أحمد بن طولون 30

(30) في يوم من الأيام، والشمس بتميل للغروب وبترمى غزلها الدهبي على مية النيل، خرج "محمد بن سليمان" يتمشى لحد ما رجله سحبته لبرة حدود مدينة القطائع. فضل ماشي والهموم بتطحن في عقله لحد ما وصل عند قبة الهواء، دي قبة عالية بناها "أحمد بن طولون" في مكان استراتيجي ساحر، بتطل على النيل من ناحية، مكان يشرح القلب، كأنها كاشفة البر كله. وهي نفس القبة الشاهدة على أعجب قصص الطموح والدهاء التي نوثقها لكم في "عايمة في بحر الكتب".

"محمد بن سليمان" دخل القبة، لقى هناك القائد "الحسين بن حمدان" – عم الشاعر "أبي فراس الحمداني"، و"سيف الدولة الحمداني" - وقاعد معاه جماعة من كبار القواد. قعد وسطهم، سحب نفس طويل من الهوا العليل، وبص للنيل بنظرة فيها ألف معنى ومعنى، وفجأة طلع من جوه قلبه تنهيدة عالية وقال: الحمد لله.. الحمد لله اللي بيده الأمر كله، يفعل في ملكه ما يشاء.

"الحسين بن حمدان" لقط النبرة الغريبة في صوته، وبص له بطرف عينه وابتسم ابتسامة خبيثة وقاله: جرى إيه يا "ابن سليمان"؟ مفيش شك إن حمدك لربنا، وتجديدك للحمد في اللحظة دي بالذات وراه أمر كبير، إيه الحكاية؟. "محمد بن سليمان" اِتعدل في قعدته، وضيق عينيه وهو بيفتكر، وقال بنبرة مليانة شجن وتشويق: نعم وراه أمر، بس مش أي أمر؛ ده موضوع عجيب وطريف جداً، وافتكرته دلوقتي وأنا قاعد معاكم. في نفس المكان، زمان، لما جيت مصر أول مرة، جيتها وأنا حالي يصعب على الكافر، رث الثياب، هدمتي مقطعة، ولابس ملابس صغار الأتباع والخدامين. الدنيا ضاقت في وشي ومكنتش لاقي لقمة العيش، لحد ما ضاقت بيا السبل واتصلت بـ"لؤلؤ الطولوني" اللي كتر خيره، مصرفنيش، وجبر بخاطري، وجعل لي دينارين اتنين كل شهر، وعيني مشرف في إسطبل الخيل والبهائم بتاعه، يادوب أخد بالي من العلف والدواب. سكنت هناك في ضلمة الإسطبل، ومكنش حد يعرف وشي ولا حاجة عني، وعمري ما اِتجرأت ولا كان ينفع أقف بين إيدين "لؤلؤ" نفسه.

القواد كلهم سكتوا وانتبهوا لحكايته، فكمل "محمد بن سليمان" وهو بيلتفت لمكان القبة: وفي يوم من الأيام، فجأة لقيت "لؤلؤ" طالبني بالاسم، رحت له ودخلت عليه وأنا مرعوب، فبص لي باستغراب وقالي ويحك يا محمد، هو الأمير "أحمد بن طولون" يعرفك منين؟. أنا ركبي خبطت في بعض وقلت له وخايف والله يا سيدي ما رآني قط، ولا عينه وقعت عليا إلا عابر سبيل في طريق، وأنا أصلاً مين عشان أتصدر لمجالسه أو يشوفني ويعرفني؟. "لؤلؤ" هز راسه وقالي الأمير كان قاعد في قبة الهواء، وبعت لي وقالي عندك رجل أشقر، عينيه زرقا، اسمه "محمد بن سليمان"؟ فقلت له ما أعرفه يا مولاي. فـ"ابن طولون" قالي بغضب: لا هو جنبك وتحت إيدك، أبعده عنك فوراً، فإني رأيته البارحة في منامي وفي يده مكنسة، يكنس داري بها. ما تخليوش يتعرف على حد من حاشيتي واطرده بره البلد.

