(4) الخليفة "المستعين بالله" للأسف كانت سلطته ضعيفة جداً قدام نفوذ القادة العسكريين الترك اللي كانوا بيسيطروا على الأمور فعلياً. في الوقت ده، كان فيه صراع كبير بين القادة الأتراك اللي ماسكين زمام الأمور في الدولة العباسية. واحد من القادة دول كان اسمه "موسيح بن بغا"، وده كان بيدعم الخليفة "المستعين بالله"، لكن على الناحية التانية كان فيه قائد أقوى وأخطر اسمه "صالح بن وصيف"، وده كان شايف إن "المستعين" مش مناسب للخلافة. الأمور بين القادة العسكريين اتطورت بسرعة، و"صالح بن وصيف" غلب "موسيح بن بغا"، وقرر إنه يخلع "المستعين بالله" ويجيب مكانه واحد تاني. الخليفة "المستعين بالله" اضطر إنه يتنازل عن الحكم بالغصب سنة 251 هجرية / 865 ميلادية، لصالح ابن أخوه "المعتز بالله بن المتوكل"، بعد ما لقى نفسه متحاصر وما عندوش أي خيار تاني.
لما اتخلع "المستعين بالله" القادة الترك بلغوه أنه مش بس مخلوع، ده أنت كمان منفي، هتسيب سامرا وتسافر واسط – مدينة في وسط العراق حالياً - بس أدوله إمتياز أنه يختار حد يكون في صحبته هناك في واسط، يعني أعطوه حق اختيار سجانه في المنفى بنفسه على مزاجه، كتر خيرهم والله. أختار "المستعين بالله" أن يكون معاه "أحمد بن طولون"، لأنه كان واثق في دينه وأمانته. الاختيار ده مقلقش القادة الترك، عشان كانوا عارفين "أحمد بن طولون" كويس، من خلال الفترة اللي قضاها معاهم، أنه في حاله، راجل نضيف وبتاع ربنا، مفيش منه قلق. ولو راجعت الحلقات اللي فاتت اللي لينكاتها في اخر المقالة اكيد هتفهم أكتر.
وفعلاً سافروا لواسط، وهناك "أحمد بن طولون" عامل الخليفة المخلوع "المستعين بالله" بأحسن معاملة، لدرجة إنه سابه يتنزه ويصيد براحته عشان ميحسش إنه سجين. ومن كتر ذوق وأدب "أحمد"، خاف إنه يضايق "المستعين" بوجوده المباشر طول الوقت، فخصص له كاتبه الخاص "أحمد بن محمد الواسطي"، وكان غلام ذكي وفصيح، عشان يقضي الوقت مع "المستعين" وينسيه كونه منفي. "المستعين" أنس بيه جداً وارتاح لمعاملة "ابن طولون" الراقية اللي حفظت له كرامته هو وأهل بيته.
بعد ما سافر"المستعين بالله"، وكان المفروض يعيش في واسط بعيد عن السياسة، لكن القادة الترك في سامراء كانوا خايفين إن "المستعين" في يوم من الأيام يطالب بالخلافة تاني. لموا بعضهم وطلبوا مقابلة "قبيحة" أم الخليفة الجديد "المعتز بالله"، فعرفوها الموقف وخوفوها من "المستعين"، وبكدة قوي الخوف في نفسها واضطربت، وقررت تخلص منه خالص. بعتت لـ "أحمد بن طولون" عرض مسموم؛ كتبتله رسالة قالت له فيها: "اذا قرأت كتابي فجئني برأس المستعين، وقد قلدتك واسط".
"أحمد بن طولون" قرأ رسالتها، والدم غلي في عروقه، وغضب بشدة، ورد عليها برسالة وقال فيها: "والله لا يراني الله عز وجل أقتل خليفة له في رقبتي بيعة وأيمان مغلظة أبداً". "أحمد" رفض السلطة والولاية عشان أمانته، الرد ده خلى الأتراك يحترموه أكتر ويقدروه.
