مُمَهِّدُ النصر الملك العادل نور الدين محمود 4

(4) الموصل سنة 507 هـ / 1113م، بعد الفراغ والوجع اللي سابه استشهاد الأمير "مودود"، كان لازم السيف السلجوقي يفضل مرفوع. فيتولى ولاية الموصل أمير تركي من ضباط الجيش السلجوقي، اسمه "آق سنقر البرسقي"، وأصدر السلطان "محمد بن ملكشاه" أوامره الصارمة لكل الأمراء والقيادات بأن الجهاد ضد الصليبيين مش هيقف لحظة واحدة"البرسقي" مكنش غريب عن المشهد؛ ده كان ممثل الأمير "مودود بن التونتكين" في بلاط السلطان السلجوقي "محمد بن ملكشاه"يعني بلغة عصرنا كان بيقوم بدور السفير أو مدير المكتب السياسي وشخصية ثقة جداً للأمير "مودود" جوه القصر السلجوقي. بما إن "مودود" كان عينه على الميدان ومشغول بالمعارك والجهاد ضد الصليبيين وإدارة الموصل، فكان محتاج راجل سياسي محنك يقعد في العاصمة، ينقل أوامر السلطان ل"مودود"، ويوصل رؤية ومطالب "مودود" للسلطان، ويدير مصالحه في كواليس الحكم. عشان كده، لما اتقتل "مودود"، مكنش فيه حد أحسن من "البرسقي" فاهم كواليس ملف الموصل كويس، ومحط ثقة السلطان، عشان يمسك الدفة يكمل المسيرة من غير ما المركب تتهز.

وفي وسط الغبار والجيوش اللي بتتجهز، واقف "عماد الدين زنكي"، اللي اشترك بقوة وحماس وفروسية نادرة مع "البرسقي" في كل معاركه وحملاته ضد القلاع والحصون الصليبية. في المعركة صليل السيوف وتقدم صفوف الفرسان، "عماد الدين" كان بيقاتل في الميدان بعبقرية قتالية أذهلت القادة، كانت المعارك دي حجر جديد بيترص في بناء أسطورته، وكل معركة يرجع منها واسمه يتردد أسرع وأقوى بين الناس، وشهرته بتزيد وتتسع في كل شبر من بلاد المسلمين.

وفي شهري أبريل ومايو سنة 1115م، يقود "البرسقي" بجيشه ضربة عسكرية مدمرة وساحقة على حدود إمارة الرها الصليبية. الغارة دمرت حصون العدو وأربكت حساباتهم، لكن طموح "البرسقي" كان عاوز يتوسع ويجمع كل القوى الإسلامية في المنطقة تحت رايته لمواجهة الخطر الصليبي. وهنا تظهر العقدة والشرارة؛ في مدينة ماردين الحصينة، في جنوب شرق الأناضول (تركيا حالياً)،  كان بيحكمها "إيلغازي بن أرتق" راجل صلب وعنيد، كان من أمراء "تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان" عم السلطان "محمد السلجوقي" وعدوه اللدود. كان من الطبيعي "إيلغازي" يرفض تماماً إنه يخضع لـ "البرسقي" التابع للسلطان "محمد السلجوقي" أو يشارك معاه في الحملة ضد الصليبيين. "البرسقي" غضب واعتبر الرفض ده تمرد، فقرر يحول سيفه ويغزو أراضي "إيلغازي بن أرتق" عشان يخضعه بالسلاح. لكن الميدان كان له رأي تاني. 

"إيلغازي" كان قائد عسكري محنك ومش سهل، واجه قوات "البرسقي" في معركة طاحنة، وقدر يهزم "البرسقي" هزيمة قاسية وغير متوقعة. بسبب فشل الحملة دي وانكسار هيبة جيش "البرسقي"، انسحب واضطر يقعد ويتحصن في قلعة الرحبة بمحيط مدينة الميادين على ضفاف نهر الفرات في سوريا.

