أحمد بن طولون 27
(27) خلصت محاكمة "العباس"، والميدان فضي تماماً وسكت صدى صوت السياط. "أحمد بن طولون" رجع ديوانه، قعد لوحده يلملم شتات قلبه المكسور وهيبته اللي انجرحت. وفي الوقت اللي كان فيه "العباس" بيئن في محبسه، كان العقد بيفرط، والتروس الخفية شغالة لإنهاء دولة "ابن طولون". مشهد "العباس" ومحاكمته مكنش مجرد عقاب لابن عاق، ده كان أول مسمار في نعش الدولة، وبداية انحلال الأمر كله.
وهنا بتتجلى مشيئة ربنا وحكمه اللي بيجرى على الملوك زي ما بيجرى على أصغر خلق الله. لما الأيام والمدد المقدرة بتخلص، الدنيا بتكشر عن أنيابها، والعيش المرتاح بيتنغص، والمحن بتيجي ورا بعضها زي الموج؛ موجة بتسلم موجة. ربنا لما بيريد أمر، بيسوق الأقدار ورا بعضها، عشان يؤدب المؤمنين، وينبه الغافلين، بإن الدنيا ملهاش أمان.
"ابن طولون" قعد في ديوانه وتنفس الصعداء. خلاص، قلبه خلا من همّ ابنه "العباس" وقلقه. حس إنه انتصر وظفر، وأخيراً أمن من الكابوس اللي كان مخوفه ومطير النوم من عينه شهور طويلة. نام مطمن، وهو ميعرفش إن الضربة الجاية بتجهز له في الضلمة، والمرة دي برده كانت من الحتة اللي مستحيل يتوقعها. ملحقش يرتاح يا ولداه، ولا يستف أموره إلا والطعنة جاتله من "لؤلؤ" غلامه وربيبه.
لؤلؤ مكنش مجرد قائد في الجيش، ده كان أقرب الناس لقلب "أحمد بن طولون"، وأعزهم عنده مكانة وقرب. "ابن طولون" اشتراه وهو عيل صغير جداً لسه بيبي، ورباه كواحد من أولاده، وكبره بماله وعزه لحد ما بقى راجل راشد. "لؤلؤ" كان هو السند اللي "ابن طولون" مستند عليه في كل كبيرة وصغيرة، وكان هو دراعه اليمين وسيفه في الأزمات.
"ابن طولون" من كتر ثقته في "لؤلؤ"، جعله الحامي والمدافع عن الدولة، وسد بيه الثغرة والحيطة المايلة اللي كان خايف يدخل منها الأعداء في الشام. كان فاكر إنه مقفل كل الأبواب، ومأمن ضهره بأقوى رباط له في الدنيا.
عشان نعرف "لؤلؤ" ده خان إزاي، لازم نرجع خطوة ورا، ونشوف "أحمد بن طولون" كان بيعامله إزاي. في سنة سنة 269 هـ/ 882 م، "ابن طولون" قرر يخرج في حملة عسكرية كبيرة لبلاد الشام ديار مضر - تقع في المنطقة الحدودية بين شمال شرق سوريا وجنوب تركيا منها العاصمة الرَّقَّة و حَرَّان وسُرُوج وسُمَيْسَاط - بقيادة غلامه "لؤلؤ"، المرة دي "ابن طولون" غرق لؤلؤ في العز والخير بشكل ملوش مثيل، شحن له في الطلعة دي أموال ومتاع وخيل وأسلحة وكل آلات الحرب بزيادة، حاجات مكنش بيديها لأي قائد تانيي، ولا لأولاد صلبه ولا لأقرب أصحابه المخلصين؛ دلعه لدرجة فوق الوصف.
الجيش كان معسكر في حتة اسمها منية مال الله – حالياً قرية سِندَنَهُور التابعة لمركز بلبيس في محافظة الشرقية - ومن كتر "حزم ابن طولون" وحرصه على نظام جيش "لؤلؤ"، أصدر أمر عسكري صارم واتنادى بيه في المعسكر أن أي راجل من جنود الأمير "لؤلؤ" يرجع للقطائع من غير إذن رسمي ومكتوب منه، دمه مهدور وهيقع عليه أشد العقاب.
