أحمد بن طولون 28
(28) وراء كل خيانة، فيه شيطان بيحرك الخيوط وهو مستخبي. بس الشيطان المرة دي كان مكشوف، ورغم كدة مهموش. الشيطان كان كاتب "لؤلؤ" ومستشاره "محمد بن سليمان".
كانت القطائع غرقانة في هدوء مخيف، الهدوء اللي بيسبق العاصفة. "أحمد بن طولون" قاعد في ديوانه، الهموم واكلة من قلبه حتة، والوجع لسة معلم في روحه بعد اللي عمله في ابنه "العباس". حب يهرب من جدران القصر وخنقتها، يشم شوية هوا يلم بيهم شتات نفسه المكسورة.
"ابن طولون" لما كان بيحب يتنزه ويرفه عن نفسه، كان غاوي الصيد بقوس البندق، وقوس البندق ده كان مُصَمم لإطلاق كرات صغيرة من الطين المجفف أو الحجارة المصقولة ويسموها بندق، والبندق ده بدل السهام الحادة للأقواس العادية، والقوس ده كان مثالي لصيد الطيور والحيوانات الصغيرة من غير ما يمزق لحمها أو إتلاف ريشها الثمين، طبعا دي كانت المرحلة الاولى للبندقية، وبكدة عرفنا ليه اتسمت بندقية.
ونزهته دايماً كانت بتبقى في مكان محدد ومحبب لقلبه، في الاراضي الزراعية والحقول اللي كانت موجودة حوالين القطائع، مبيبعدش عنه. في اليوم ده، خرج "أحمد بن طولون" ونزل في مكان واسع ومريح للعين اسمه مرج حسن، ومرج معناها غيط أو الارض الزراعية. اللون الأخضر كان على مدد الشوف، محاوطه، والأمير واقف وسارح، وقوس البندق في إيده، بيحاول بيه يرجع لنفسه القديمة، بس كان ايده تقيلة عليه، ففضل واقف ساكت باصص للفضا بيستمتع بصوت السكون من حواليه.
وفجأة، قطع سكون المرج صوت رفرفة جناحين في السما. حمامة طايرة بتشق الهوا فوق راس الأمير. "ابن طولون" خرج نفسه من صراعه الداخلي بسرعته، رفع القوس، شد الوتر، وضرب، البندق صاب الهدف، والحمامة سقطت من فوق وارتطمت بالأرض.
الخدم جريوا بسرعة وأخدوا الحمامة من على الأرض، لما "ابن طولون" مسك منهم الحمامة لمح حاجة غريبة تحت جناح الحمامة. كانت ورقة صغيرة ملفوفة ومربوطة، شكلها زي الرسائل السرية. فك الخيط وفتح الورقة، وأول ما قراها. عينه جحظت وقوس البندق وقع من ايده. الرسالة كانت بتقول: "قد استراح مولاي محمد فخذوا حذركم، وارفعوا كل شيء، فقد عصا الأمير لؤلؤ".
الرسالة نزلت على "ابن طولون" زي الصاعقة.. "لؤلؤ" خان! "لؤلؤ" ربيبه وعينه ودراعه اليمين عصا وتمرّد وأخد الفلوس. احساس "ابن طولون" ساعتها كما قال القائل كل أعوانك خانوك يا ريتشارد.
تخيل أنت تكون باعت رسالة تحريض في حمام زاجل، يقوم يشاء السميع العليم أن اللي يصطادها "ابن طولون" بنفسه وبايده، ويقع السر كده من السما لوحده في حجره. الصدمة موقفتش "ابن طولون" كتير، اتحرك مرة واحدة ونط على حصانه، وأمر خدمه يلموا كل حاجة، ويجوا وراه ع القصر بسرعة. مفيش وقت للصدمة، هو خلاص خد منها مناعة، لازم يعرف الخيط أوله فين في القطائع. دخل قصره زي الاعصار وصرخ في حراسه بكل غضب: هاتولي حالا الخادم المسؤول عن تركة "لؤلؤ" وبيوته هنا في مصر.
على طول عساكره متأخروش، ودخلوا عليه الديوان وفي ايدهم الخادم وهو بيرتعش، ووقف قدام الأمير وهو بيموت من الرعب. "ابن طولون" قام من على عرشه، ماشي بهدوء وثقة، ايديه معقودة ورا ضهره، قامته مفرودة وراسه مرفوعة، اديتله هيبة أكتر مما هو، وقرب منه أوي، وعينيه بتطق شرار قاله بصوت هادي لكنه مرعب: مين منكم هنا في بيوت خواص "لؤلؤ" ليه في تربية حمام الزاجل؟ ومين منكم كان مريض وعليل في عسكر "لؤلؤ "في الشام وخف؟
الخادم بلع ريقه وصوته بيترعش قاله: 'والله يا مولاي.. إحنا دارنا وبيوتنا مفيهاش حمام زاجل خالص. الأمير برق له وبان على وشه الغضب، فالخادم اتنفض ورد بسرعة وقاله: بس "عبيد الله بن سليمان" أخو الكاتب "محمد بن سليمان" اللي مع "لؤلؤ" في الحملة عنده طيور وحمام كتير بتسرح وتطير فوق داره، والراجل ده كان مهموم وحزين جداً الأيام اللي فاتت بسبب علة ومرض أخوه محمد هناك في الشام.