"ابن طولون" لما شاف "محمد بن سليمان" في المنام مرتين وهو ماسك المكنسة وبيكنس داره، عقله طار؛ وكما تذكر الباحثة مروة طلعت في دراستها لشخصية الأمير الطولوني، فإنه من خلال طول قعدته زمان مع العُباد والزهاد بقى يفهم كويس في تفسير الأحلام، والحلم معناه إن الراجل ده هو اللي هييجي عليه اليوم ويجرف عزه ويهد اللي بناه.

الحقيقة ان "لؤلؤ" كان مخلص جداً، لدرجة أنه صعب عليه "ابن سليمان" ومسمعش كلام مولاه وولي نعمته، وطلب من "ابن سليمان" يستخبى في الاسطبل وميظهرش خالص. "محمد بن سليمان" كمل وقال: وطبعاً أنا سمعت الكلام واختفيت تماماً، ومرت على الحكاية دي شهور. "الحسين بن حمدان" والقواد بدأت علامات الذهول تظهر على وشوشهم، فكمل "محمد بن سليمان" وقال: بعد شهور، دعاني "لؤلؤ" تاني، بس المرة دي كان وشه جايب ألوان، ومخطوف تماماً، وقالي وهو شبه بيصوت ويحك أنا اتبليت بيك ليه، الأمير بعت لي مع أصحاب الرسائل والمراسلات، فرحتله ودخلت عليه وأنا في غاية الوجل والرعب، فلقيته بيبص لي بشرر وبيقول مش أنا أمرتك بصرف "محمد بن سليمان" الأزرق الأشقر؟ فقلت له بالكدب من خوفي عليك، أنا أكدت لك يا سيدي قبل كدة إني عمري ما شغلت عندي حد بالمواصفات دي، ولا عيني أصلاً وقعت عليه في يوم من الأيام. فزعق فيا وقالي: كذبت، وهو مستخبي وقاعد في إسطبلك، أخرجه عن البلد الساعة دي. فإني رأيته في النوم للمرة الثانية، وفي يده نفس المكنسة، وهو يكنس بها كل دوري وحُجري، ونسأل الله الكفاية من شره.

"محمد بن سليمان" سكت لحظة، وبص لـ"الحسين بن حمدان" وقاله: يومها بصيت لـ"لؤلؤ" وقلت له وقلبي مكسور يا سيدي، وأنا ذنبي إيه في أحلام الأمير وأوهامه؟ هو أنا اللي بروح له في المنام بالمكنسة؟. "لؤلؤ" قالي صدقت والله، بس الأمير عينه في كل مكان ومبيفوتش حاجة، بس اختفي خالص عن العين لحد ما الأمير ينسى ذكرك واسمك. وفعلاً، فضل "لؤلؤ" يبعتلي الدينارين بتوعي كل شهر وأنا قاعد في مكاني مبعملش أي حاجة ولا بظهر في مكان.

"محمد بن سليمان" سكت، والكل في القبة ظهر على وشوشهم الوجوم. وهنا نلمح في منصة "عايمة في بحر الكتب" كيف تصنع الأقدار مساراتها؛ فالنبوءة كانت واضحة زي الشمس؛ المكنسة اللي في الإيد مكنتش بتكنس زبالة، دي كانت بتكنس مُلك ودواوين ودولة "أحمد بن طولون" وتطيرها. وبعد سنين من قعدة "محمد بن سليمان" مع القادة في قبة الهواء، الحلم ابتدا يتحقق حرفياً، "محمد بن سليمان"، اللي أصبح كاتب "لؤلؤ" الخاين، هو العقل المدبر اللي حرك خيوط بداية كنس الطولونيين من مصر والشام.