وفي العاصمة السلجوقية، ولما وصلت أنباء الهزيمة، قرر السلطان "محمد السلجوقي" عزل "البرسقي"، وعين بداله القائد "جَويش بك" أتابك جديد على الموصل. الموصل استقبلت أتابك وقائد عسكري تركي جديد من مماليك السلاجقة، وبدون تردد ولا أطماع شخصية، بيمتثل "عماد الدين زنكي" للقائد الجديد ويدخل تحت زعامة وإمرة القائد "جيوش بك".

وفي وسط المعارك والتقلبات السياسية دي كلها. وفي فجر يوم الأحد 17 شوال سنة 511 هـ / 10 فبراير 1118 م، تشرق في بيت "عماد الدين زنكي" شمس جديدة؛ يولد ابنه التاني "نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن قسيم الدولة آق سنقر" طفل صغير يشوف النور في أوقات صعبة ومحنة أمة، وكأن القدر بيمهد لولادة السيف اللي هيكمل مسيرة أبوه، ويصبح واحد من أعظم قادة التاريخ الإسلامي في مواجهة الصليبيين.

ومع مرور الأيام، في سنة 514 هـ / 1121م، كانت فيه نار تانية بدأت تشتعل تحت الرماد في بغداد عاصمة الخلافة العباسية. "دبيس بن صدقة" يصول ويجول بفرسانه، يعيث في البلاد نهباً وترويعاً، الغبار يملأ الأفق، قواته بتتحرك في خطوات جريئة وصادمة للجميع.. ركب بنفسه ودخل بغداد. "دبيس بن صدقة"أمير الحِلّة (عاصمة إمارة بني مزيد في وسط العراق على ضفاف الفرات، والمكان الحصين لقبائل العرب وقتها) وشبح البادية المتمرد، رجل شجاع، فصيح، وعايش على الثأر؛ جوا صدره نار مابتطفيش من يوم ما السلطان "محمد السلجوقي" قتل أبوه "صدقة بن منصور" ولفوا برأسه في البلاد. طمع السلطة ورغبة الانتقام خلوه قنبلة موقوتة مستعدة تتحالف مع أي حد عشان تنفجر في وش الخلافة العباسية والسلاجقة. "دبيس" وصل لحد دار الخلافة وبمنتهى الجرأة والتحدي، ضرب خيمته ونشَر رجاله قصاد القصر العباسي مباشرةً، في تحدي قوى سافر تجاه الخليفة العباسي "المسترشد بالله".

داخل دار الخلافة، الأجواء مشحونة، لكن الخليفة العباسي "المسترشد بالله" فكر وتصرف بذكاء ودهاء سياسي؛ بدلاً من صدام عسكري مباشر ممكن يدمر بغداد، بعت لـ"دبيس" رسل تطيّب خاطره، وتهدّي اللعب معاه عشان تطمن قلبه. الخليفة وعده إنه هيتدخل شخصياً، ويوظف نفوذه عشان يصلح بينه وبين السلطان السلجوقي الجديد "محمود بن محمد السلجوقي".

وفي نفس السنة 514 هـ / 1121م، "جيوش بك" مكنش مجرد حاكم عسكري عادي، ده كان أتابك ومربّي للأمير السلجوقي "مسعود بن محمد" أخو السلطان "محمود بن محمد" وكان بيتحكم في الموصل وأذربيجان من تحت عباءة اخوه السلطان. ومن جوه القصر، وفي الظلام، بدأت الشياطين تطوف في رأس "جيوش بك"؛ طمع في السلطنة والنفوذ الكبير، وفي السر بدأ "دبيس بن صدقة" يبعت مكاتبات ورسائل حية لـ"جيوش بك". "دبيس" وسوس لـ"جيوش بك»" بخبث وقاله: "خلّي مسعود يطالب بالسلطنة لنفسه وياخدها من أخوه محمود!"، ووعده بمنتهى الثقة أنه هيجيب جيشه ويقف معاه.

بس "دبيس" لا كان فارق معاه "مسعود" ولا "جيوش بك" من أصله، كل الحكاية أنه كان عاوز يوقع الشقاق في دولة السلاجقة والقتال بين الأخوين السلطان "محمود" والأمير "مسعود"، عشان الدنيا تولع، ويتلهوا في انقسامتهم، وهو يستغل الفوضى ويعلو شأنه ونفوذه.

