أحمد بن طولون 9
(9) بعد الغدر اللي حصل للخليفة العباسي "المهتدي بالله"، بدأ جند الترك في سامراء يدوروا على صاحب جديد للعرش، يكون مهاود ومطيع، مجرد عروسة ماريونيت قاعدة على عرش الخلافة وحبالها في ايديهم. ووقع الاختيار على "المعتمد على الله"، "المعتمد" وصفه "ابن أبي الدنيا" وقال ملامحه كان فيها هيبة وجمال؛ كان أسمر، وبشرته صافية، وعنيه واسعة وجميلة، ولحيته خفيفة ومهذبة.
يوم 16 رجب سنة 256 هـ / 19 يونيو 870 م، خرج "المعتمد" من سجن الجوسق اللي كان الخليفة "المهتدي" حابسه فيه، وبايعوه بالخلافة. دنيا غريبة، السجين النهاردة بقى هو الخليفة بكرة، واللي كان خليفة النهاردة بقى جثة هامدة، وكله بقرار من المرتزقة الجند الأتراك اللي كانوا بيحركوا خيوط اللعبة في سامراء. وبعد ٤ أيام بس، وصل القائد التركي "موسى بن بغا" لسامراء، وبحضوره نار الفتنة بدأت تخمد شوية.
لكن "المعتمد" مكنش الخليفة اللي الناس مستنياه؛ أول ما مسك، ضيّق علي أسرة وأبناء الخليفة السابق "المهتدي" جداً. والأدهى من كدة، إنه رمى حِمل الدولة كله على أخوه "أبو أحمد الموفق"، وسلّمه المشرق كله يديره، وعمل ابنه الصغير "جعفر" ولي عهد ولقبه "المفوض إلى الله"، وسلّمه (صُورياً طبعاً) حكم مصر والمغرب. "المعتمد" نفسه انهمك في اللعب واللهو، وساب الرعية والسياسة تماماً، فالناس كرهوه وبدأوا يميلوا ويحبوا أخوه "الموفق" اللي كان هو رجل الدولة القوي الحقيقي في الصورة، حتى الجند الترك أحترموا "الموفق" وأطاعوه.
"الموفق" مكنش مجرد أمير قاعد في القصور، ده كان راجل عسكري من طراز فريد. قضى عمره وسط الجند، واتعلم أساليبهم، والأهم إنه كان بيقودهم في المعارك. الأتراك مكنوش بيحترموا الخليفة الزاهد زي "المهتدي"، ولا الخليفة اللاهي زي "المعتز"، لكن كانوا بيقدسوا القائد القوي اللي بيفهم في لغة السيف والدم، و"الموفق" كان بيتكلم لغتهم بطلاقة. بالأضافة الى أن الأتراك كان عندهم عقدة من الخليفة القوي لأنه ممكن يخلص عليهم، لكن قائد جيش قوي بيخدم تحت خليفة ضعيف، دي كانت توليفة هادية ومريحة ليهم، عشان كدة حصل تعاون وانسجام بينهم.
وفي نفس شهر رجب ده، الدنيا كانت والعة في كل مكان؛ فتنة عبيد الزنج" استولوا على البصرة والأبلة والأهواز، وعملوا مذابح مريعة. وفي الكوفة، قام "علي بن زيد" العلوي، واستفحل أمره لدرجة إنه هزم جيش الخليفة. وفي "الري"، ظهر أخوه "حسن بن زيد"، فخرج له قائد جيش الخليفة "موسى بن بغا" عشان يحاربه.
وفي مدينة "الأُبلّة" الهادية، هجم عليها إعصار الزنج بكل جنونهم وقسوتهم، والقتل بقى بالآلاف. المصادر بتقول إنهم دبحوا في المدينة دي لوحدها حوالي تلاتين ألف كلهم من المدنيين أهل البلد، المأساة كانت فوق الوصف.
الخلافة في سامراء مقدرتش تسكت، فبعتوا واحد من القادة الكبار اسمه "سعيد الحاجب" عشان يحاول يلم الليلة دي ويوقف الزحف المرعب للزنج. "سعيد" نزل بجيشه ودخل معاهم في معارك طاحنة، وكان فاكر إن الموضوع زوبعة وهتعدي، لكن الواقع كان أصعب بكتير.
الزنج مكنوش مجرد غوغاء، كانوا جيش منظم جداً وبدأ بأسهم يشد، لدرجة إنهم قدروا يكسروا هيبة جيش الخلافة وقتلوا خلق كتير من جند "سعيد الحاجب". المواجهات مخلصتش في يوم وليلة، فضلت المعارك رايحة جاية، والدم بيسيل في كل مكان، وجيوش الخليفة مكسورة مش قادرة تسيطر على جيش الزنج اللي كبر فجأة.
في الوقت اللي كانت فيه نيران فتنة الزنج بتاكل الأخضر واليابس، كان "إبراهيم بن مدبر" (المسؤول المالي في الموصل) بيهرب بعمره من جحيمهم بالعافية. "إبراهيم" وهو في طريقه للنجاة، وصلت له الأخبار اللي غيرت كل خططه؛ "المعتمد على الله" بقى هو الخليفة.