أول ما دخل "أحمد بن طولون" أرض دمشق، كان الخليفة "المعتمد بالله" خلاص اتحرك وقاصد مصر. "ابن طولون" عسكر في دمشق، منتظر أخر الاخبار وهو قلقان. وفي وسط الانتظار، دخل عليه الرسول السري اللي كان بعته بالفلوس للخليفة. الرسول كان بيلهث وهو بيسلم الأمير رسالة "المعتمد"، واللي بيقوله فيها: أنا فصلت عن دار الخلافة خلاص، وخارج على طريق البرية قاصدك في مصر ومعايا مجموعة من رجالنا وثقاتي.

وفي اللحظة دي، حصلت الهِزة، "أحمد بن طولون" وهو بيقرا الكلام، اتنفض مكانه، وجسمه قشعر. قعد على كرسيه والاضطراب مالي وشه، ونار الندم بدأت تأكل في جوفه؛ ندم إنه بعت المكاتبات دي وحرض الخليفة وحركه على المسير. في ثانية واحدة، مرت قدام عينه صورة "محمد بن إسماعيل بن عمار" وهو واقف في الديوان بهدومه المبهدلة وسلاسل رجليه. افتكر كلامه حرف حرف، واتبين له إن كل الأوهام السياسية والمصايب اللي ابن عمار حذره منها هتتحقق لو الخليفة دخل مصر. قلق الأمير وعاش في صراع نفسي وعقلي رهيب، بس كتم قلقه وصبر، وفضل مستني يشوف ربنا كاتب إيه في المقادير.

في شهر جمادي الأولى سنة 269 هـ / نوفمبر سنة 882 م، كان القدر فعلاً مرتب حاجة تانية مكنتش في حسابات "ابن طولون" خالص، حاجة من لطف ربنا المعتاد مع الأمير عشان يحميه من ورطته. وصل كتاب جديد من "طيفور" نائب الأمير في بغداد، بيقوله فيه: يا مولاي.. أنا كنت خلاص مجهز نفسي وماشي مع أمير المؤمنين "المعتمد"، لحد ما حصلت أمور أوجبت تأخيره، فتأخرت بتأخره، وأرجو من الله إن التأخيرة دي يكون فيها الخيرة للامير أيده الله. الموضوع وما فيه يا مولاي، إن "المعتمد" لما قرأ كتابك وشاف ال100 ألف دينار، سرّه الموقف جداً وشكرك من قلبه، وعشان يهرب من عيون الحراس، أظهر قدام الناس إنه خارج رحلة نزهة وفسحة. وأخد معاه أخوه "أبا عيسى"، ومعاهم "إبراهيم بن المدبر"، و"أحمد بن خاقان"، والقادة "خطارمش" و"تينك"، واتحركوا في كتيبة وساروا ناحية مصر.

بس الفرحة متمتش، الخبر طار زي السهم ووصل لأخوه "أبو أحمد الموفق". "الموفق" لما عرف إن الخليفة هرب وقاصد "ابن طولون"، جرى دمه من الرعب، وعقله طار. قعد فوراً وكتب رسالة طارئة لوالي الموصل وديار ربيعة "إسحاق بن كِنداج الخزري"، وقاله فيها: إلحق يا "إسحاق"، أخويا "المعتمد" خرج قاصد "ابن طولون". لو الموضوع ده تم والخليفة وصل هناك، مش هيبقى لينا ولا ليكم أي قيمة، ولا هيقوم لأي حد من غلمان الخلافة ومواليها قومة ده لو صح ذهابه، "ابن طولون" هيتمكن من الخليفة والقرار، والموضوع ده هيكون السبب المباشر في زوال دولة بني العباس بالكامل. "الموفق" قعد يناشد "إسحاق بن كِنداج" بالله في الرسالة، ويستحلفه بكل غالي، إنه يجدد همته ويتحرك فوراً عشان يرد "المعتمد" لبغداد. وعشان يسيل لعابه، قاله: لو رديت "المعتمد"، هعطيك إقطاع واسع يغنيك، وأوصلك بأموال جزيلة وهدايا متتعدش، وأزود في رياستك وجاهك ومحلك في الدولة.

