أحمد بن طولون 6
(6) في سامرا، كان فيه كارثة تانية. الجنود الترك اللي كانوا مسيطرين على الأمور في العاصمة عملوا شغب كبير. في نفس الوقت ده، كان وضع الدولة العباسية بيتدهور. الأقاليم الشرقية كانت بتنفلت من قبضتهم واحدة ورا التانية. لدرجة إن العاصمة نفسها، سامرا، ما كنتش آمنة من هجوم الجند المتمردين. ساعتها الخليفة "المعتز بالله" حاول ينقذ نفسه ويجيب دعم من "الأمير الطاهري" في خراسان.
في الوقت ده كانت الدولة العباسية متقسمة نفوذ. الأتراك مسيطرين على سامراء المركز، لكن في الشرق خراسان وما حولها كان فيه "الدولة الطاهرية"، ودول كانوا حلفاء مخلصين جداً للبيت العباسي، وعندهم جيش نظامي قوي وولائهم للخليفة نفسه مش للقادة الأتراك. "المعتز بالله" كان مخنوق من سيطرة القادة الأتراك (صالح بن وصيف وباكباك). كان عايز يجيب قوة خارجية تكسر شوكتهم في سامراء، فبعت للأمير "الطاهري" عشان ينجده. "المعتز" كان فاكر إنه لو جاب الطاهريين، هيقدر يرجع هيبة الخلافة، لأن الطاهريين كانوا بيحترموا منصب الخليفة جداً وعندهم أصول في التعامل، عكس الأتراك اللي كانوا بيتعاملوا مع الخليفة كأنه موظف عندهم. لكن الجنود الترك لعبوا لعبتهم وأجبروا "المعتز بالله" على إبعاد "الأمير الطاهري".
الجو في سامرا كان بيغلي، والشمس في شهر شعبان سنة 255 هجرية كانت بتحرق الحجر، بس الغليان الحقيقي كان جوه قصر الخلافة. الجنود الأتراك وعلى رأسهم "صالح بن وصيف" و"باكباك" - جوز أم أحمد بن طولون - فقدوا كل معاني الولاء، وبقوا شايفين الخليفة مجرد خزنة لازم تتكسر عشان ياخدوا اللي فيها. الجنود الترك طالبوا "المعتز بالله" بأموال ما قدرش يدفعها. ساعتها أصبح "المعتز بالله" في نظر الجند الترك كارت محروق ملوش لازمة.
الأتراك دخلوا على الخليفة "المعتز بالله" وهو قاعد في مجلسه، وبكل قلة أدب وجبروت، جروه من رجله من فوق عرشه، وسحلوه لحد باب المجلس. الخليفة أمير المؤمنين اللي المفروض الأرض تتهز تحت رجله، بيتقطع قميصه وبيتهان قدام خدامينه.الأتراك مكنوش عايزين بس يعزلوه، كانوا عايزين يذلوه. وقفوه في البلكونة برا في عز الشمس الحارقة، وضربوه بالمقارع على جسمه، وهو عمال يرفع رجل وينزل رجل من حرارة الأرض، وجسمه غرقان في عرق الدم والألم، وهما بيصرخوا في وشه اعتزل يا ابن المتوكل، فين الفلوس.
المعتز بالله، وهو بيموت من وجع الألم والاهانة، بعت رسالة لأمه "قبيحة" - اللي كانت بتكنز الذهب والجوهر في صناديق مخفية - وقالها: "يا أماه، أدركيني بالمال وإلا قتلوني". والرد هنا كان الصدمة "قبيحة" اللي كانت بتحارب الدنيا عشان ابنها وعرشه، جت لحظتها وفضلت الذهب على ابنها، وردت ببرود: "ما عندي شيء".