هنا الخيوط كلها اِتربطت في عقل "ابن طولون"؛ "محمد بن سليمان" ممتش في الشام زي ما الرسالة بتقول، دي شفرة معناها أنه فلت من ايد "ابن طولون"، وبيبعت لأخوه "عبيد الله" في القطائع بالحمام الزاجل عشان يلموا حاجتهم ويهربوا بفلوسهم من مصر، قبل ما الخبر يوصل لـ"ابن طولون". الأمير مبقاش شايف قدامه من الغضب، وأصدر أوامره بالقبض على "عبيد الله بن سليمان" حالاً، وميطلعش عليه الصبح إلا وهو في السجن.
في بغداد، "الموفق" أول ما قرا جواب "لؤلؤ"، استبشر وفرح فرحة عظيمة، ووشه ابتهج؛ لأن "الموفق" كان شايل في قلبه نار وغيظ من "أحمد بن طولون" ودولته اللي كبرت على الخلافة، وشاف إن دي الفرصة الذهبية اللي لازم ينتهزها ويمسك فيها عشان يقضي على "ابن طولون". "الموفق" رد بأحسن وأجمل تعبيرات في رسالة، وبعت مع الرسل خلع ملكية غالية وهدايا من خيول وجمال ومؤن لزوم سفرهم لبغداد، وده كان أحسن ترحيب بـ"لؤلؤ".
"لؤلؤ" كان معاه في الحملة طائفة من خواص رجال "أحمد بن طولون" المقربين، فافترض إن الرجالة دي هتمشي وراه وتوافقه على الخيانة. لكنه أول ما صارحهم وكشفلهم عن نيته، ووضحت قدام عيونهم حقيقة المؤامرة، شتموه وأنكروا الفعل ده تماماً ورفضوا خيانة أميرهم "ابن طولون". لكن "لؤلؤ" برده ميأسش وقالهم دوروا الأمر في دماغكم وقدامكوا فرصة لبكرة. ولأن الأمر كان خرج من إيديهم ولؤلؤ معاه الجيش والفلوس، مكنش في إيديهم يعملوا حاجة غير إنهم يهربوا في الليل، ويسيبوا المعسكر وينصرفوا عنه؛ سابوه في الشام وطاروا على مصر.
الرجالة دخلوا على "أحمد بن طولون" في القطائع، وشرحوا له اللي حصل بالتفصيل الممل وإيه اللي "لؤلؤ" ناوي يعمله. لما فكر "ابن طولون" في الموضوع قرر يستخدم أسلوب الملاطفة والمخادعة والسياسة، جايز تخليه يسيطر على "لؤلؤ" تاني ويرجعه لحضنه، وبعت له رسايل يلين قلبه.. لكنه مكنش مدرك إنه فات الميعاد، والعقد خلاص فرط، وإن سبب زوال ملكه وخروج الشام من إيده هيكون على يد الكاتب "محمد بن سليمان"؛ بسبب الحقد الأسود اللي شاله في قلبه من أفعال ابن طولون معاه.
"أحمد بن طولون" قعد في ديوانه، وجنبه مستشاره وكاتبه "الواسطي" بريشته ودوايته، وبدأ يكتب لغلامه "لؤلؤ" رسالة. "ابن طولون" بدأ رسالته بكلام كله ملاينة ومودة، وكأنه بيطبطب عليه وبيفكره بالماضي، وقال له: يا "لؤلؤ"، ربنا يوفقك لطاعته، ويرجعك للصح برحمته، عشان دينك ودنيتك. مفيش أب حنين، أو ناصح رفيق، ممكن يقدم وعظ وتنبيه ويدل على طريق الرشد، إلا وأنا عملته معاك ووصلت فيه لآخر مدى؛ كل ده عشان غالي عليا ومش عاوزك تضيع، وعشان عندي أمل ترجع لعقلك. أنا مسبتش حاجة ممكن تونس وحشتك، أو ترفع من قيمتك ومكانتك، وتصون حرمتك، إلا وعملتها، وكنت فاكر إن ده هيطمن قلبك ويحميك من أي خوف. ورغم كل اللي عملته، أنا مش هيأس، وهفضل أكرر عليك الكلام، لعل وعسى نصيحتي تصادف ودن تسمع وقلب يفهم، فربنا ينفعك بيها وينقذك من شر كبير.