"إسحاق بن كِنداج" لما قرأ الرسالة، كلام الموفق حرك جواه حاجتين ألعن من بعض، الحسد والغل من "أحمد بن طولون" وعزه، والطمع الشديد في الوعود والفلوس اللي وعده بيها "الموفق". "ابن كِنداج" مترددش، وقام بسرعة ركب خيله، ومعاه 4 آلاف غلام من رجالته الشداد. طار بالجيش من نصيبين لحد ما وصل الموصل، وبدأ يتتبع خبر الخليفة، فالناس قالوا له ده لسة خارج من الموصل إمبارح بالليل. "ابن كِنداج" فتش ورا الخليفة، لقى إن "المعتمد" سايب وراه في ميناء الموصل، مراكب وسفن حربية وسفينتين ركاب كبار، فيهم حريمه وجواريه ومتاعه وحاجته. راح "ابن كِنداج" حاطط عليهم حراسة مشددة، ووكل بيهم جنود، وأمرهم بصرامة أن مفيش مخلوق ولا أي سبب من أسباب "المعتمد" تخليهم يسيبوا الموصل ويعدوا. "المعتمد" كان حرفياً بيعزل من بغداد للقطائع.

وطار "ابن كِنداج" بخيله ورا الخليفة لحد ما حصله في الطريق ما بين الموصل والحديثة. نزل "ابن كِنداج" بجيشه وأقام معسكره في مكان قريب من معسكرات أصحاب الخليفة. ونزل من على فرسه، ومشى بجرأة وعين قوية لحد معسكر "المعتمد". مفيش حد من رجالة الخليفة اتجرأ يقف في وشه أو يمنعه من هيبته، لحد ما وصل قدام باب خيمة الخليفة. خرج له "نحرير" الخادم وهو مخضوض، سلم عليه، ودخل بسرعة يستأذن من "المعتمد"، فالخليفة أمره يدخله حالاً. دخل "إسحاق بن كِنداج" الخيمة السلطانية، هو وابنه "محمد، و"حبشي" و"وصيف" ولاد أخوه، والقائد "طيب بن صفوان" وجماعة من كبار قادته الأشداء. دخلوا، وسلم "ابن كِنداج" على الخليفة، ووقف قدامه وهو ساند على سيفه ورفع راسه وعينه قوية.

الخليفة "المعتمد بالله" بصله بضيق وغضب، وكان قاعد جنبه "أحمد بن خاقان"، و"خطارمش"، و"تينك"، وقال له الخليفة بنبرة حادة: مالك يا "إسحاق"؟ إيه اللي خلاك تمنع الحشم بتوعي وحرمي من دخول الموصل؟. "إسحاق بن كِنداج" رد ببرود وجفاء: يا أمير المؤمنين، الحشم دخلوا الموصل ليه من أساسه؟. "المعتمد" اتعدل في جلسته وقاله بغضب: لأني أنا اللي اخترت إنهم يدخلوها. هنا "إسحاق بن كِنداج" كشر عن أنيابه، وقاله بنبرة فيها تحدي مبطن: لا والله أيد الله أمير المؤمنين، مفيش وقت للكلام ده أبداً. أخوك "الموفق" واقف في وش العدو بيحارب، وعدوك وعدو دولتك مستني يشوف زوالك وسيبانك لمستقرك ومدينة آبائك وأجدادك بغداد، عشان ينصرف عن مقاومة الأعداء ويخلّي بين العدو وبين دار ملكك. ودي الحقيقة اللي جاتني في كتاب أخوك "الموفق" ليا.