لما الأتراك يأسوا من الفلوس، قرروا ينهوا حياته بأبشع طريقة ممكن تتخيلها. حبسوه في سرداب ضيق جداً، ومنعوا عنه الأكل والشرب لمدة 3 أيام. وفي اليوم التالت، لما العطش والجوع هدّوا حيله، جابوا له شربة مية مالحة، ولما شربها، سدوا عليه باب السرداب تماماً وخنقوه بالدخان والتراب لحد ما لفظ أنفاسه الأخيرة وحيداً في الظلام.
وعشان يكملوا المسرحية الهزلية، جابوا القضاة والشهود وبصصوهم على الجثة من بعيد، وقالوا لهم شايفين مفيش أثر جرح ولا ضرب أهو، ده مات ميتة ربنا. وطبعاً، مين في سامرا وقتها كان يقدر يعترض أو يفتح بقه قدام الجند الأتراك.
المفارقة بقى، إن "قبيحة" بعد ما ابنها اتقتل، الأتراك هجموا على بيتها وطلعوا كنوز من تحت الأرض كانت تكفي تدفع رواتب الجيش سنين قدام، بس الطمع عماها، وخلاها تخسر ابنها وتخسر مُلكها وتخسر حياتها.
المشهد البشع ده، كان هو الدرس اللي "أحمد بن طولون" شافه من بعيد وهو في مصر، الحاكم اللي ملوش جيش وقوة ونفوذ تحميه، ومال يغنيه، هيكون نهايته في السرداب. ومن هنا، "ابن طولون" حلف إنه مش هيكون مجرد موظف في دولة بتموت، وبدأ يفكر أن مصرهي طوق النجاة الوحيد من جحيم سامرا.
لما أعتزل وأتقتل الخليفة "المعتز بالله"، شم "ابن طولون" نفسه شوية، عشان خلص من "قبيحة" أم "المعتز"، وبالتالي خلص من "شقير" تابعها، واحد من الاتنين اللي كاتمين على نفسه في مصر. وراح باعت الحراس قبضوا على "شقير"، وعرض عليه رسايله اللي بعتها لسامرا، اللي كلها تحريض ودسيسة. وأمر "أحمد بن طولون" الحراس، يضربوا "شقير"، فالحراس مصدقوا وقاموا بالواجب وزيادة، مغلولين منه، وفي الآخر رجعوه بيته عشان يموت فيه.
بعد مأساة المعتز بالله، قعد على كرسي الخلافة "المهتدي بالله"، وده كان راجل في قلبه غل من "باكباك" (جوز أم ابن طولون وسنده في سامراء)، ومكدبش خبر، أمر بقتله فوراً وصفى كل نفوذه. "أحمد بن مدبر" لما سمع خبر مقتل "باكباك" طار من الفرح، خلاص كدة أخيرا هيخلص من كابوس "أحمد بن طولون"، بس اللي مكنش حد يتخيله إن البديل لـ"باكباك" على مصر هيكون هو "يارجوخ التركي".
"يارجوخ" ده كان حما "أحمد بن طولون". "أحمد" كان متجوز بنت "يارجوخ"، والبنت دي كان لها مقام وشأن كبير جداً – حبيبة أبوها - والخليفة "المتوكل" هو اللي كان شاهد على زواجهم. وعشان كدة، "يارجوخ" كان بيعتبر "أحمد بن طولون" مش بس نائبه، ده كان ابنه وحبيبه وأكبر عون ليه.
أول ما "يارجوخ" استلم ولاية مصر مكان "باكباك"، بعت رسالة لـ"أحمد بن طولون"، كتبله فيها: "تسلّم من نفسك لنفسك". الجملة دي وصلت لـ "أحمد" إن مصر بقت بتاعته، مش بس كدة، ده زودله كمان كل الأراضي اللي كانت برا سلطته؛ فبعت لـ "إسحق بن دينار" والي الإسكندرية يسلّم البلد لـ"ابن طولون"، وتسلم كمان الصعيد وبرقة من "أحمد بن عيسى". الخبر ده لما وصل لـ "ابن مدبر"، نزل عليه زي الصاعقة، الغم والقلق أكلوه، وعرف إن اللعب مع "ابن طولون" دلوقتي خطر، فاضطر يغير جلده ويبدأ يتمسكن ويلاطف "أحمد" عشان يتقي شره ويقرب منه.
