أحمد بن طولون 8

 ( 8 ) قال "المقريزي" في كتابه الخطط المقريزية: (وأتفق موت المعتز في رجب سنة خمس وخمسين وقيام المهتدي بالله محمد بن الواثق وقتل باكباك ورد جميع ما كان بيده الى ماجور - ده أسم تاني ليارجوخ - التركي حمو ابن طولون فكتب اليه: تسلم من نفسك لنفسك، وزاده الأعمال الخارجية عن قصبة مصر، وكتب الى اسحق بن دينار وهو يتقلد الاسكندرية أن يسلمها لأحمد بن طولون، فعظمت بذلك منزلته).

من المعروف أن اسكندرية بالذات من أيام العصر اليوناني في مصر وهي ليها وضع خاص، هي صحيح جزء من مصر، وكانت العاصمة في العصر اليوناني والبطلمي والروماني، لكن كان ليها حاكم مستقل وأعمال قائمة بذاتها لوحدها، وفضل الوضع كده على ما هو عليه، لحد ما الأخشيديين جم - اللي هي الدولة اللي جت بعد سقوط الدولة الطولونية - ولغوا التقليعة دي. وعشان كده لما تولى "يارجوخ" ولاية مصر وخلى "ابن طولون" نائب عليها زي ما هو، زودله صلاحياته وأعطاه مُلك اسكندرية.
في الإسكندرية، كان "موسى" أخو "أحمد بن طولون" قاعد على نار، مستني أخوه ينفذ وعده ويوليه حكم المدينة. ولما لقى أخوه ثبت "اسحق بن دينار" زي ما هو على اسكندرية، راح لـ "أبو يوسف الكاتب" (الواسطة اللي بينهم) وقاله هو فيه ايه، شوفلي أخويا نسي الوعد ولا إيه.
أبو يوسف سافر الفسطاط ودخل على "ابن طولون" وقاله: "أيد الله الأمير، أخوك موسى مستني كلمتك". هنا ابن طولون اتنهد وقال: "ويحك قد كان ما وعدت به، وتالله اني لآمل له ما هو أحل منه، وقد ترى ما صنعه هذا الرجل معنا من الجميل، على محله ايضا في نفسه، ولا والله ما يحملني وجهي أصرفه عن عمله، فتلطف لي في أن تصرف رأي أخي عن هذا الامر، وقل له ان اخاك يرشحك الى ما هو أجل من هذه المدينة، واحذر ان تطلعه على شئ مما ذكرته لك من أمر ابن دينار".
"أحمد بن طولون" قال كلام يوريكِ أد إيه الراجل ده كان "حسّاس" زيادة عن اللزوم، قاله أنا والله عيني مش جايباني أشيل "إسحق بن دينار" من منصبه بعد الذوق والأدب اللي قبله بيهم.وأنا مقدرش أصرف واحد عمل معايا الجميل ده، تلطف كدة مع أخويا "موسى"، وحاول تصرف نظره عن الإسكندرية، وقوله إني عاينله حاجة أهم وأكبر بكتير. بس أوعى تجيب له سيرة إن كسوفي من "ابن دينار" هو السبب.
"موسى" لما سمع الرسالة مفرحش أن اخوه محضرله مدينة تانية أحسن، وقال بصلابة: أنا مش عايز غير الأسكندرية، هي أحب لقلبي من أي ولاية تانية مهما كانت جليلة. "أبو يوسف" كان فيه بينه وبين "موسى" مودة وعيش وملح، وكان ما بينهم قعدات سمر كتير، ومنها نميمة يتعجبوا فيها من حظ "ابن طولون" اللي بيتحول التراب في ايده لدهب، ويصلح له الأمور من غير مجهود. "أبو يوسف" لما لقى "موسى" ثاير وراكب دماغه ومش عاوز يقتنع، قام "أبو يوسف" خان وعده لـ"ابن طولون"، وحكى لـ"موسى" الحقيقة إن أخوه مكسوف يشيل الوالي الحالي.
"موسى" أتنرفز أكتر وثار أكتر وأكتر، وسافر لأخوه الفسطاط، واقتحم عليه المجلس قدام الناس، ونسي مكانته وهيبته قصاد الناس، مكنش شايفه غير أنه مجرد أخوه شقيقه، وقاله بمنتهى الغلظة والوقاحة في حضرة مجلسه: "بخلت علي بما لامشقة عليك فيه. ما احسبك تخرج من الدنيا سالما، لقطعك لرحمك، وسوء نيتك، وتفضيلك غلمانك، ومن تختاره بسوء رأيك على اقرب الناس منك، فلعن الله جوارك وأراحني منك".
"احمد بن طولون" لقى نفسه فجأ أتهزأ قصاد أمراؤه ووزرائه وعاملينه، وكرد فعل مقدرش يمسك أعصابه، فأمر الحراس يكتفوا "موسى" أخوه، وقام بنفسه مسك المقرعة وضربه بيها بس مش جامد، ضربات تأديبية يسيرة. وده يدل على حنيته برده على أخوه الصغير، على الرغم أنه قل أدبه عليه وهانه في مقر عرشه، الا أنه أختار عقاب أبوي خفيف يحفظ بيه ماء وجهه قصاد الناس، وميأذيش أخوه ولا يوجعه.