الخليفة "المعتمد" دمه فار من الجرأة دي، وبص له بذهول وقاله: هو أنت غلامي أنا، ولا غلام "الموفق"؟. "إسحاق بن كِنداج" بصله بنظرة ثعلب مكار وقاله: كلنا يا أمير المؤمنين غِلمانك طالما أطعت الله، فإذا عصيته فلا طاعة لك علينا. الخليفة المعتمد اِتخض من رده وسأله بمرارة: أنا عصيت ربنا في إيه؟. "ابن كِنداج" قرب خطوة وقاله بمنتهى القسوة: تخليك عن دار ملكك ودار آبائك، وتركك لأخوك وهو بيجاهد عنك وعن دولتك ضد عدوك، وترحل وتسيب مستقرك. في الفعل ده يا أمير المؤمنين عصيان لله عز وجل.

"ابن كِنداج" قال الكلمتين دول ورماهم في وش الخليفة، وقام لافف وسابه ومشى، وخرج برة الخيمة، وساب وراه رجالته وأصحابه واقفين بين إيدين "المعتمد" عشان يحاصروه ويقفلوا عليه أحلامه. "إسحق بن كِنداج" مَكتفاش باللي قاله في خيمة الخليفة؛ خرج وبعت لـ"المعتمد" رسالة بلهجة آمرة وقال: إن رأى مولاي أمير المؤمنين إنه يبعت لي "أحمد بن خاقان"، و"خطارمش"، و"تينك"، عشان نتشاور سوا في المصيبة اللي احنا فيها دي، يبقى فضل منه. "المعتمد" من غلبه وقلة حيلته، وافق وبعتهم له، وراح معاهم كمان "إبراهيم بن المدبر".

أول ما الأربعة دخلوا خيمة "ابن كِنداج" وقعدوا، اتبدلت ملامح الود تماماً، وبص لهم "ابن كِنداج" بعين شريرة وقسوة، وقال لهم بنبرة حادة: أنتم عارفين إن مفيش مخلوق جنى على الإسلام وأهله جناية أعظم من جنايتكم دي؟. الأربعة اتخضوا، وبصوا لبعض بذهول وقالوا بفزع: ازاي؟ إيه هي الجناية دي اللي عملناها؟. "ابن كِنداج" ضرب بإيده الطاولة وزعق فيهم وقال: أولها وأعظمها إنكم تخرجوا أمير المؤمنين من بغداد في حماية شوية عساكر عدهم قليل زي دول في حين إن "هارون الشاري" (من قادة الخوارج) واقف برة في جمع عظيم وجيش ملوش أول من آخر. لو "الشاري" كان شم خبر بمروركم، وعِرف إن الخليفة معاه الشوية الصغيرين دول، كان أسره في لحظة، وكنتوا هتشوفوا فضيحة في حق الخلافة والمسلمين مفيش أعظم منها ولا أبشع. لولا إن ربنا ستر، وتحصنتوا الساعة دي جوة عسكري وجيشي، كان زمان ده حصل، وكان زمانكم اِتقتلتوا كلكم، وضاع الخليفة وهلك.

وقبل ما حد منهم ينطق بكلمة يدافع بيها عن نفسه، شاور "ابن كِنداج" لرجاله. وفي لمحة عين، الجنود حاوطوهم، وقيدوا الأربعة كلهم وسط ذهولهم وكسرتهم، ومكتفاش بكدة؛ ده بعت قواده فوراً وأخدوا كل ما كان موجود في الخيم بتاعتهم كلها، وصادروا كل فلس وكل متاع كان ليهم فيها. ولما سواد الليل رمى ضله على المكان، "ابن كِنداج" عشان يضمن إن "المعتمد" ميفلتش من بين إيديه ولا يهرب لمصر، بعت ابنه "محمد" ومعاه ولاد أخوه "حبشي" و"وصيف" في جماعة من أشد رجالته المدججين بالسلاح، ووقفوهم حراسة مشددة يحاوطوا خيمة "المعتمد" ويحفظوه لحد الصبح. أول ما الشمس طلعت ونور الصباح بان، دخل "إسحق بن كِنداج" على "المعتمد"، سلم عليه بوقار مصطنع، وقاله بلهجة حاسمة: يا أمير المؤمنين، الأمر بقا مضطرب جداً من ناحية أخوك "الموفق"؛ بسبب انزعاجك وخروجك من مستقرك وبغداد. فإيه العمل ومقام مولاي هنا معانا في البرية ملوش أي لزمة؟. "المعتمد" بصله نظرة مكسورة، لانه حس إنه بقى سجين رسمي، فقال له بنبرة رجاء: احلف لي.. احلف لي بالله إنك تنحدر وتمشي معايا، ومستسلمنيش لـ"الموفق". "ابن كِنداج" رسم الوش اللي يخليه يبلع الطعم، فحلف له وأمّنه، وأخده في طريق العودة لـ "سُرَّ مَنْ رَأَى" (سامراء).