وفجأة، النبرة الحنينة بدأت تتحول لملامة، و"ابن طولون" كمل: أنت بمفارقتك لينا، وقعت في معصية ربنا وشلت ذنب كبير، وعرّضت نفسك لغضبه لما خرجت عن طاعتي، واخترت لنفسك سكة أنت في غنى عنها، بعد ما كنت عندي الراجل الأمين وموضع ثقتي. بذمتك كده بص وراك وشوف هل أنت نلت بخيانتك دي دنيا سريعة؟ أو صلاح في آخرتك وأجر كبير؟ أنت سعيت في خراب الاتنين. تأمل كده حالك اللي أنت فيه دلوقتي، وحالك زمان لما كنت في حضني، في أنهي حال فيهم كنت مرتاح البال، متأمن في سربك، وجسمك وقلبك مستريحين؟ أنت ماتوفقتش خالص يا "لؤلؤ"، ولا سديد في اختيارك؛ لأن ربنا سابك لنفسك، فالشيطان استضعفك وأضلك.
وبدأ "ابن طولون" يضغط على الوتر الحساس ويظهرله نتيحة غبائه فقال: أهو بان لك خلاص غرور وكدب اللي أنت جريت وراه؛ شملك اِتبدد بعد ما كان مجتمع، وناسك اِتفرقوا بعد ما كانوا حبايب. ووضح قدامك اللي كنت بحذرك منه دايماً. شفت إزاي رجالتك والموالي بتوعك مش طايقينك؟ وكارهين رياستك وقيادتك؟ أول ما شمسنا غابت عنك، اِتحرمت من الهيبة اللي ربنا كان ملبسهالك بسببي، شفتهم وهم بينكروا فعلك وينصرفوا عنك؟ والشرذمة الباقية معاك دي، تفتكر باقين حباً فيك؟ دول مستنيين نص فرصة عشان يقلبوا عليك، وفاءً بعهدهم ليا.
وبعدين، سحبه لسيناريو مرعب مستنيه في بغداد، وقال: قولي بقى، هتعمل إيه لما تروح العراق بالمنظر ده؟ هتروح للي مش هيدفع عنك عدو، ولا هيصرف عنك سوء. أنت سبت العش القديم اللي كبرت فيه، وموطنك اللي خرجت منه، ومولاك اللي رباك في حجره وغذاك بنعمته، ورايح للي لا بيرعى عهد ولا ذمة، ولا بيقيم حق ولا حرمة. دول شايفينك غنيمة هيتقسموها؛ بيمنّوك ويضحكوا عليك، مش حبّاً في سواد عيونك، دول عاوزين يقشطوا كل اللي معاك ويصفّوك.
وفي لقطة بتدل على قمة الذكاء والدهاء السياسي، فجر "ابن طولون" المفاجأة اللي طيرت برج من نفوخ "لؤلؤ" وقاله: على فكرة بقى، أنا كتبت لأمير المؤمنين، ولكل اللي أنت ممكن تقصدهم وتروح لهم، وعرفتهم إن الفلوس اللي أنت سرقتها من خراج الشام، هي أصلاً الفلوس اللي أنا كنت أمرتك تشيلها وتوديها لباب الخليفة كجزية، قدرها ألف ألف دينار (مليون دينار)، تفتكر فيه حاجة أقوى من دي قدامهم؟ أنا قايل لهم الفلوس دي فلوسكم وبتاعتكم ومبعوتة لكم، تفتكر هما بعد ما ياخدوا كل الفلوس اللي معاك، هيسيبوك؟ أنت هتبقى بين أمرين مالهمش تالت إما هيردوك ليا عشان يتقربوا مني ويجاملوني بيك، أو أنا هبذل لهم في مقابل رجوعك فلوس كتير، هما مش شايفين إنك تسوى قصادها حاجة. وفي الحالتين، هترجع لي مقهور ومأسور في وضع الموت فيه أيسر بكتير. قولي بقى، المنزلة دي أحسن لك، ولا ترجع للحق وتتوب؟ ارجع للي فيه محصول ومعقول، وتعالى بوجه منور مش مكسوف، وقلب مطمئن مش خايف.
"ابن طولون" رمى كارت ذكي جداً، ولعب لعبة سياسية ونفسية ملهاش حل.. بس الأقدار كانت خلاص كتبت نهاية تانية خالص، والتروس دارت ومبقاش ينفع تقف. وده اللي هنعيشه ونشوفه في الفصول الجاية إن شاء الله.
(يتبع)
مروة طلعت
4/6/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ #أحمد_بن_طولون #تاريخ_مصر #سيد_الديار #القطائع #السيرة_الطولونية
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.
تعليقات
إرسال تعليق