أحمد بن طولون 5
(5) لما رجع "أحمد بن طولون" على سامرا، بعد مقتل "المستعين بالله"، دخل في الحياة السياسية بذكاء، وقدر من خلال جوز أمه "باكباك"، أنه يتقرب من القادة الترك المحاوطين للخليفة "المعتز بالله". وفي سنة 254 هجري / 868 ميلادي أتولى "باكباك" حكم إمارة مصر. ووقع اختياره على "أحمد بن طولون" عشان يكون نائبه هناك، ووصفه بـ "الثقة الأمين، الحبر، الدين، الخير"، وضمه للجيش.
وفي ظل الظروف المريبة اللي بتحصل، والصراعات في سامرا، كان فيه تقليعة غريبة بيعملها قادة الترك اللي بيتولوا حكم إمارات؛ كانوا بيبعتوا نائب ليهم يحكم بدالهم فيها بأسمهم، ويفضل القائد التركي الحاكم الأصلي في سامرا، عشان يفضل جوا المطبخ السياسي متابع الأحداث، ويراقب كل شاردة وواردة، عشان ميلقيش نفسه في لحظة يا مخلوع يا مقتول يا بعيد عن تقسيمة التورتة. وعشان كده بعت "باكباك" لمصر، "أحمد بن طولون" كنائب له، مقلداً "القصبة" (يعني الفسطاط العاصمة) وما حولها.
وفي ليلة هادية من ليالي رمضان، وتحديداً يوم الأربعاء 23 رمضان سنة 254 هجري / 15 سبتمبر 868 ميلادي، وصل "أحمد بن طولون" لمصر، وهو في دماغه فكرة خطيرة يستغل فيها ضعف وتفكك الدولة العباسية، وفوضى الجنود الأتراك. وصل ومعاه تابعه الشاب "الواسطي" اللي كان خدم المستعين لما كان حراسة الخليفة في إيد أحمد، ومعاه كمان شوية جند، عشان لو حصلت ثورة أو حد من الموظفين قرر يدبرله دسائس، يكون جاهز يحمي نفسه.
أول ما دخل "أحمد بن طولون" مصر، أفتكر يوم ما بعتتله "قبيحة" أم الخليفة "المعتز بالله" وطلبت منه يقتل "المستعين بالله" مقابل أنها هتديله ولاية واسط. أبتسم "أحمد بن طولون" وهو داخل على مصر، وبص لـ"الواسطي" وقاله: "غاية ما وُعِدت به في قتل المستعين واسط، فتركت ذلك لله، فعوضني ولاية مصر والشام".
ويحكي البلوي عن شيخ من شيوخهم كان قاعد في دكان في الشارع مع الناس بيراقبوا دخول الوالي الجديد وترتيبه، وكان جنبه راجل مكفوف اسمه "أبو قبيل" (صاحب الملاحم)، سألوه: كتبكم بتقول إيه عن اللي داخل ده؟، قالهم: ده راجل من صفاته كذا وكذا، وهيحكم هو وولاده البلد دي قريب من 40 سنة. ومكملش كلمته إلا و"أحمد بن طولون" داخل، فكانت صفته وشمائله زي ما الشيخ وصف بالظبط. وفعلاً الطولونيين حكموا مصر 38 سنة.
أول ما دخل "أحمد بن طولون" مصر، لقى في استقباله "أحمد بن مدبر"، اللي كان عامل الخراج ومتولي منصبه من سنة 247 هجرية / 861 ميلادية، و"شقير" الخادم (أبو صحبة) اللي كان مسؤول عن البريد. "شقير" ده كان من موالي "قبيحة" والدة الخليفة "المعتز بالله"، ومهمة عامل البريد وقتها إنه يكون عين الحكومة المركزية على الولاة والموظفين في الأقاليم.
"أحمد بن مدبر" كان أصله فارسي، وبدأ حياته في الدولة أيام الخليفة "الواثق بالله"، وكان شاطر جدا في شغل المالية، لدرجة إنه اتعين عامل على الخراج في حمص سنة 240 هجرية. وبعدها بسنين وصل مصر واستلم خراجها، لكنه أتسبب في تغيير أحوال المصريين للأسوأ.