بعد ما "موسى" أتفك وأخد عقابه، خرج من القاعة، فألتف حواليه حشد من الناس اللي كانت حاضرة الواقعة ولاموه، وقالوله أخوك النهاردة مش هو اللي كنت تعرفه في سامراء، ده بقى أمير وصاحب رياسة، بطل تتعامل معاه بعشم الإخوات ده واحفظ مقامه.
لكن موسى كان عنيد ونفسه عزيزة، مرضيش يلين، وطلب من أخوه يأذنله يسيب البلد ويمشي. "ابن طولون" لقاها فرصة يريح قلبه وعقله من النكد ده، فكتبله الأذن وأمرله بفلوس كتير جداً، بس "موسى" رفض ياخدهم، وخرج من مصر وهو غضبان وراح على طرسوس.
أما "أبو يوسف الكاتب"، "ابن طولون" قبض عليه وقاله: "ظهرت لأخي ما أمرتك بستره عنه، فأوحشت (أفسدت) بذلك ما بيني وبينه"، وأمر بنقله من الإسكندرية لـ "المُطبِق" في مصر، وده كان سجن مرعب تحت الأرض، عشان يدفع ثمن لسانه اللي مصنش سر الأمير.
في رجب سنة 256 هجرية / يونيو سنة 870 ميلادية، قُتل الخليفة العباسي "المهتدي بالله". قال "الامام الذهبي" في وصف الخليفة "المهتدي بالله" في كتابه سير أعلام النبلاء: "وكان المهتدي أسمر رقيقا ، مليح الوجه ، ورعاً عادلاً صالحاً متعبداً بطلاً شجاعاً ، قوياً في أمر الله ، خليقاً للإمارة ، لكنه لم يجد معيناً ولا ناصراً ، والوقت قابل للإدبار".
الخليفة العباسي "المهتدي بالله" كان راجل تقي، وعاوز يصلح الدولة، ويمشي على خطى الخليفة الأُموي "عمر بن عبد العزيز"، وحاول بالفعل أنه يعمل كده، وبدأ بالتخلص من رؤوس الفساد، وابتداها بالتخلص من "باكباك" زي ما حكينا قبل كدة، وده طبعاً معجبش قادة الأتراك اللي عاوزين خليفة صورة وهما اللي يحركوه.
على الرغم من أن الخليفة "المهتدي بالله" قعد في الحُكم سنة واحدة بس، لكنها كانت مليانة أحداث ساخنة وصراعات دامية. ابتداها بصراعاته مع القادة الترك، وبعدها ثورة الزنج وتمرد "ابن شيخ" في الشام، ووسط كل الفوضى دي، ظهرت الدولة الصفارية سنة 253 هجرية.
مؤسس الدولة الصفارية كان "يعقوب بن ليث الصفار"، اللي نشأ في سجستان واشتغل في البداية صانع نحاس ودهب مع أخوه "عمرو". بس الطموح قلب حياته رأساً على عقب لما احترف القتال والجهاد، خصوصاً ضد الخوارج. ومع الوقت، جمع حواليه ناس بتدعمه وتدين له بالولاء. والوالي العباسي أعجب بيه، وعينه قائد جنده. "يعقوب" استغل انشغال العباسيين بحروب الزنج، وبدأ يتوسع، استولى على أجزاء من فارس وخراسان وطبرستان وغيرها، وأعلن دولته الصفارية. بس الخليفة العباسي رفض يعترف بالدولة دي، وكان شايفها تمرد واضح. وفي نفس السياق، كانت فيه الدولة السامانية بس دي كانت زي إقطاعية بمباركة الخليفة نفسه.
تعالوا نبتدي الحكاية من الأول عشان نفهم أكتر اللي حصل. في محرم سنة 256 هجري، لما "سيما الشرابي" - كان المسئول عن المشروبات الخاصة بالخليفة، وكان من المقربين جداً لغرفة نوم الخليفة وأسراره - طلع بجواب غامض، وقال إن واحدة ست جابته، وفيه نصيحة خطيرة للخليفة "المهتدي"، الخليفة جمع الأمراء وسألهم: "تعرفوا الخط ده؟"، واحد رد وقال: "ده خط صالح بن وصيف (المتمرد المختفي)"، وفيه بيقول إنه لسه موجود في سامراء، وإن سر الأموال والكنوز عند الوزير "الحسن بن مخلد". الجواب كان لهجة صاحبه قوية جداً، فـ"المهتدي"، بذكائه وحرصه على حقن الدماء، اقترح الصلح. لكن "موسى بن بغا" ورجالته شكوا في الخليفة واتهموه إنه بيلعب لحسابه، وتاني يوم بدأت سحائب التمرد تظهر، ورغبة القادة الترك في عزل الخليفة تسيطر.
