المشاركات

مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 2

صورة
(2)  الشوارع اللي كانت زمان بتصرخ من الخوف والفقر، دبت فيها الحياة من تاني. القوافل داخلة طالعة من البوابات الكبيرة، التجار جايين من كل بلاد الدنيا محملين بضائعهم وهم مطمنين، وصوت حركة البيع والشراء في الأسواق عامل زيكورد جميل بيهز حيطان المدينة. "قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْ سُنْقُرْ"  بقى السيرة الحلوة اللي بتتردد في كل بيت وحارة، مش بس في حلب، ده في الشام كلها وبلاد المسلمين. الناس كانت بتتكلم عنه بحب وشغف عجيب، كأنه بطل من أساطير ألف ليلة وليلة، بس بطل حقيقي وعادل. المؤرخين شهدوا في حق "آق سنقر"، يعني مثلاً "ابن القلانسي" في كتابه "ذيل تاريخ دمشق" قال: " وأحسن فيهم السيرة، وبسط العدل في أهليها، وحمى السابلة (الطريق المسلوك) للمترددين فيها، وأقام الهيبة، وأنصف الرعية، وتتبع المفسدين فأبادهم، وقصد أهل الشر فأبعدهم، وحصل له بذلك من الصيت، وحسن الذكر، وتضاعف الثناء والشكر، فعمرت السابلة للمترددين من السفار، وزاد ارتفاع البلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات والأقطار".  وييجي "ابن الأثير" يؤكد على نفس المعنى، ويقول:  "وكان قسي...

مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 1

صورة
(1)  الموصل، فجر الأحد 17 شوال 511 هـ / 10 فبراير 1118 م. سكونٌ يلف أزقة المدينة القريبة من نهر دجلة، هدوءٌ يسبق شروق الشمس، ينكسر بصراخ مولود يدخل العالم في أكثر أوقاته اضطراباً. في البيوت البسيطة والمباني العتيقة، كان الكل لسه نايم أو بيستعد لصلاة الفجر، إلا البيت ده الحركة فيه ما وقفتش طول الليل. القوابل داخلين طالعين، والهمس شغال، لحد ما الصوت الصغير ده شق الهدوء وحسم الأمر. بره الأوضة، كان واقف شاب في الثلاثينيات من عمره، أسمر، أسود الشعر واللحية، حاد الملامح، عينيه واسعة وثاقبة فيهم شدة ويقظة، وكان وشه جاد رسمته سنين الخدمة العسكرية في أروقة الدولة السلجوقية، نادر ما تشوف على وشه الابتسامة. طويل القامة، قوي البنية، مفتول العضلات، له هيئة هيبة ووقار. أول ما سمع صوت المولود، فتح الباب بالراحه، ودخل بخطوات ثقيلة وموزونة وقرب من الفراش. شال المولود الصغير بين يديه. أيد اتعودت تشيل السيف وتحكم لجام الخيل، دلوقتي شايلة حتة منه صغيرة ملفوفة في القماش. رفع المولود قريب من صدره، تأمل في وشه الأسمر الصغير، كأنه بيدور في الملامح الصغيرة دي عن امتداد لدمه ولحمه، عن سند لأخوه الكبير "سيف...

أحمد بن طولون 31

صورة
 (31) خطوات خطيب الجامع على خشب المنبر في الجامع الجديد بالقطائع (جامع أحمد بن طولون)، لها صدى بيتردد بين العقود المدببة والشبابيك الجصية المفرغة. الناس كتفها في كتف بعض تحت السقف الخشبي المهيب، والهدوء سايد الصحن الواسع، ومفيش غير صوت حفيف الهوا اللي جاي من جبل يشكر وصوت أنفاس متلاحقة. الخطيب طلع المنبر في قلب التحفة المعمارية اللي بتنطق بعظمة الأمير. وشه مشدود وعينيه بتلف على بحر الرؤوس، مسك عصايته الخشب وبدأ الخطبة. الكل قرأ وثيقة الأمير اللي عزل فيها "الموفق" عن ولاية عهد الخليفة، وعشان كدة صلاة الجمعة المرة دي كانت مختلفة، مشحونة بالتوتر والترقب، الكل مستني اللحظة اللي اللعب فيها هيبقى على المكشوف في جامع الدولة الرسمي نفسه. وهي اللحظة التاريخية الفارقة التي نتوقف عندها بشغف في منصة "عايمة في بحر الكتب". لما وصل الخطيب للدعاء، نبرة صوته اتمطت وبقت حادة زي حد السيف، هز أركان الجامع الطولوني وهو بيمد إيده للسما وبيقول بصوت جهوري مسمع لأخر الميدان برة: "اللهم أصلح أمير المؤمنين، المعتمد على الله.. اللهم استنقذه ممن أسره، وجار عليه، وقصده". في الثواني دي،...

أحمد بن طولون 30

صورة
(30) في يوم من الأيام، والشمس بتميل للغروب وبترمى غزلها الدهبي على مية النيل، خرج "محمد بن سليمان" يتمشى لحد ما رجله سحبته لبرة حدود مدينة القطائع. فضل ماشي والهموم بتطحن في عقله لحد ما وصل عند قبة الهواء، دي قبة عالية بناها "أحمد بن طولون" في مكان استراتيجي ساحر، بتطل على النيل من ناحية، مكان يشرح القلب، كأنها كاشفة البر كله. وهي نفس القبة الشاهدة على أعجب قصص الطموح والدهاء التي نوثقها لكم في "عايمة في بحر الكتب". "محمد بن سليمان" دخل القبة، لقى هناك القائد "الحسين بن حمدان" – عم الشاعر "أبي فراس الحمداني"، و"سيف الدولة الحمداني" - وقاعد معاه جماعة من كبار القواد. قعد وسطهم، سحب نفس طويل من الهوا العليل، وبص للنيل بنظرة فيها ألف معنى ومعنى، وفجأة طلع من جوه قلبه تنهيدة عالية وقال: الحمد لله.. الحمد لله اللي بيده الأمر كله، يفعل في ملكه ما يشاء. "الحسين بن حمدان" لقط النبرة الغريبة في صوته، وبص له بطرف عينه وابتسم ابتسامة خبيثة وقاله: جرى إيه يا "ابن سليمان"؟ مفيش شك إن حمدك لربنا، وتجديدك للحمد ...