وباعهم في سوق الرقيق بمصر، وكمان حجز على كل أملاكه، وقبض على كل اللي في داره. الخبر ده دمر اللي باقي من عقل واتزان "لؤلؤ"، وهدّ حيله تماماً. بكى بين إيدين "الموفق" بدموع الذل، وركع على ركبه يقبّل الأرض تحت رجليه، وقعد يستعطف الموفق ويترجاه ينفّذ خطة الجيوش اللي كان عازم عليها، ووعده إنه هيكون أخلص وأجود واحد في طاعته، وهيقلب لك مصر كلها ويردهاله. وعشان يشحن "الموفق" أكتر، "لؤلؤ" فضل يشتم ويقبح في سيده القديم "أحمد بن طولون"، وقعد يلقّح عليه كلام، ومسابش كلمة وحشة ولا تهمة إلا ورماها في حق الأمير عشان يغري "الموفق" ويوغِر ويُوحش قلبه عليه، ما هو فاهم بقى أن "الموفق" لسه بيلعن في "ابن طولون"، معندوش علم بالصلح اللي جرى تحت الترابيزة. فضل "لؤلؤ" يزن ويشحن فيه، لحد ما تظاهر "الموفق" إنه اتقنع.

وهنا تظهر العقلية العباسية الميكافيلية في أبهى صورها. "الموفق" قعد يتفرج على أوجاع "لؤلؤ" وهو بيبكي ويشتم في سيده، وجواه كمية قرف واشمئزاز منه ملوش مثيل. "الموفق" كان شايف إن لؤلؤ ده راجل باغٍ، أصله دنيء، وفعله رديء، لأن اللي يبيع سيده اللي رباه وأحسن إليه وكبّره، مستحيل يكون ليه أمان، واللي عمله فيه "ابن طولون" ده حقه وأقل واجب. بس "الموفق" حب يلعب بـ"لؤلؤ" وبمشاعره شوية، كنوع من أنواع العقاب النفسي برده. تظاهر إنه مصدقه ومتعاطف معاه؛ وعده بإنفاذ الجيوش فوراً، وخلع عليه خِلعة سلطانية شيك جداً، وركّبه على دابة من دَوابه الملكية الفخمة، وطلع أمر الكُتّاب انهم يجرّدوا الجيوش ويكتبوا الأسامي عشان تطلع مع لؤلؤ. لكن الحقيقة كل الهيصة والخلع والدواب دي ما كانت الا سخرية تمثيلية كوميديا سوداء في "لؤلؤ". وكما ننشر لكم دائماً في منصة "عايمة في بحر الكتب"، فإن كواليس السياسة تخفي من السخرية المرة ما لا تقوله كتب التاريخ الرسمية.

"الموفق" كان سايبه يهيص ويعمل ما بداله، يشتري خيل ويجهّز نفسه، بس عشان يكسب وقت لحد ما يرجع الرسول "الحسن بن عطاف" برسالة الصلح من "أحمد بن طولون". الموفق كان مرتب أن أول ما تيجي رسالة "ابن طولون"، هيقبض على "لؤلؤ" على طول، ويوكّل بيه الحراس، ويرجعه مكلبش ومجرور من رقبته لـ"أحمد بن طولون" في مصر، كهدية صلح عربون محبة ورضا للأمير الطولوني.

في سنة 270 هـ / 884 م، "الحسن بن عطاف" فضل يجري بخيله، لحد ما وصل لمدينة "الرقة" في الشام. عسكر فيها وريح هناك، وفجأة سمع الاخبار اللي نزلت عليه زي الصاعقة وقفت دمه في عروقه: "أحمد بن طولون مات!".

الرسول وقف مذهول، يبص للجوابات اللي في إيده.. الجوابات اللي فيها الصلح والدعاء والخلع والطرز، والراجل اللي اتعملت علشانه الليلة دي كلها خلاص فارق الدنيا، وساب وراه عاصفة سياسية هيلعب كواليسها ابنه "خمارويه". لف "الحسن بن عطاف" لجام خيله، ورجع يجر أذيال الحزن والصدمة راجع للخليفة في بغداد، يبلغه أن "أحمد بن طولون" مات في الخمسين من عمره في عز مجده وجبروته وعظمته وسطوته، مات فجأة بمرض طارئ عشان يقفل صفحة واحد من أعظم ثعالب وملوك مصر في صمت تام. وسبحان الحي الدايم.

(يتبع)

مروة طلعت
12/6/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أحمد بن طولون 29

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5