أحمد بن طولون 7

 (7) ليه الخليفة والعباسيين سايبين "أحمد بن طولون" يضم الإسكندرية وبرقة ويتقاله 'تسلّم من نفسك لنفسك' ومحدش بيحاسبه؟ إجابة السؤال هتوضحلنا أد إيه "أحمد بن طولون" كان محظوظ، فرُب ضارة نافعة.

في سنة 255 هجرية / 869 ميلادية، لما تولي الخليفة "محمد المهتدي بالله" الخلافة، قامت ثورة الزنج ضد الدولة العباسية. وصف العلماء المعاصرون ثورة الزنج بأنها واحدة من أكثر الثورات دموية وأكترهم تدمير. في جنوب العراق، بالتحديد جنب البصرة، اندلعت واحدة من أخطر الثورات في التاريخ الإسلامي، واللي خلت العباسيين يواجهوا تحدي كبير جدا هدد الخلافة نفسها.
الحكاية بدأت في شوال سنة 255 هجرية / سبتمبر 869 ميلادية، لما واحد اسمه "علي بن محمد" ظهر على الساحة وادعى إنه من أهل البيت حفيد سيدنا "الحسين" - معظم المؤرخين قالوا أنه من الخوارج ومفيش بينه وبين سيدنا "الحسين" أي صلة نسب أو قرابة - وبدأ يستغل حالة الفوضى اللي كانت ضاربة العراق وقتها.
البصرة كانت مليانة عبيد زنوج - جايبينهم من شرق أفريقيا - شغالين في الأراضي السبخة، بيحاولوا يستصلحوها تحت ظروف معيشية في منتهى السوء. تخيل ناس طول اليوم في الوحل وتعب، ومع ذلك بياخدوا أقل حاجة تكفيهم يأكلوا ويعيشوا. وكان العبد مبيربطش بينه وبين سيده أي شعور بالولاء، بالعكس كان العبيد الزنوج بيكرهوا أسيادهم العرب جدا (حياة الماعز حرفيا) فوق ده كله كانت المدينة نفسها بتشهد صراعات بين قبائل زي البلالية والسعدية، يعني الوضع أصلا ملتهب، والفتنة جاهزة تنفجر في أي لحظة.
"علي بن محمد" شاف إن الجو مناسب عشان يشعل نار الثورة. بدأ يجمع العبيد حواليه ويقنعهم إنه جاي ينقذهم من الظلم اللي عايشينه. خطب خطب حماسية ولعب على مشاعرهم، لحد ما قدر يجند آلاف منهم - حاجة كده ألعن من ثورة عبيد سبارتكوس - وبدأوا يعملوا هجمات على المدن القريبة.
وقت الثورة دي كانت الدولة العباسية في حالة يرثى لها بسبب فوضى سامرا بين القادة الجند والخلافة، اللي عملت مشاكل سياسية كبيرة وأثرت على استقرار الدولة. الخليفة "المهتدي بالله" كان عنده خطة إنه يصلح الخلافة، لكن الثورة دي جاتله زي الكابوس وخربت كل حاجة كان بيحاول يعمله.
"علي بن محمد"، أو زي ما أتعرف بـ (صاحب العبيد)، مع جيشه من العبيد الزنوج، قاموا بحروب كثيرة ضد الدولة العباسية، وغزوا بالفعل بلاد اسلامية حوالين البصرة. ولما جم عند اقليم الأهواز - شرق البصرة - سجنوا "ابراهيم بن مدبر" عامل الخراج اللي فيها، وبعدها بفترة قدر يهرب.
ثورة الزنج دي استمرت 14 سنة وكانت أقل وصف ليها أنها مرعبة، لدرجة إنها ما انتهتش بسهولة، وأثرت بشكل ضخم على تاريخ الدولة العباسية. "علي بن محمد" استغل حالة غضب العبيد والفوضى السياسية، وفعلا كان قريب إنه يعمل دولة مستقلة، لكن في الآخر العباسيين قدروا يسيطروا، لكن بعد ما دفعوا تمن دموي فادح.
وبينما كانت البصرة تحترق، والخليفة "المهتدي بالله" بيحاول يطفي نار الزنج، كان "أحمد بن طولون" في مصر بيستغل كل دقيقة وكل دينار عشان يبني جيش ملوش مثيل، وكأنه كان عارف إن الدور جاي عليه، وإن اللي بيحصل في العراق مش مجرد ثورة، ده إعادة ترتيب لخريطة العالم الإسلامي كله.