ونجحت خدعة "دبيس"، وبدأ "جيوش بك" يهمس في أذن الأمير الصغير "مسعود"، ويحرّضه، ويشجعه بكلمات معسولة عشان يخرج ويعلن الثورة المسلحة ضد أخوه السلطان الشرعي "محمود بن محمد السلجوقي"، عشان ينتزع منه عرش السلطنة بالقوة. وفعلاً وفي نفس السنة 514 هـ / 1121م، دقت طبول العصيان، ويقوم "جيوش بك" بمحاولة انقلابية عسكرية رسمية ضد السلطان "محمود بن محمد". أعلن الأمير "مسعود" الخطبة لنفسه بالسلطنة رسمياً، وجمع عساكره وجيوشه وصدرت الأوامر العسكرية المباشرة لجميع الفرسان بالتحرك ضد العاصمة السلجوقية والسلطان.

لكن "عماد الدين زنكي" ضرب بالأوامر عرض الحائط؛ رفض يرفع السيف في وجه السلطان الشرعي الأكبر "محمود بن محمد السلجوقي"، وأصر على الثبات على  موقفه الصارم بالولاء التام للبلاط السلجوقي الأعلى. نفس المبدأ الشريف اللي اتربى عليه؛ ولاء ميتبعش ولا يشترى ولا بينساق ورا التمردات.

وفي منتصف ربيع الأول سنة 514 هـ / يونيو سنة 1120 م، مضيق أستراباذ (ممر ومضيق جبلي عند مدينة غورغان دلوقتي في شمال إيران قريب من جبال طبرستان وشواطئ بحر قزوين) الجيشين اتقابلوا، واشتد القتال، وصليل السيوف ردد الجبال. وزي ما "عماد الدين زنكي" برؤيته الثاقبة راهن؛ ربنا وفق ورجحت الكفة للسلطان الشرعي "محمود"، وانكسر جيش "مسعود" واتهزم هزيمة ساحقة. فشلت المحاولة الانقلابية، ووصلت أنباء الموقف البطولي لبلاط السلطنة؛ وارتفع سهم "عماد الدين زنكي" ويكبر قدره جداً عند السلطان "محمود" زي ما ارتفع قبل كده مع أبوه السلطان "محمد"، وعرف ان معدنه أصيل وموضع ثقة كبير.

 بعد المعركة الأمير مسعود" خاف وهرب واختفي في المغارات وفوق أقمة الجبال. وبعت من مخبئه لأخوه السلطان "محمود" يطلب الأمان والصفح. السلطان "محمود" بكل شهامة ونبل؛ اعطاه الأمان فوراً ومن غير تردد. ولما وصل الأمير "مسعود" أمر السلطان "محمود" كل قادة الجيش بالخروج لتلقيه واستقباله. ولما دخل الأمير "مسعود" قاعة الحكم على اخوه السلطان "محمود"، قام السلطان فورا وفتح ذراعيه لأخوه، فجري الأمير "مسعود" ودخل في حضن اخوه الاكبر في عناق حار ودموع تغسل كل الخلافات. بالغ السلطان "محمود" في الإحسان لأخوه الامير "مسعود" ووفى له بكل عهوده، ده حتى القائد "جيوش بك" لما أتقبض عليه وجابوه للمحاكمة، أحسن السلطان "محمود" إليه وعفا عنه. السلطان "محمود" مكنش مغفل ولا طيب زيادة عن اللزوم؛ ده كان ذكاء سياسي. "جيوش بك" كان الأتابك والمربي الخاص بأخوه الامير "مسعود"، وله ثقل ونفوذ جبار بين أمراء وفرسان الجيش. السلطان كان عاوز يلم الشمل ويقفل باب الفتنة تماماً، وينزع الفتيل من غير ما يسيب مرارة عند أخوه أو يُغضب باقي القادة، وفضّل إنه يمتص الأزمة بالجميل ويثبت هيبة العرش بالتسامح بدل ما يفجر حمام دم جوه البيت السلجوقي.