وطول الطريق والخليفة فاكر إن "ابن كِنداج" هيحميه، لحد ما وصلت القافلة على مشارف المدينة، وهناك كانت الصدمة الكبرى. اللي كان مستنيه أصلاً "أبو العباس بن الموفق" ومعاه كاتب الموفق والوزير "صاعد بن مخلد". "ابن كِنداج" من غير ما يتهز له رمش، كسر حلفانه وسلم الخليفة "المعتمد" ليهم تسليم أهالي، ولف حصانه وراح دار الخليفة القديمة يقعد فيها وينتظر رجوعهم عشان ياخد الجايزة بتاعته.

"أبو العباس" و"صاعد" أخدوا الخليفة "المعتمد"، وبدل ما يرجعوه لقصر الخلافة، قعدوه في دار "أبي أحمد بن الخصيب"، على طرف الجسر، ومنعوا "المعتمد" تماماً من إنه ينزل في قصر الجوسق الخاقاني أو قصر المعشوق قصور الخلافة في سامرا، ووكّلوا بيه قائد غشيم معاه 500 راجل سادين المنافذ، مهمتهم يمنعوا أي بني آدم يدخل للخليفة أو يشوفه. "المعتمد" قعد في الدار، وبص للقائد الموكل بحراسته بمرارة وسخرية وقال: إنت صفتك إيه هنا بالظبط؟. القائد رد عليه بأدب دبلوماسي وقال: أنا أخدم أمير المؤمنين. فـ"المعتمد" ابتسم ابتسامة باهتة مليانة قهر وقال: خدمة جميلة وحراسة ممتازة فعلاً.

وعلى الجانب الآخر، كانت الفلوس والجوائز بتترمى تحت رجلين اللي رجع الصيد الثمين؛ رجع "أبو العباس بن الموفق" ومعاه "صاعد" كاتب "الموفق"، ودخلوا على "إسحق بن كِنداج"، وخلعوا عليه خِلع سُلطانية رائعة تخطف العين. وركب "ابن كِنداج" من دار الخليفة في موكب مهيب ملوش مثيل، وهو لابس على راسه التاج، وفي وسطه الوشاح، ولابس سيفين في جنبه، ولقبوه من يومها بـ "ذي السيفين"، وكل اللبس والتاج والسيفين كانوا غرقانين بالجواهر والماس الياقوت اللي بيلمع في الشمس. "الموفق" كمان حقق له أحلامه اللي ترضي نار حقده، ولّاه على حكم مصر بالكامل مكان "أحمد بن طولون". وعشان يكملوا الانتقام، "الموفق" أصدر قرار بقطع وضِياع وأملاك كل القواد والكتّاب اللي كانوا هربانين مع "المعتمد"، وكان مبلغ المال بتاع الضياع دي بيوصل لـ 10 آلاف دينار في السنة، وأامروا بأخذ كل نعمهم وأموالهم وتسليمها بالكامل لـ"إسحق بن كِنداج".