في الوقت ده كانت فلسطين والأردن تحت إيد "أحمد بن عيسى بن شيخ الشيباني". صادف وفاته وقت قيام ثورة الزنج في البصرة، وده كان وقت مثالي لكل طامع أو طموح، الخليفة محتاس ومش فاضي، والجنود الترك ماسكين في خناق بعض في سامرا وبرده مش فاضيين، عشان كدة ابنه "ابن شيخ" مكدبش خبر وأستغل الفرصة، وراح واثب على الحكم في فلسطين والأردن، وحط إيده عليهم بوضع اليد وقال الأرض دي بتاعتي ومن عملي.
"ابن شيخ" كان قلبه ميت وأطماعه ملوش آخر. "ابن مدبر" (مسئول الخراج في مصر وثغور الشام) كان باعت قافلة مال ضخمة رايحة للخليفة في سامرا، مبلغ خرافي أكتر من 750 ألف دينار - الـ 750 ألف دينار دول وزنهم تقريباً 3,187 كيلوجرام ذهب خالص يعني أكثر من 3 طن ذهب - "ابن شيخ" وهو في فلسطين، استنى القافلة دي وقبض عليها. وقائد حرس الأموال سأله بغضب واستنكار: "إنت بتعمل إيه؟ دي فلوس الخليفة". رد "ابن شيخ" ببرود وقاله: "إحنا محتاجين الفلوس دي عشان نصرف على الرجال والجند بتوعنا"، وراح ماسك الـ 750 ألف دينار وموزعهم على أصحابه ورجالته عيني عينك. وده كان اعلان صريح على تمرده، وخروجه من تحت ايد سلطة الخلافة العباسية.
"ابن شيخ" كان عارف إن الدنيا في سامرا بايظة، والفتن مبهدلة الخلافة، عشان كدة شوكته قويت وطمعه زاد. بدأ يجمع الجموع ويجهز الجيوش، وكان عينه مش بس على فلسطين، ده كان عايز يبلع الشام كلها، لدرجة إن الناس لما شافت قوته وجبروته، قالوا أكيد مش هيقف عند الشام، ده ناوي يزحف على مصر ويخلص على "ابن طولون".
الخليفة "المهتدي بالله" في سامرا عرف إن السكوت على "ابن شيخ" معناه ضياع الشام. فبعت له وفد تقيل جداً؛ بعت له "حسين الخادم" المشهور بلقب مرعب وهو "عِرق الموت" – عِرق الموت هو العِرق اللي بيظهر على جبين المريض في لحظة الاحتضار وده وصف دقيق لراجل كان الخليفة بيبعته لما يحب يخلص المواضيع الصعبة أو يرهب خصومه - ومعاه اتنين من كبار الفقهاء هما "الكريزي" و"أبو نصر المروزي".
الوفد ده كان معاه عهد من الخليفة (قرار رسمي) بتثبيت "ابن شيخ" في ولايته، بس بشرط واحد: يرجع الـ 750 ألف دينار اللي سرقهم، ويدفع الضرايب اللي عليه، ويسيب باقي بلاد الشام في حالها. الخليفة كان مدي أوامره للوفد بإن لو "ابن الشيخ" وافق وسمع الكلام، يعطوه العهد، أما لو رفض وركب دماغه، يرجعوا بالعهد معاهم، ويبلغوه فوراً عشان يشوف صرفة معاه".
الوفد وصل لـ"ابن شيخ" وحاولوا يكلموه بالذوق والمنطق، بس هو كان خلاص الطمع أكل عقله. رد عليهم ببرود وسخرية وقالهم الفلوس أنا صرفتها كلها على الرجال ومبقتش موجودة، ورفض تماماً ينفذ أي طلب من طلباتهم ولا يرجع فلس واحد.
في مصر كمان "أحمد بن طولون" قرر برده يقتنص الفرصة، بس مش بنفس غباء "ابن شيخ"، "ابن طولون" كان لسة باقي على شعرة معاوية زي ما بيقولوا، يعني مكنش لسة عاوز يقطع حبال الود مع الخلافة وسامرا. "أحمد بن طولون" أستغل فرصة ضياع فلوس الخليفة من "أحمد بن مدبر"، وكمان هروب ابن عمه "ابراهيم بن مدبر" عامل الخراج في شرق البصرة من الزنوج، واللي يعتبر كان السند القوي والأساسي لـ"أحمد بن مدبر"، وأصدر قرار بعزل "أحمد بن مدبر" من منصبه وعين بداله على الخراج "محمد بن هلال" اللي كان ولاءه التام لـ"ابن طولون".
(يتبع)
مروة طلعت
17/4/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4