أما "دبيس بن صدقة"  فلما وصلته أخبار هزيمة الامير "مسعود" وانكشاف المخطط. جن جنونه وعاث في البلاد فساد وتخريب ونهب، فكتب له السلطان "محمود" يحذره ويدعوه للرشد، لكنه مهتمش واستمر في طغيانه، ووصلت جرأته إنه استولى على جسر السلطان، الجسر المخصص لمرور موكب السلطان السلجوقي، وجيوشه، وقادة الدولة، وربط القصر السلجوقي ومقر الحكم بباقي أجزاء بغداد.

هنا طفح الكيل، ركب السلطان "محمود" بنفسه واستنفر قواته لقتاله، واخد معاه 1000 سفينة في النهر عشان يعبر بجيشه لمواجهته وقطع دابره. ولما قربت القوات، حس "دبيس" بالخطر، فهرب زي الفار المذعور من الحِلة واختفى، واحتمي عند "إيلغازي بن أرتق" صاحب ماردين (دلوقتي في جنوب شرق تركيا قريبة من الحدود السورية)، وفضل فيها مستخبي سنة كاملة. وبعد سنة من الوساطات، اتفق الحال بين الطرفين على شرط أن يبعت "دبيس" أخوه "منصور" رهينة ضمان حسن سير وسلوك عند السلطان "محمود"، مقابل إن "دبيس" يرجع لبلده الحِلة حي. وتم التوافق ورجع "دبيس" عشان يقفل فصل من فصول المكر، وتبدأ الاستعدادات لمعارك جديدة.

وتدور الأيام، وبعد سلسلة طويلة من الصراعات السياسية والعسكرية والشد والجذب، يطلب "جيوش بك" الصفح ويدخل تاني في خدمة السلطان "محمود". وعشان يضمن السلطان "محمود" ولاؤه ويبعده عن مركز القرار، أعطاة ولاية "أذربيجان" التابعة لوصاية اخوه الامير "مسعود".

وفي سنة 515 هـ / 1121م، تتغير موازين القوى من جديد، ويرجع السلطان "محمود" يعين القائد الوفي "آق سنقر البرسقي" والي على الموصل، صحيح ما تعرفش قيمة امك الا لما تشوف مرات ابوك، وعلى طول يرجع "عماد الدين زنكي" بكل سرور تحت تبعية وإمرة "البرسقي"؛ الاتنين بينهم كيميا عسكرية وثقة عمياء وتقدير.

 وفي سنة 516 هـ / 1122م، رجعت تاني الخلافات، والمنافرات، بين "جيوش بك" وبين عدد من أمراء وقادة الدولة السلجوقية، صحيح ياولاد الندل طبعه لازم يغلب التطبع.  طب والله يابخت الصليبيين في اللي بيحصل ده، ملوك العالم الاسلامي بياكلوا في بعض، وسايبين الصليبيين يدمروا ويقطعوا في سواحل الشام على كيفهم. السلطان "محمود" عرف إن الراجل ده قنبلة موقوتة ومش هيهدا، وخاف جداً من سطوته ونفوذه وتأثيره الممتد في الجيش، فصدر الأمر السلطاني بقتل "جيوش بك" وتصفية خطره للأبد. سقط "جيوش بك" قربان لأطماعه، واستمر "عماد الدين زنكي" يصعد بثبات وهدوء، يقطف ثمار حكمته ووفائه، وينتظر الخطوة الكبرى اللي أعده الله لها.

وفي سنة 516 هـ / 1122م.. اشتعلت بغداد مرة تانية، محنا قلنا طبع الندل بيغلب التطبع، عشان كدة رجع  المتمرد "دُبَيس بن صدقة" يعمل ثورة مسلحة داخل بغداد؛ طمع في انتزاع الحكم والسيطرة على مقاليد الأمور هناك. الأحداث خطيرة، والشارع البغدادي على شفا الانفجار. "آق سنقر البرسقي" ما صدق وقال يا اهلا بالمعارك، فخد جيشه وخرج من الموصل للسيطرة على الأوضاع، وأخذ معاه "عماد الدين زنكي" بالذات؛ لإيمانه الشديد بقدراته العسكرية الفذة وعقليته الإدارية الحازمة. ولأن "البرسقي" عارف حجم وإمكانيات "عماد الدين زنكي"، أخذ خطوة استراتيجية في غاية الذكاء والخطورة، ولى "عماد الدين زنكي" إمارة واسط، عشان هي المعقل والمركز الرئيسي لنفوذ وقوات "دبيس بن صدقة". "البرسقي" حط "زنكي" في وش المدفع قصاد المتمرد العتيد، وده كان من سوء حظ "دبيس"، وده كان إعلان صريح بعظيم ثقة القيادة السلجوقية في "عماد الدين زنكي".