في وسط المعسكر، كان فيه واحد من قادة "لؤلؤ" اسمه "أسامة بن حباب". أسامة حصانه مات، ومبقاش ينفع يكمل الحملة من غير حصان يركبه. راح لـ"لؤلؤ" واستأذنه يرجع القطائع يشتري حصان بديل. "لؤلؤ" وافق، وكتب له جواب رسمي موجه لـ"أحمد بن طولون" عشان يكون حجة معاه وضمان لسلامته لو حد من بصاصين الأمير شافه ووقفه.
"أسامة" أخد الجواب ودخل الفسطاط بالليل والدنيا ضلمة كحل. وهو ماشي في السكك، فجأة الحصان اللي كان مستلفه من المعسكر اتكعبل في حاجة على الأرض. "أسامة" نزل من على سرجه يبص في الضلمة، فلقى كيس قماش تقيل، بس مش واضح المعالم في النور الخافت للقناديل. حطه في جيبه وراح بيه لبيته يعرف فيه ايه هناك. أول ما دخل البيت فتح الكيس تحت ضوء الشموع، وعينيه برقت، الكيس مليان على آخره دنانير ذهب بتلمع.
"أسامة" كانت مراته ست صالحة، حكى لها على اللي حصل. الست قامت جابت الميزان، وقعدوا يوزنوا الذهب، فطلعوا 700 دينار. الست بصت لجوزها، شافت ابتسامته منورة وشه من الودن للودن، والطمع بيلمع في عينيه، قالت له بتقوى: يا ابن حباب، بلاش الطمع يعمي عينك، يمكن الذهب ده بتاع واحد غلبان وده كل شقا عمره وملوش غيره. خلي الكيس هنا، واستنى لما صاحبه ينادي عليه، ورده له وخد مكافأتك الحلال منه وربنا يبارك لنا فيها. "أسامة" اقتنع بكلامها الصالح وسكت.
لما الصبح طلع، "أسامة" استخبى في بيته وقفل الأبواب، مكنش عاوز حد من عيون "ابن طولون" والبصاصين يشوفوه في البلد، فيدخل في سين وجيم ويضطر يثبت هو دخل ليه، ويتأخر في رجوعه للمعسكر. عشان كدة بعت صديق له في السر يشتري له الحصان الجديد، وينجزه.
وهو قاعد مستني، سمع صوت المنادي في الشارع، عمال ينادي بأعلى صوته ويقول: يا أهل الخير، مين لقى كيس دنانير؟ وصاحبه هيديله منه 100 دينار حلال طيب مكافأة، وأجره العظيم عند الله. زوجته الصالحة بصت لـ"أسامة" وقالت له: ها إيه رأيك؟ 100 دينار حلال، أحسن وأبرك من 700 دينار حرام. "أسامة" نادى على الغلام بتاعه وقاله: هات المنادي ده. المنادي دخل، وكان معاه تاجر باين على وشه وشكله إنه راجل غليظ وخشن الطبع قاسي. "أسامة" سأل المنادي: مين صاحب الكيس؟، فالمنادي شاور على التاجر وقاله: هو ده.
التاجر سأل "أسامة" بلهفة: الكيس عندك؟، "أسامة" رد بأمانة: آه عندي، ولقيته في المكان الفلاني بالليل. "أسامة" طلع الكيس واداهوله، التاجر أول ما مسك الكيس وشاف شكله واللي جواه، راح لاطم على وشه وصوت وقال: يا مصيبتي، فلوسي ضاعت، أنا برفع أمري لله وللأمير "ابن طولون" عشان يجيبوا لي حقي. وبص لـ"أسامة" وقاله ببجاحة: الأمير هو اللي هيحكم بيني وبينك الكيس ناقص.
"أسامة" أتوتر؛ خاف البصاصين يشموا خبر، فيجروه على "أحمد بن طولون" وهو مش عاوز شوشرة. اضطر يلبس ويمشي مع التاجر للقصر بهدوء. وهو خارج كأي زوج أصيل بص لمراته وقال: عجبك كده؟ مش دي مشورتك اللي زي الفل وده رأيك الجميل اللي وديتيني بيه في داهية، أنا الغلطان إني سمعت كلامك، مسمعش حسك تاني بقى. الست ردت عليه بكل ثقة في ربنا وقالت: روح ومتخافش، ربنا معاك ومش هيضيعك.