بس ليه القادة راحوا لـ"قبيحة" أم الخليفة بدل ما يروحوا للخليفة ذات نفسه؟. في الفترة دي، "قبيحة" مكنتش مجرد أم خليفة، دي كانت واحدة من أقوى الستات في تاريخ الدولة العباسية. كانت بتدير أمور كتير من ورا الستار، وعندها نفوذ وسيطرة على "بيت المال" الخاص (خزنتها الشخصية كانت أضخم من خزينة الدولة). القادة الأتراك كانوا عارفين إن كلمتها هي اللي بتمشي على ابنها "المعتز"، وإنها لو اقتنعت بخطر "المستعين"، "المعتز" هيمضي على القرار وهو مغمض. القادة الأتراك حبوا يخلوا "المعتز بالله" بعيد عن وش المدفع. لو المعتز هو اللي أصدر الأمر مباشرة بقتل ابن عمه "المستعين"، شكله قدام الهاشميين وباقي الجيش هيكون قاتل قرابة وده ممكن يسبب ثورة ضده. لكن لما الخطة تطلع من "قبيحة" والقرار يتنفذ بضغط منها، بيبقى فيه غطاء للخليفة إنه كان بيحمي ملكه بناءً على نصيحة أمه والمقربين.
المعتز بالله كان شاب صغير (حوالي 19 سنة) ومنشغل بالملذات والقصور، ومكنش حاسس بخطر "المستعين" زيهم. لكن "قبيحة" كأم، كان عندها غريزة الحفاظ على ملك ابنها. القادة لعبوا على وتر الخوف عندها. بالإضافة أن "المعتز" كان لسه بايع المستعين على الأمان لما اتنازل له عن الحكم، فكان صعب عليه أدبياً ينقض العهد ده بسرعة. "قبيحة" مكنتش طرف في العهود دي، فكانت هي الأداة الأسهل لتنفيذ الجريمة من غير ما المعتز يكسر كلمته بشكل مباشر قدام الناس.
لما "قبيحة" وصلها رد "أحمد بن طولون" بالرفض على طلبها، بعتتله "سعيد الحاجب" عشان ينفذ المهمة، لكن بشكل رسمي، معاه خطاب بتسليم "المستعين" له. وفي يوم 3 شوال 252 هجرية، "المستعين" كان قاعد مع "أحمد بن محمد الواسطي" بيتسامروا كعادتهم، فجأة شاف غبرة خيل جاية من بعيد، فسأل مين اللي جاي علينا، قام "الواسطي" بص وقاله ده سعيد الحاجب"، في لحظة أصفر لون "المستعين" وبص لـ"الواسطي" وقال: "يا أبا عبد الله أنا استودعتك الله، هذا جزار بني هاشم قد جاءني".
"أحمد بن طولون" مكنش يقدر يمنع "سعيد الحاجب" لأن معاه أمر رسمي، بس بذكاء القائد جاب قاضي واسط والشهود وخلاهم يشهدوا إنه بيسلم "المستعين" سليم وحي عشان يبرئ ذمته قدام ربنا والتاريخ. "سعيد" أخد "المستعين" وطلع بيه للصحراء، ودخله خيمة، وبعد شوية خرج وركب فرسه ومشي. ولما "أحمد" والواسطي" جالهم خبر أن "الحاجب" سافر لوحده، جريوا وراه فلاحظوا الخيمة اللي قعد فيها وهي مرمية ع الأرض، فرفعوا الخيمة، لقوا جثة "المستعين" تحتها وهي مطروحة من غير راس.
"أحمد بن طولون" متمالكش نفسه، وبكي هو و"الواسطي" بحرقة، وينتحب عليه زي ما الأم بتبكي ابنها (كما تبكي الثكلى)، وفضل واقف على رجليه لحد ما غسله وكفنه وصلى عليه ودفنه بنفسه في واسط، وبعدها رجع على سامرا وهو شايل في قلبه حمل تقيل.
سمعاك بتسأل أدام "أحمد بن طولون" عارف نيتهم على قتل "المستعين بالله" ليه محذروش أو محاولش يحميه؟. "أحمد بن طولون" كان في موقف حساس جداً؛ الخليفة الجديد "المعتز بالله" كان مدعوم من الجنود والقادة الأتراك وما أدراك ما هم، و"أحمد بن طولون" كان لسه في بدايات صعوده السياسي، ميقدرش يقف قصادهم عسكرياً، تدخله المباشر كان هيعرض حياته للخطر من غير ما ينقذ الخليفة، والترك كانوا هم القوة الرئيسية. "أحمد" اختار يواجههم بالأخلاق والرفض القاطع للمشاركة في الجريمة، وده اللي ثبت أقدامه وخلّى سيرته الحسنة على كل لسان قبل ما القدر يبعته لمصر.
(يتبع)
مروة طلعت
11/4/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تعليقات
إرسال تعليق