"إبراهيم بن مدبر" الفرحة طيرت عقله، أصله كان صديق مقرب لـ"المعتمد"، بينهم عيش وملح وذكريات قديمة من أيام ما كان المعتمد لسه أمير مش في الحسابات. أول ما وصل سامرا، "المعتمد" استقبله بحفاوة، وقرّبه منه جداً.
الخبر ده طار زي البرق ووصل الفسطاط، ونزل على "أحمد بن طولون" زي الصاعقة. "ابن طولون" كان خلاص قصقص ريش "أحمد بن مدبر"، وكان فاكر إنه خلص من سطوته للأبد. لكن دلوقتِ اللعبة اتغيرت؛ أخو الخصم بقى هو الصديق الصدوق للخليفة فوق في سامراء.
"ابن طولون" بذكائه السياسي عارف أنه مينفعش يخسر الخليفة في بداية حكمه عشان خاطر خناقة على الخِراج. بقلب فيه غصة، وبحسابات الحاكم اللي بيعرف يرجع خطوة عشان ينط عشرة قدام، اضطر "ابن طولون" يبلع المر ويرجّع "أحمد بن مدبر" لمنصب الخراج تاني، عشان يتقي شر أخوه في سامراء ويحافظ على علاقته مع الخليفة "المعتمد".
في نفس الوقت اللي فيه الأحداث الرهيبة دي في الموصل وما حولها، كان موجود في دمشق بالشام "ابن شيخ" (عيسى بن شيخ) اللي قرر يستغل فرصة انشغال الخلافة في سامرا، وأعلن عصيانه وتمرده على الخليفة "المهتدي". وفي يوم فجأة دخل عليه البريد بخبر زي الصاعقة: "الخليفة المهتدي اتقتل، والمعتمد على الله بقى هو الخليفة الجديد". الخبر ده كان اختبار للولاء. وده لأن "ابن شيخ" في اللحظة دي الشيطان لعب في دماغه، وحب يوثق عصيانه؛ لا دعا ل"المعتمد" في الخطبة، ولا أخد له البيعة من رجاله وعساكره. كان عاوز يوصل رسالة لسامراء إنه تابع للخليفة الجديد، أو يمكن كان بيجس نبض القوة اللي جاية.
"حسين الخادم"، ومعاه الفقيهين "الكريزي" و"المروزي"، كانوا لسة في دمشق من أيام ما بعتهم الخليفة "المهتدي" للتفاوض مع "ابن شيخ". "حسين الخادم" فهم إن "ابن شيخ" بيلعب بالنار، فقرر يمشي معاه بالسياسة. راح له وبكل هدوء، قدم له "العهد" (يعني قرار التعيين الرسمي) اللي كان باعته معاهم الخليفة "المهتدي"، وزيادة على اللي فيه ولاية أرمينية، كأنه بيوصله رسالة أن الخليفة الجديد باقي عليك، بس يا ريت نخلص موضوع البيعة ده بقى.
"ابن شيخ" طمع، وقال في نفسه أنا آخد أرمينية وأعين عليها نائب من عندي، وأفضل أنا هنا في الشام زي ما أنا مَلِك متوج. وفعلاً، وافق وأقام الدعوة لـ"المعتمد" في الجوامع وأخد له البيعة من الناس.
لكن "حسين الخادم" ورجالته في عرضهم ده كانوا بيشتروا وقت مش أكتر، عشان يخرجوا من تحت إيد "ابن شيخ" بسلام، ويتجنبوا غدره. أول ما اتأكدوا إن البيعة تمت والجو هدي، انسحبوا بذكاء في السر تحت ستر الليل، ورجعوا جري على بغداد.
أول ما وصلوا ودخلوا على الخليفة "المعتمد"، حكوا له الحكاية من طقطق لسلام عليكم، قالوله أن "ابن شيخ" كان ناوي على غدر، ومبايعش إلا لما رشيناه بأرمينية. الخليفة "المعتمد" قرر إن السكوت مبقاش اختيار، فبعت لـ "أحمد بن طولون" في مصر وأمره يجهز نفسه ويطلع في حملة تأديبة على "عيسى بن شيخ" في دمشق. "أحمد بن طولون" رد بالموافقة والطاعة، بس قاله أن معندوش الجيش ولا العتاد الكافي لحملة كبيرة زي دي.
الخليفة "المعتمد" لما وصله رد "ابن طولون"، فورا بعت لـ "ابن مدبر" (المسؤول المالي في مصر) وأمره يفتح الخزنة لـ"ابن طولون" ويديله كل اللي يطلبه من غير حساب عشان يجهز جيش وعتاد للحملة دي.