"أسامة" حط الكيس في جيب، وجواب "لؤلؤ" في الجيب التاني كحماية له، وطول ما هو ماشي في الشوارع اللي حوالين القصر، رجال الأمن يوقفوه، فيطلع لهم جواب الأمير "لؤلؤ" ويقولهم أنا رايح للقصر.
دخل "أسامة" والتاجر على "أحمد بن طولون"، والأمير كان قاعد بهيبته في الديوان. أول ما شاف "أسامة" عرفه، أندهش للحظة وبعدين قاله بنبرة حازمة: أنت مش خرجت مع "لؤلؤ" في الحملة؟ إيه اللي جابك هنا؟. أسامة وطى راسه وقاله بصوت مرعوش: أيد الله الأمير، حصاني مات واستأذنت الأمير "لؤلؤ" أرجع أشتري غيره، ودي رساله منه بالخبر. فلما قرأ "ابن طولون" الرسالة فورة غضبه، هديت واتأكد أن الكلام صحيح. "أسامة" بلع ريقه لما شاف ملامح "ابن طولون" لانت، وقاله: وفيه موضوع تاني يا مولاي. وحكى له قصة الكيس والتاجر من البداية.
"ابن طولون" بص للتاجر، شاف في ملامحه ووقفته الخشونة والجليطة، فقراه بحسه العالي في الفراسة، وقاله: كيسك كان فيه كام دينار؟. التاجر قاله: فيه 1000 دينار يا أمير. "ابن طولون" أمر الحراس يجيبوا الميزان، ووزن بنفسه الدنانير، فطلعت 700 دينار، زي ما "أسامة" ومراته وزنوها. الأمير راح مرجع الذهب جوة الكيس، وحدف الكيس لـ"أسامة" وقاله: خد الكيس ده ليك وفلوسه حلال عليك، لحد ما يجي صاحبه الحقيقي. والتفت للتاجر الطماع وقاله بنبرة حادة: روح دور على كيسك، لو لقيته. التاجر قعد يصوت ويقول: يا أمير، الله الله فيا، ده والله كيسي. "ابن طولون" قاله: لو كان كيسك، مكنتش ادعيت كدب وزور إن فيه أكتر من وزنه. وأمر الحراس يطردوه برة القصر.
"ابن طولون" بص لـ"أسامة" وقاله: امشي لشأنك ومهمتك. "أسامة" خرج من القصر وهو مش مصدق نفسه، الفرحة مش سيعاه. راح اشترى الحصان الجديد، وفاض معاه مبلغ ضخم يوسع بيه على نفسه وعلى بيته. رجع لمراته الصالحة، فالست أول ما شافته ابتسمت وقالت له بانتصار: إيه رأيك بقى في مشورتي؟ التاجر لو كان يستحق الذهب ده ومكتوب له، مكنش ربنا حرمه منه، وجعله رزق حلال وسع عيشتنا. أسامة بصلها وابتسم بخجل منها، وساب باقي الفلوس مع مراته، ورجع المعسكر للقائد "لؤلؤ"، وحكى له حكاية الكيس والتاجر كلها، "لؤلؤ" وقع من طوله من كتر الضحك.
أهي الحملة الكبيرة دي اللي "ابن طولون" غرق فيها "لؤلؤ" بالأموال والخير وعزه على الكل، هي نفسها الطلعة اللي "لؤلؤ" غدر فيها بولي نعمته. بعد كل الدلال والخير ده، "لؤلؤ" خان العهد، ونكث بالوعود، وتحالف مع "الموفق" العباسي، عدو "ابن طولون" اللدود.