"أحمد بن طولون" كان له أخ شقيق أسمه "موسى". "موسى" كان راجل فيه خير وبتاع ربنا، ولما لقى الإسكندرية بقت تبع أخوه، والبلد دي ثغر (ميناء) يعني مكان للرباط والعبادة، اشتهى إنه يحكمها. راح لـ "أبو يوسف الكاتب" (وزير أحمد) وطلب منه يتوسطله عند أخوه.
في الوقت ده، ظهرت فكرة "المرابطة"، وهي إن الشخص يسيب ترف المدن (زي بغداد والفسطاط) ويروح يعيش على الحدود لسببين، الأول كان بيعتبروا الوقوف لحماية حدود المسلمين أعظم العبادات. والحديث الشريف بيقول: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها". فكان الزاهد يروح هناك عشان يجمع بين حماية الناس وبين الخلوة مع الله. السبب التاني أن المدن الكبيرة كانت مليانة صراعات سياسية وقصور ودوشة، إنما الثغور (زي الإسكندرية في مصر، أو طرسوس في الشام) كانت بعيدة، جوها هادي، والناس اللي فيها قلوبهم متعلقة بالآخرة لأنهم على خط النار (بينهم وبين البيزنطيين بحر) وممكن يستشهدوا في أي لحظة.
"أحمد بن طولون" في الأول كان رده بارد مفيهوش حماس، وده خلى "موسى" يزعل جداً ويقوله بكسرة نفس: "تالله قد أيست منك ومن مرتبة أنا لها بك في الدنيا، وانما طلبت هذا البلد لأنه ثغر من الثغور، اخترت المقام فيه والتعبد". اللي "موسى" مكنش يعرفه إن أخوه "أحمد" كان شايله مفاجأة أكبر بكتير؛ كان عنده علم أن "يارجوخ" هيبعتله ولاية ثغور الشام، فحط في باله أن"طرسوس" - أحب البلاد لقلب أحمد – هيولي عليها أخوه "موسى"، لأن طرسوس ثغر، وكانت وقتها مقامها أعظم بكتير من الإسكندرية في العلم والدين والرباط، زي ما "موسى" عاوز، بس "أحمد" كان كاتم السر لحد ما رسالة "يارجوخ" توصل.
وفي سنة 256 هجرية، خرج "أحمد بن طولون" للإسكندرية عشان يستلمها بنفسه، وكان قلبه طاير من الفرح، مش عشان التوسعات، لكن عشان حبه للرباط في الثغور، زيه زي "موسى" أخوه.
"إسحق بن دينار" (والي الإسكندرية) كان متوقع إن "أحمد" جاي عشان يطرده من منصبه، فقرر يخرج يقابله في الطريق ميستناش لما يوصله، تقدير واحترام. خرج "بن دينار" لحد ما قابل "أحمد بن طولون" في أبعد نقطة برا المدينة، وأول ما شاف موكب أحمد بن طولون، نزل من على حصانه ومشى على رجله احتراماً لهيبة الرياسة.
"أحمد بن طولون"، كان معروف عنه إنه حيي ورقيق الوجه (بيتحرج جداً)، لما شاف الذوق والأدب ده من "إسحق بن دينار"، اتكسف من نفسه جداً وماقدرش يقيله. غلب عليه حياءه ونبل أخلاقه، وقرر في اللحظة دي إنه يسيب "إسحق بن دينار" في منصبه والي على الإسكندرية زي ما هو، تقديراً لموقفه النبيل ده.
(يتبع)
مروة طلعت
15/4/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ #أحمد_بن_طولون #تاريخ_مصر #سيد_الديار #القطائع #السيرة_الطولونية
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.

تعليقات
إرسال تعليق