وفعلاً كانت التجربة كانت خير برهان، بخطة عسكرية محكمة وشجاعة نادرة، قدر "عماد الدين زنكي" ينتصر على "دبيس بن صدقة"، ويكسر شوكته، ويعيد الأمور لنصابها الصحيح والأمان لرعيتها. لسة حوافر الخيل منضفتش من غبار المعركة الا وظهر تحدي جديد، هجمات متكررة وغارات عنيفة شنتها قبائل الأعراب على البصرة. فوراً أمر "البرسقي" بتولية "عماد الدين زنكي" ولاية البصرة وقاله: اتعامل انت، وسيطر براحتك. وفي فترة قصيرة جداً، بصرامة القائد وحكمة السياسي، كبح جماح الأعراب، ووقف هجماتهم، وفرض الهيبة والهدوء على البصرة، عشان يثبت للجميع إنه عن جدارة رجل المهام الصعبة في الدولة السلجوقية.

 خلال كل الأحداث الفظيعة دي، كان ولاء "عماد الدين زنكي" المطلق والرسمي للسلطان السلجوقي وأمرائه، مش للخليفة العباسي. هو كان بيدافع عن الخليفة العباسي في بغداد بس لما تكون مصالح السلطنة السلجوقية متوافقة ومتطابقة مع مصالح الخلافة العباسية. أما لما كانت تتصارع وتتعارض المصالح بين العرشين، كان "عماد الدين زنكي" يقف بجيشه وسيفه بجانب السلطان السلجوقي من غير تردد في وش أي حد يعاديه.

وده أمر طبيعي جداً ومتوقع بلغة عصره وبيئته العسكرية اللي نشأ فيها كقائد في الجيش السلجوقي، حتى لو الموقف ده ممكن يسبب لنا حالياً بعض الحرج أو اللبس في الفهم، لما نشوف "زنكي" واقف بجيشه أحياناً في مواجهة الخليفة، لكنها حقائق السياسة والتوازنات اللي صقلت القائد اللي هيمسك زمام الأمة كلها فيما بعد.

وبعد النجاحات المتتالية والساحقة اللي حققها "عماد الدين" في واسط والبصرة وبغداد. الأخبار كانت بتوصل أول بأول لقصور السلطنة السلجوقية العظمى في بلاد فارس. السلطان "محمود" شاف وسمع عن القائد الشاب اللي كل ما يمسك ولاية يرجع لها أمنها وهيبتها. عشان كدة أصدر الأمر السلطاني باستدعاء "عماد الدين زنكي" فوراً إلى عاصمة السلاجقة أصفهان في بلاد فارس (ايران).

دخل "عماد الدين زنكي" العاصمة أصفهان، واستقبله السلطان "محمود" استقبال الأبطال، قربه منه، ومنحه ثقته المطلقة.  وجوزه من أرملة الأمير "كندغدي"، اللي كان واحد من أكبر وأعظم أمراء السلطة والقصر السلجوقي، تكريماً له ورفعة لشأنه بين أكابر الدولة.