وسط الهيصة دي، خرج "المهتدي" ليهم لابس ثياب بيض (كأنه لابس كفنه) ومتقلد سيفه، وبكل عزة قالهم: " قد بلغني شأنكم ، ولست كالمستعين والمعتز ، والله ما خرجت إلا وأنا متحنط ، وقد أوصيت ، وهذا سيفي فلأضربن به ما استمسك بيدي . أما دين أما حياء ، أما رعة ؟ كم يكون الخلاف على الخلفاء ، والجرأة على الله ؟". الأتراك طلبوا منه يحلف إنه ميعرفش مكان "صالح بن وصيف"، فقالهم لما أصلي الجمعة هحلفلكم، وهديت الأمور مؤقتاً.
في الوقت ده، وصل خراج فارس (10 مليون درهم)، أول ما صناديق الـ 10 مليون درهم دخلت من بوابات المدينة، عيون القادة الأتراك لمعت، وبدأوا يفركوا ايديهم مستنيين النهيبة الكبيرة، لكنهم اتصدموا بصخرة "المهتدي" اللي قفل الخزنة بالضبة والمفتاح، ورفض يوزعهم إتاوات وهدايا زي الخلفاء اللي قبله، وقال إن الفلوس دي هتروح لمصالح المسلمين وبس.
الخبر طار في شوارع سامراء زي النار في الهشيم، والناس بخبرتهم في العيشة وسط هَم القادة الترك، فهموا الفولة؛ عرفوا إن الخليفة اللي عاوز يحيي زمن "عمر بن عبد العزيز" مش هيعمر مع جند الترك اللي مبيحركهمش غير القرش. في لحظة، تحول خراج فارس من نعمة لنقمة، وتأكدت العامة إن الأتراك بيجهزوا لخلع الخليفة عشان يزيحوا اللي واقف بينهم وبين الذهب، فخرجوا يملوا المساجد بمناشير الدعم والدعاء لخليفتهم العدل، وهما حاسين إن الغدر خلاص بقى على الأبواب، وأهل الكرخ عرضوا عليه يثوروا معاه على "موسى بن بغا"، بس المهتدي شكرهم ووعدهم بالخير.
الدنيا كانت خربانة حرفياً؛ الزنج في البصرة، و"يعقوب الصفار" في خراسان، والفتنة في سامراء. القادة الترك بسبب منع الفلوس عنهم ومن قبلها قتل زعيم فسادهم "باكباك"، خلاهم اتجننوا وحاصروا دار الجوسق (قلعة الحكم في سامرا)، فالخليفة أمر برمي "باكباك" ليهم من فوق السور. وولعت النار، قامت ملحمة كبرى، قتل الخليفة ورجالته فيها آلاف من الأتراك.
تاني يوم، ركب "المهتدي" وبجانبه "صالح بن علي" (واحد من كبار البيت العباسي) وهو معلق المصحف في رقبته وبينادي: " أيها الناس ، انصروا إمامكم ". لكن فجأة، "باكيال" أخو "باكباك" هجم بـ 500 فارس، والأتراك اللي كانوا مع الخليفة خانوه وانضموا لعدوه. الدنيا ولعت، وجَمع "المهتدي" انفض من حوله، فبقى لوحده والسيف في إيده بيصرخ في الناس: " أيها الناس ، قاتلوا عن خليفتكم".
"المهتدي" هرب ودخل دار "صالح بن يزداد" (كبير الكَتبة، وأهل ثقة)، "المهتدي" دخل بيت "صالح" وهو متبهدل؛ رمى سيفه وخلع درعه ولبس هدوم بيضاء خفيفة عشان يعرف يتسلق السطح ويهرب، و"صالح" كان بيحاول يساعده، لكن حاجب "باكيال" عرف مكانه.
"المهتدي" وهو بيهرب من السطح، واحد ضربه بسهم والتاني نفحه بالسيف، وشالوه وهو بينزف ركبوه بغل وراه سايس. يضربوه بوعيد وقسوة وهم بيسألوه فين الذهب؟، فأقر لهم بـ 600 ألف دينار في بغداد من كتر الضرب والتعذيب والألم، ومضالهم على الورق.
حاولوا يساوموه إنه يتنازل عن الخلافة بإرادته ويمضي علىى ورقة خلع، لكنه رفض بكرامة وشموخ، وفضل يواجه الموت وهو خليفة شرعي. وفي لحظة غدر، هجم واحد من العساكر الأتراك على الخليفة "المهتدي"، وبكل خسة وتوحش، ضغط بكل قوته على خصيتيه عشان يذله ويكسره، وفضل يعذبه بالطريقة البشعة دي وهو بينازع لحد ما روحه طلعت واستشهد في شهر رجب سنة 256 هجرية.
مات الخليفة الزاهد اللي كان نفسه يرجع الحق لأصحابه، وقفلوا صفحته عشان يفتحوا صفحة جديدة ويبايعوا بعده "المعتمد على الله".
(يتبع)
مروة طلعت
18/4/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 – الإمام الذهبي.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4