لما "أحمد بن طولون" مسك رسالة "طيفور" في إيده وقراها، وعرف إن الخليفة اتمسك، ابتسم ابتسامة خبيثة، كأنه بيقول لنفسه يا فرج الله، لكن لما كمل قراية وعرف إن ملك مصر اتعقد لعدوه اللدود "إسحاق بن كِنداج"، الدنيا اسودت في عينه، والغضب عماه، وصاح في قصر دمشق صيحة فزعت القريب والغريب. وفي نفس اللحظة، بدأت الأخبار تتواتر وتتتابع عليه من كل حتة بتأكد المصيبة، والكتب والرسايل بدأت توصل لسائر الناس والعامة، وبقت الفضيحة والمؤامرة على لسان كل الخلق. "ابن طولون" صمم يقعد في دمشق ويثبت مكانه، وقرر يلعب اللعبة السياسية لأخر مدى عشان يرد القلم بمثله. وبسرعة، وجه أوامره الصارمة فـأحضروا له قضاة أعماله كلهم والفقهاء وكبار رجال الدين الموالين ليه في الشام ومصر، وكان على رأس الجمع ده القاضي "العمري"، والقاضي "أبو حازم"، ومعاهم قاضي قضاة مصر المهيب الشيخ "بكار بن قتيبة".

"ابن طولون" جمعهم في قاعة الديوان، وعينه بتطق شرار، وعرض عليهم القضية واستفتاهم في أمر شرعي خطير قلب بيه الطاولة على بغداد؛ قال لهم: أنا عايز منكم فتوى صريحة بخلع "أبو أحمد الموفق" من ولاية العهد ومن منصبه، لإنه راجل بغى على الخليفة "المعتمد" وحجره وأهانه. القاعة سادها همس وقلق، بس القضاة والفقهاء، لما شافوا غضب الأمير، خافوا من بطشه، وافقوا كلهم وأفتوه بخلع "الموفق" وإسقاط شرعيته. كلهم بلا استثناء، إلا راجل واحد بس. الشيخ والقاضي "بكار بن قتيبة"؛ الراجل وقف زي الجبل، وتلكأ، واتردد، ورفض إنه ينساق ورا الفتوى دي أو يوقع عليها، وقال بلسان الحق من غير خوف إنه ميرضاش يدخل في فتنة بين ولاد العباس أو يشق عصا الطاعة بالشكل ده.