وفي سنة 518 هـ / 1124م، أصدر السلطان "محمود" قراره بتولية "عماد الدين زنكي" رسمياً ولاية البصرة لترسيخ نفوذه وتثبيت أركانها. لكن القفزة المدوية الحقيقية كانت في سنة 521 هـ / 1127م؛ لما أصدر السلطان قرار بتعيينه في منصب عسكري وسياسي في غاية الخطورة، وهو منصب شِحْنَة العراق يعني مدير أمن العراق بكاملها ورئيس مؤسستها العسكرية والشرطية. وبجانب المسئولية المرعبة دي، السلطان زاد "عماد الدين زنكي" تكليفاً أعظم وأجلّ بيعكس حجم المكانة اللي وصل لها؛ جعله أتابك معلم ومربي لاولاده الأميرين الصغيرين "ألب أرسلان" (على اسم جده الكبير) و"فروخ شاه"، ومن اللحظة دي أصبح لقبه الرسمي والشهير هو "الأتابك عماد الدين زنكي".

"عماد الدين" مش بس كان بيدير أمن دولة، ده كمان أصبح مسئول مسئولية كاملة عن تنشئة وإعداد أولاد السلطان نفسهم تنشئة عسكرية، سياسية، وشرعية متميزة، يصقل فيها عقولهم وأخلاقهم عشان يصبحوا سلاطين وقادة المستقبل.

وهنا لازم نقف لحظة تأمل أمام شخصية "عماد الدين زنكي"، كان شخصية فريدة، شديدة التأثير في كل من حوله. رجل نُقلت الأمة الإسلامية على يديه وفي عهده نقلة نوعية وجذرية، ساب فيها أثر ممتد وشامخ تجاوز عشرات السنين، ومهد الطريق لأجيال من بعده. وما أروع ولا أبلغ ما وصفه به المؤرخ الكبير "عماد الدين الأصبهاني" وهو بيلخص حالة العظمة والعبقرية دي في جملة واحدة لما قال عن  "عماد الدين زنكي": «كان قطباً يدور عليه فلك الإسلام». ومن هذا الأسد، كان لازم يخرج الليث.. "نور الدين محمود".

(يتبع)
مروة طلعت
21/8/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ
#مُمَهِّدُ_النصر #نور_الدين_محمود_زنكي
المصادر:
الكامل في التاريخ جـ 9— ابن الأثير، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2012م.
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم جـ 17–18— ابن الجوزي، تحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ/1992م.
البداية والنهاية جـ 12— ابن كثير، مراجعة عبد القادر الأرناؤوط وبشار عواد معروف، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة السادسة 2021م.
الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل — ابن الأثير، تحقيق عبد القادر أحمد طليمات، دار الكتب الحديثة بالقاهرة ومكتبة المثنى ببغداد، 1963م.
الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية جـ 1–جـ 3— أبو شامة المقدسي، تحقيق إبراهيم الزيبق، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1418هـ/1997م.
تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام — د. محمد سهيل طقوش، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثانية، 2010م.
ذيل تاريخ دمشق — ابن القلانسي، تحقيق H. F. Amedroz، بيروت، 1908م.
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان جـ 20–21— سبط ابن الجوزي، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الرسالة العالمية، دمشق، الطبعة الأولى، 1434هـ/2013م.
زبدة الحلب من تاريخ حلب — ابن العديم، وضع حواشيه خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ/1996م.
تاريخ مدينة دمشق — ابن عساكر، تحقيق عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان جـ 5— ابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1978م.
تاريخ الأتابكة في الموصل والشام — د. السيد الباز العريني.
القائد المجاهد نور الدين محمود زنكي: شخصيته وعصره — د. علي محمد الصلابي.
نور الدين محمود وتجربته الإسلامية — د. عماد الدين خليل.
العبير الشذي في سيرة الملك العادل نور الدين زنكي — محمود أحمد الزويد.
عماد الدين زنكي شخصيته وعصره ــــ د. على محمد الصلابي.
قصة الحروب الصليبية من البداية الى عهد عماد الدين زنكي ــــ د. راغب السرجاني.
الحلقة الأولى
https://www.facebook.com/share/p/19V5QyVeHN/
الحلقة الثانية 
https://www.facebook.com/share/p/192zWUa
EuJ/
الحلقة الثالثة
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=pfbid0364HSvE7v4LCC8iYdeskatKR6furSGimP8VWxTdDvu8AwiNsPjDh7oty1T36dokQfl&id=100070872365801&mibex
tid=Nif5oz


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أحمد بن طولون 29

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5