"ابن مدبر" ده كان من دهاة الناس، وشياطين الكتاب والعمال الأجلاء. "ابن امدبر" كان عايش بهدفين، يجمع فلوس لنفسه، ويقدم هدايا كبيرة للحكومة في سامرا عشان يفضل في مكانه. وعشان كده ابتدع في مصر بدع وقوانين ظالمة فضلت سنين طويلة لدرجة إن وزراء كبار زي "علي بن عيسى بن الجراح" حاولوا يلغوها بعد كده ومقدروش من كتر ما هي محبوكة بدهائه. "ابن مدبر" حط إيده على كل حاجة؛ صادر النطرون (كربونات الصوديوم) اللي كان مباح للناس وعمله ديوان لوحده، وأجر عامل شديد عليها عشان الناس تخافه، وحظر بيعه إلا من خلاله، وحط ضريبة على المراعي الطبيعية (العشب المباح المطلق التي أنبتها الله عز وجل لعباده ترعاها بهائمهم.)، والأدهى من كده ضريبة المصايد على صيد البحر. ولما استحي من ذكر كلمة مصايد وشناعة القول فيها، أمر إنها تتكتب في الديوان بأسماء تانية زي خراج مضارب الأوتاد ومفارش الشباك. وعمل كدة برده في بلاد الشام اللي كان برده محتسب عليها. ومن يومها والضرايب دي موجودة، لا وانتشرت في العالم كله كمان.
مش بس كده "ابن مدبر" قسم ضرائب مصر لنوعين، ضرائب شهرية سماها "الهلالية" أو "المرافق والمعاون"، وكانت بتتجمع من كل حاجة حرفيا. الطريقة دي خلت الناس تعيش في بؤس شديد، وكانت النتيجة إن الغلابة في مصر ما قدروش يستحملوا. قامت ثورات في الإسكندرية، وشرقي الدلتا، والجيزة، بس "ابن مدبر" قضى عليها كلها بكل وحشية ودموية.
"أحمد بن مدبر" كان عايش في مصر كأنه ملك، بيخرج ويرجع في أي مكان محاوط نفسه بـ 100 غلام من مواليد الغور - جبال وولاية بين هراة وغزنة وهي بلاد واسعة موحشة والساكنون في الاغوار في العادة سمر البشرة - وحوش بشرية، سمر البشرة، طوال الأجسام، لابسين خفاتين وأقبية ومناطق تقيلة وعريضة، وماسكين في إيديهم مقارع غليظة متطعمة بالفضة. الهيلمان ده لفت نظر "أحمد بن طولون" جامد وهو شايفهم واقفين في حافتي مجلس "ابن مدبر" كأنهم سور من حديد. أول ما "أحمد بن مدبر" قابل "أحمد بن طولون"، جابله هدية ضخمة بحوالي 10 آلاف دينار، لكن المفاجأة إن "ابن طولون" رفضها وردّها. هنا "ابن مدبر" اترعب منه وقال لكاتبه: "إن هذه لهمة عظيمة، ومن كانت هذه همته فغير مأمون". جملة عبقرية ووجهة نظر خطيرة، من تعلب عجوز دارس وحافظ النفوس البشرية أحسن من أجدعها ثيرابيست دلوقتي. وجهة نظر "ابن المدبر" أن اللي متقدرش تشتريه متثقش فيه وخاف منه، وكانت نظرته على حق.
"أحمد بن طولون" بعقليته العسكرية والسياسية الجبارة، فهم "ابن مدبر"، وفهم معني رسالته اللي كان عاوز يوصلهاله بهيلمانه وهديته، ده واحد مسيطر بشكل مرعب، ومتعود يسيطر على كل والي أو نائب يجيله، يأكله قرشين جنبه في اليومين اللي مقضيهم، يأمن بيهم مستقبله ويمشي، انما "أحمد بن طولون" كان عنده تفكير مختلف، وكان لازم يرمي بياضه عشان ويقدم حركة أقوى من حركة "ابن المدبر". بعت "بن طولون" ل"ابن مدبر" وقاله: "قد كنت، أعزك الله، اهديت لنا هدية وقع الاستغناء عنها، فلم نجز تغنم مالك، كثره الله، فرددناها توفيرا عليك، وأحب ان تجعل العوض منها الغلمان الذين رأيتهم بين يديك، فأنا اليهم أحوج منك". طبعا "ابن مدبر" مقدرش يرفض، دي أوامر نائب الوالي وهو طلع ولا نزل مجرد مسئول الخراج.
لما أستلم "ابن مدبر" الرسالة وقراها بص لـ"شقير" وقاله: "هذه أُخرى أعظم مما تقدم قد ظهرت من هذا الرجل، كيف آمنه إذا كان يرد الأعراض والأموال، ويستهدي الرجال ويستأثر عليهم". اضطر "ابن مدبر" يتنازل عن الـ 100 غلام، وده خلاه يخسر جزء كبير من سلطته ومظهر العظمة اللي كان عايش فيه، وكسر هيبة "ابن مدبر" في وسط الفسطاط.