الحكاية بدأت من عند "أحمد بن طولون" نفسه؛ "ابن طولون" زي ما فهمنا طبعه وأسلوبه في تقدير الأشخاص، كان لما يشوف من "لؤلؤ" أي تصرف مش عاجبه أو حركة مش مظبوطة، مكنش بيعاقب "لؤلؤ"، كان بيبعت يحيب كاتبه "محمد بن سليمان" ويحاسبه هو، ويقوله بشخطة وحزم: الحركة دي والكلام ده مش من دماغ "لؤلؤ"، دي حركاتك أنت وتدبيرك. مع تكرار الحكاية دي، "محمد بن سليمان" اتملى رعب وخوف من "ابن طولون"، وفي نفس الوقت اتملى قلبه غل وحقد أسود عليه بسبب الإهانات والضغط اللي عايش فيه. وقرر الكاتب إنه ينتقم ويهد المعبد على رأس الجميع.
قعد مع "لؤلؤ" وبخ السم في ودنه، وزين له الفكرة وقاله: يا أمير لؤلؤ، إحنا في أيدينا الشام وخيرها، إيه رأيك نلم كل الأموال والدنانير اللي نقدر نلمها من خراج البلاد دي، ونطلع بيها على "الموفق" وناخد أمانه ونبقى تحت عباية الخلافة نفسها.
"لؤلؤ" اقتنع بكلام كاتبه، وراح ياخد الفلوس، بس واجهته عقبة؛ عامل الخراج (المسؤول المالي للبلد) وقف له زي اللقمة في الزور ورفض يديله الفلوس، واستخف برأي الكاتب "محمد بن سليمان" واستهزأ بتدبيره. لكن "لؤلؤ" فضل وراه يقنع فيه بالملاينة، ولما ملقاش فايدة، ضغط عليه بكل قوته ونفوذه العسكري لحد ما غصب عامل الخراج، وأخد منه كل الأموال سرقة، من خراج الأعمال الشامية.
أول ما الفلوس بقت ملك "لؤلؤ" وبقت تحت طوعه، دخل عليه "محمد بن سليمان" عشان يبخ السم الأخير ويلعب على وتر الرعب. بص لـ"لؤلؤ" وفح وقال: أنت شفت وعلمت بنفسك "ابن طولون" عمل إيه في ابنه "العباس"؟ "العباس" اللي هو حتة من لحمه وأعز الناس على قلبه، اتمسح بكرامته الأرض واتجلد واتحبس. وإحنا خلاص لمينا الفلوس وعامل الخراج زمانه بلغ، يعني لو مبادرناش حالاً وطيرنا على بغداد، مش هنأمن غضب "ابن طولون" ورقابنا هتطير.
الكلام نزل في قلب "لؤلؤ" زي الصاعقة، وخاف، ووافق على خطة الكاتب فوراً. "محمد بن سليمان" كان محضر حاله، جايب معاه الريشة والدواة، وكتب رسالة رسمية لـ"الموفق" باسم "لؤلؤ"، رسالة كلها خضوع وتبجيل، بيعرفه فيه إن "لؤلؤ" عاوز ينشق من تحت ايد "ابن طولون"ويجيله، عشان يكون تحت أمره ونهيه، ويدخل في طاعته بالكامل.
"لؤلؤ" من جواة كان لسة عايش بعقلية العبد؛ الشخص اللي مهما كبر وغرق في العز، بيفضل حاسس إن قوته مش نابعة من ذاته، وده اللي خلاه صيد سهل وسايب ودنه لكاتبه وموجهه الخفي "محمد بن سليمان". الكاتب الخبيث عرف يلعب على حبل الخوف المَرضي جوة قلب "لؤلؤ"، ودق له إسفين الرعب من سيف "ابن طولون" لما فكره بمصير "العباس"، وحاصره بالسيناريوهات السوداء لحد ما خلى غريزة البقاء وعقلية الهروب تعمي عينه عن أي وفاء. وفي لحظة، إيجو "لؤلؤ" اِتنفخ مع رسايل "الموفق"، فصدق الوهم وافتكر إن الخيانة دي هي طوق النجاة وبوابته عشان يبقى أمير بجد، ومكنش شايف إن الشيطان اللي سايقه وبيمضي بقلمه، مش عاوز يحميه، ده كان بيستخدمه مجرد معول يهد بيه المعبد على دماغ "ابن طولون"، ويدمر دولته.
(يتبع)
مروة طلعت
3/6/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ #أحمد_بن_طولون #تاريخ_مصر #سيد_الديار #القطائع #السيرة_الطولونية
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.
تعليقات
إرسال تعليق