"احمد بن طولون"، مفوتش فرصة زي دي عشان يقوي جيشه، وبدأ يشتغل على مية بيضا. عمل عرض عسكري كبير للجيش اللي عنده، واختار أنضف وأقوى العناصر اللي تصلح للحرب، وبدأ يشتري عبيد من كل الأجناس؛ روم بذكائهم و سودان بقوتهم، وجدد الأسلحة والآلات الحربية، وجهز كل حاجة بالملّي، وكتر على أد مايقدر، يشتري الكمية بالضعف والتلاتة، لحد ما كون جيش عظيم، أكبر وأقوى من جيش "ابن شيخ"، وأقوى من جيش الخليفة نفسه المنهك في حربه مع الزنج، وكله من خزنة خراج الخليفة مدفعش فيهم مليم من خزنة الدولة.
خرج "احمد بن طولون" بجيشه المهيب من الفسطاط، وساب إبنه "العباس" مكانه في الفسطاط، ولأن "العباس" كان لسة شاب صغير (17 سنة)، ولسه أبوه بيدربه على الحكم والسياسة، ساب معاه كاتبه وأمين سره "أحمد بن محمد الواسطي"، وقال لابنه: "يا بني ! أحمد بن محمد قد عجم أمري، وخبر ما يصلحه فأقبل عليه، وفوض اليه وتضافروا على حسن الأثر فيما أنتما بسبيله". يعني خليك دايما مع الواسطي، أكتر شخص موثوق فيه وأمين وعارف الدنيا شغالة ازاي. "أحمد بن طولون" وهو في الطريق محبش يبدأ بالدم، فقرر يعمل حجة ومعذرة قدام ربنا والناس. بعت "قيس بن حفص" و"أحمد بن يحيى السراج" رسل لـ"ابن شيخ" برسالة تحذيرية قاله فيها يرجع لطاعة الخليفة، ويرد الفلوس اللي أخدتها من خراج مصر بغير حق، وينهي الموضوع ودي وإلا هتكون الحرب. لكن "ابن شيخ" كان الغرور راكبه، ورد عليه رد بألفاظ قبيحة، ورفض كل العروض.
"ابن طولون" كان وصل بجيشه ونزل في منطقة اسمها العباسة – قرية بناها ابن طولون وسماها على اسم ابنه العباس، حالياً تابعة لمركز أبو حماد بمحافظة الشرقية - وهناك وهو بيجهز للمعركة، جاله خبر قلب الموازين. الخليفة أنفذ جيش تاني من سامرا بقيادة "ماجور التركي" عشان يهاجم "ابن شيخ" من ناحية الشرق. "ابن طولون" بذكائه وهدوئه لقاها فرصة، قرر يثبت في مكانه، وأستنى يشوف "ماجور" هيعمل إيه مع "ابن شيخ"، لو فشل يتدخل بجيشه، ولو نجح أهو يبقى حافظ على جيشه.
في سنة 257 هـ / 871 م، "ماجور" قرب من دمشق، فـ "عيسى بن شيخ" بعت له ابنه "منصور"، وده كان فارس شجاع مبيخافش الموت، ومعاه نائبه وأحسن فرسان الشام، وأمرهم يمنعوا "ماجور" يدخل دمشق بكل قوتهم.
الجيشين اتقابلوا في ملحمة مرعبة، وكانت الصدمة إن أول واحد اتقتل كان "منصور" ابن "عيسى بن شيخ"، ومعاه كبار أصحابه. "ماجور" كمان أسر نائب "ابن شيخ"، وبكل قسوة ضرب عنقه وصلبه مع جثة "منصور" عشان يكسر قلب أبوه. جيش الشام اتدمر، ومحدش نجا من المذبحة دي إلا اللي كان راكب حصان أصيل وقدر يسبق الريح من الخوف.
ودخل "ماجور" دمشق دخول الفاتح المنتصر. ولما الخبر وصل لـ"عيسى بن شيخ"، وإن ابنه اتقتل واتصلب هو وأعز رجاله، نفسه انكسرت تماماً وأنهار، وحس إن الشام كلها ضاقت في وشه ومبقاش ليه مكان فيها. فلملم اللي فاضل من حاله، وهرب عن طريق الساحل قاصد أرمينية وهو متدمر.
"ماجور" مسبهوش، بعت رجالته وراه، وقبضوا عليه هو ورجالته. "ماجور" معملش فيه زي ما عمل في ابنه؛ هو كان عارف إن عيسى صيد غالي والخليفة هو اللي يقرر مصيره. قبض عليه وقيّده، وبعت الخبر لسامراء. الخليفة "المعتمد" لما عرف، أمر "ماجور" إنه يبعت "عيسى" مصفد بالأغلال لسامراء عشان يتحاسب هناك على تمرده وسرقته لأموال الخراج. بعدها أمر "ماجور" رجالته ياخدوا كل أعمال "عيسى بن شيخ" ودوواينه، وعين ناس من عنده، وبقى هو المسيطر على بلاد الشام كلها.
(يتبع)
مروة طلعت
24/4/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ #أحمد_بن_طولون #تاريخ_مصر #سيد_الديار #القطائع #السيرة_الطولونية
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 – الإمام الذهبي.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.

تعليقات
إرسال تعليق