على مدار 33 سنة هي عُمر "أحمد بن طولون"، كان "أحمد بن مدبر" أول شخص قدر يقراه كويس ويقيمه صح. "أحمد بن طولون" مكنش الراجل الزاهد بتاع ربنا الطيب المُسالم مأمون الجانب، زي ما القادة الترك في سامراء مكونين فكرتهم عنه، "أحمد بن طولون" كان طموح وعنده هدف كبير، وعشان كدة "ابن مدبر" حس بالخطر، وراح قايل للكاتب بتاعه يكتب للخلافة في سامرا عشان يبلغهم خطورة وجود واحد زي "ابن طولون" مكانه مش في مصر، مفروض يبقى مكانه قريب من قلب الدولة أو حواليها، لأنه شخصية مخيفة وغريبة عن المعتاد. لما الكاتب سأله ليه؟ قاله لما واحد يرفض 10 آلاف دينار، يبقى ده شخص مش طماع وده صعب الحكومة تتحكم فيه.
من اللحظة اللي ظهر فيها "أحمد بن طولون" في الصورة، بدأ صراع الدسائس من تحت الترابيزة في سامرا العاصمة العباسية. وكل واحد فيهم كان بيحاول يكسب عمال وجنود الحكومة المركزية لصالحه. "أحمد بن مدبر" بعت رسالة لسامرا عاصمة الدولة العباسية، بيحذرهم من طموح "ابن طولون" وإنه ناوي يستقل بمصر.
اللي جنن "ابن مدبر" بزيادة، وخلاه يضرب أخماس في أسداس، إن "أحمد بن طولون" اللي رفض الـ 10 آلاف دينار بتوعه، قِبِل في نفس الوقت هدية بنفس المبلغ (10 آلاف دينار) من "علي بن معبد البغدادي"، وده كان واحد من كبار أعيان ووجهاء مصر. الحركة دي كانت رسالة سياسية مشفرة وذكية جداً؛ "ابن طولون" مكنش زاهد في الفلوس كفلوس، هو كان رافض يدخل تحت ضرس "ابن المدبر" أو يكون مدين له بجميل يخليه يسكت على بلاويه في الخراج. هو اختار يقبل هدية أهل البلد عشان يبدأ يبني تحالف مع أعيان مصر بعيداً عن شلّة المنتفعين، وكأنه بيقول لـ"ابن مدبر" أنا مش للبيع بفلوسك. "ابن مدبر" فهم وعرف إن "ابن طولون" بيخطط لبعيد، فهم أن اللي بيفرش لنفسه في قلوب المصريين من أول يوم ده، نيته يستولي على مصر باللي فيها لوحده.
وأشتغلت الرسايل والمكايد، "ابن مدبر" بيبعت رسايل لـ"قبيحة" وللقادة الترك في سامرا، بيصرخ ويستنجد، ألحقوا "أحمد بن طولون" هيستقل بمصر، هياخد مصر منكوا ياناس. لكن "ابن طولون" كان له علاقات طيبة ببعض أقطاب الحكم في سامرا، ده غير أن الكل عاش وعاشر وشاف "ابن طولون" المهاود المستكين اللي مبيخرجش من بقه العيبة، فكان ده أخر راجل حد يصدق أنه ممكن يعمل كده، فمحدش صدق رسايل "ابن المدبر" و "شقير"، وأعتبروها مجرد رسايل كيدية.
"أحمد بن طولون" برده كان ليه حليف مهم في سامرا، وهو "حسن بن مخلد" واحد من قادة الترك الكبار، واللي كان مابينهم علاقات طيبة وودية، وزيادة عليها كان "أحمد بن طولون" بيبعتله هدايا من مصر، فكان "حسن بن مخلد" أكبر عون لـ "احمد بن طولون" وعينه في سامرا، فمكتفاش "بن المخلد" بأنه يقوله على دسائس ومكايد "ابن مدبر" و"شقير" وبس، لا ده كان بيبعتله أصلا رسايلهم الأصلية بخط ايدهم، اللي بتوصلهم سامرا.
كل ده و"أحمد بن طولون" بيراقب من مصر، وبيرتب ورقه لتحقيق طموحه وهدفه الأكبر. بس إزاي هتحصل المواجهة الكبرى؟ ده اللي هنعرفه في الحلقات الجاية ان شاء الله.
(يتبع)
مروة طلعت
12/4/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ #أحمد_بن_طولون #تاريخ_مصر #سيد_الديار #القطائع #السيرة_الطولونية
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.

تعليقات
إرسال تعليق