"ابن طولون" بص لـ"بكار بن قتيبة" ونظراته كانت كفيلة تنهي حياة أي حد، والكل كتم أنفاسه مستني الأمير يطير رقبة الشيخ. بس "ابن طولون" أظهر دهاءه السياسي؛ اتغافل عنه في اللحظة دي، وعمل نفسه مش واخد باله ولا كأنه سمع كلام "بكار"، عشان ميعملش أزمة مع العامة اللي بيعشقوا القاضي "بكار"، بس الحقيقة إنه شالها له جوة قلبه، وحقدها عليه في نفسه، وشال له الوعيد والغل لليوم اللي هيتحاسبوا فيه سوا. وتشير الباحثة مروة طلعت إلى أن هذه اللحظة كانت من أعقد اللحظات النفسية في حياة ابن طولون، حيث تداخل الكبرياء السياسي مع الحقد الشخصي. وعشان الأمير يثبت الأمر ويخليه رسمي قدام الخلايق كلهم، قعد مع شيوخ كتّابه وكتبوا وثيقة خلع "الموفق" على نسخ كتيرة جداً وبخطوط واضحة. وانفذ وبعت لكل ديوان وإقليم من أعمال دولته في مصر والشام نسخة من كتاب الخلع ده، وأصدر أمر سلطاني إن الجواب ده يقرأ بصوت جهوري فوق المنابر في جميع الأمصار والمدن يوم الجمعة، ومش بس كدة، ده أمر إن الوثيقة دي تتكتب في السجلات الرسمية للدولة عشان تفضل عايشة ومكتوبة على جدار الزمن، وكان مكتوب فيها:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أجمع عليه القضاه والأولياء ووجوه أهل الأمصار، حين أحضرهم أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين مجلسه، بمعسكره في مدينة دمشق سنة تسع وستين ومائتين، وسألهم عما يوجبه ما أقدم عليه الناكث أبو أحمد في أمير المؤمنين المعتمد على الله، من إيقاع الحيل على فض جيوشه، وتشريد حماته، بحملهم على السيف مرة وقتلهم بالسُم أُخرى، ثم تخطى ذلم إلى إخافة سِربه، وحمله على الإئتمار له في كثير مما يؤثره، مما يضع به من منزلته، وينقص من محله، فلما كثُر هذا عليه، وخافه على نفسه، أجمع على النفوذ إلى أحمد بن طولون للاعتصام به، إذ هو ثقته وعمدته، وممن خلص له على التجربة، بتوقفه عن مكاره الخلفاء قبله، وأن أبا أحمد لما رأى ذلك خاف أن يظل مأموراً بعد أن كان آمراً، وكتب إلى إسحاق بن كنداج في قصده ورده، فشخص إليه في جمع كثيف، حتى وافاه بين الموصل والحديثة فرده، وأمير المؤمنين يناشده الله، ويذكره به، ويخوفه مروقه عن الدين، ونقضه وما أكدته عليه البيعة، وإنما قدم عليه وقد فارق الطاعة، وبرئ من الذمة، ووجب جهاده على الأمة، فلم يُصغ إلى ذلك، ولا اكترث به، ولما جُعل له على ما يأتيه من أمره من الحطام، فشرهت نفسه إليه، وإلى ما استباحه من مال من أقام على الطاعة، ووفى بالعهد والذمة، حتى أدخله سُر من رأى مأسوراً، وسلمه إلى صاعد بن مخلد فحبسه ووكل به، ومُنع من جميع أهله وولده وشمله، فأصبح مقبوض اليد، بعيد الناصر، يخاف على نفسه آناء ليله ونهاره، عرضةً لسوء القول وقبيح الفعل. فالأمة في حرج من القعود عن نصرته، والأولياء في جنث من نقض بيعته، والسنن دائرة، والأحكام ضائعة، والحق منتبذ، والعدل شارد، وغير الله عز وجل تنتظر. فرأى كل من حضر خَلعه مما كان أمير المؤمنين بته له من ولاية عهده، والتبري منه، والجهاد له، إذ كان قد منع حقوقاً ثلاثة: أولها حق الإمامة، والثاني حق الأخوة، والثالث حق النعمة عليه".

"ابن طولون" كان عقل استراتيجي داهية، بيلقط الفرصة وهي طايرة في الهوا ويطوعها لحسابه. في باطنه كان جواه طاقة نور وفرحة مكتومة، وبيدعي ليل نهار في سره ويحمد ربنا إن الخليفة مجاش مصر، وإن نبوءة "ابن عمار" المرعبة محصلتش؛ يعني خلاص مفيش خليفة هيقاسمه في ملكه، ولا هيقعده في داره كأنه مجرد زاير. بس الأمير الحويط مكنش ينفع يفوت الملعوب ده من غير ما يطلع منه بأكبر كسب سياسي. مسك قميص "المعتمد"، وظاط في الظيطة، وتاجر بالمظلومية دي لأخر مدى عشان يكسب بونط ديني وإعلامي يغسل بيه جرح خيانة "لؤلؤ" قدام جيشه والرعية. لبس وش الحزين المقهور على بيعة الخليفة الأسير، وملى وثيقته بالصعبانيات القادرة على شحن قلوب العامة بالغل ضد "الموفق". "المعتمد" بعيد وفي الأسر، بس اسمه وهو بعيد هو أقوى سلاح يقدر يثبت بيه عرشه ويقلب بيه الدنيا فوق دماغ "الموفق" و"ابن كِنداج". وهذه الحيل السياسية هي ما نكشف أسرارها دائماً لمتابعي صفحة "عايمة في بحر الكتب" لندرك أن التاريخ لا يصنعه النوايا الطيبة، بل تصنعه العقول الذكية.

(يتبع)

مروة طلعت
9/6/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أحمد بن طولون 29

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5