أحمد بن طولون 25
(25) "أحمد بن طولون" كان قاعد في الإسكندرية، جهز العساكر والجيوش وأمرهم بالتحرك لبرقة، وكان خلاص واخد قراره النهائي إنه هيلحق بيهم بنفسه، ويقود الزحف عشان ينهي تمرد ابنه "العباس" . وهو بيحزم أمتعته وخلاص هيمشي، ظهرت في الأفق مفاجأة قلبت الحسابات كلها.. "الواسطي" وصل.
"أحمد بن محمد الواسطي" (وزير ابن طولون) اللي كان محبوس عند "العباس"، استغل اللحظة اللي "النَّفُوسي" دمر فيها جيش "العباس" وهزمه هزيمة منكرة، والتجار اللي كان في حمايتهم هربوه من برقة كلها وطار على مصر، لحد ما وصل لـ"أحمد بن طولون" في الإسكندرية.
أول ما "الواسطي" لقى "ابن طولون" مجهز جيشه والعتاد وخلاص قايم يحارب بنفسه، وقف قدامه ومنعه ونصحه نصيحة صديق أمين ورجل سياسة ذو خبرة، وقاله حال "العباس" وأمره أصغر بكتير من إنك تخرج له بنفسك وتهز هيبتك عشان غلام طايش، سيب الموضوع ده عليا، أنا هخلّصهولك وماتشغلش بالك بيه خالص ، وارجع لبلدك ومقر عزك في القطائع.
"ابن طولون" اقتنع بكلام "الواسطي"، وقبل منه النصيحة. وقرر يرجع مصر، وبناءً عليه، جهز جيش محترم تحت قيادة قائد عسكري كبير اسمه "طبارجي"، وأمر "الواسطي" إنه يخرج معاه هو وجماعة من وجوه وأكابر أصحابه عشان يكونوا عوناً ليه في المعركة.
تعالي بقى نروح لبرقة ونشوف المأساة الكوميدية اللي كان "العباس" عايش فيها. "طبارجي" وجيشه قربوا من برقة، "العباس"، اللي لسة واخد علقة موت من كام يوم وعريان وحافي من النَّفُوسي، أول ما شاف جيش أبوه، ركبه الغرور وخرج ليهم وهو عايش في دور القائد العظيم العنتيل، ونسي تماماً الهزيمة المُرة اللي لسة واكلها بالأمس القريب.
أول ما الجنود التقوا، بان الغث من السمين؛ جماعة من كبار ووجوه أصحاب "العباس" وعقلاء جيشه، لقوا إن المركب غرقانة و"العباس" مفيش منه رجا، فانسحبوا وسلموا نفسهم لـ "طبارجي". "طبارجي" استقبلهم بذكاء وأمنهم، ومش بس كدة، ده خلع عليهم هدايا وملابس غالية عشان يثبتهم ويهز نفسية اللي باقي مع "العباس".
وقامت الحرب على ساق، اتعارك الفريقين عركة شديدة، أصحاب "العباس" اللي باقيين معاه ثبتوا وصبروا وقت قليل جداً، لحد ما هجم عليهم سيل جارف وجيش تقيل ملهوش طاقة ولا قدرة ليهم بيه. في ثواني، الخطوط اتهرجلت، وجريوا منسحبين ومنهزمين، محدش فيهم باقي على حاجة، الكل بيجري عشان ينفد بجلده.
المجزرة كانت حاسمة؛ اتقتل من رجال "العباس" كتير جداً، واتأسر منهم عدد لا يحصى. و"العباس" نفسه، ملقاش قدامه غير إنه يهرب للمرة التانية، وجري وهو منهزم في وسط شرذمة صغيرة جداً من غلمانه وحراسه الخصوصيين. بس "طبارجي" مسبهوش؛ بعت وراه الفرسان "بصير" و"انعج" و"كنجور" يطاردوه في الصحرا.
وفي نفس اللحظة، "طبارجي" قعد في خيمته وكتب رسالة الفتح والنصر لـ"أحمد بن طولون"، و"الواسطي" كمان كتب نسخته الرسمية، قاله فيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم. كتابي هذا وقت غروب الشمس، من يوم الاثنين لسبع بقين من جمادى الآخرة، وقد وضعت الحرب أوزارها، وأظفر الله جل اسمه عبد الأمير، وجمع أوليائه، وأيدهم ونصرهم، وأحسن معونتهم، ودمر على الملعون العاق الشاق الغادر العباس، وضرب وجهه، وقتل أكثر الفجرة الذين كانوا معه، وأمكن من خلق كثير منهم، والحمد لله الذي أجرى الأمير أيده الله على عوائده عنده، وجعل أولياءه المنصورين، وحزبه الغالبين، وأعداءه ومن عدل عن أمره المقهورين، حمداً يكون قضاء لحقه، وكفاء لإحسانه، وإمتراء للمزيد من فضله، تبارك اسمه وجل ثناؤه. وكنت عند نزولنا المنزل المعروف بـ (دى حى) قد أكلت (يعني رتبت ووكلت) أمر المقدمة والساقة والميمنة والميسرة، وسرنا على تعبئة ونظام عسكري صارم، حتى وافينا المنزل المعروف بـ (دينار) الذي كتبت كتابي هذا منه، وكان اللعين قد وافى هذا المنزل من أول النهار، مستعداً بجموعه وحشوده. فلما توافت الفئتان، تسرع إلينا مدلاً بنفسه، متمادياً في غيه وجهله، فحملت ميمنته على ميسرتنا، فأعان الله، جل اسمه وله الحمد، الأولياء على فلها (يعني كسرها)، وحملت ميسرتنا على ميمنته، وحملت أنا في أثرها من القلب (قلب الجيش)، محتسبين واثقين بنصر الله عز وجل، متوكلين عليه، فولى القوم منهزمين، قد ضرب الله وجوههم، ومنح أكتافهم، وقذف الرعب في قلوبهم، وأتبعتهم الأولياء يقتلون فيهم، ويأسرون منهم. وقبل ذلك ما استأمن إلينا جماعة من مشهوريهم، كتابي يرد على الأمير أيده الله بأسمائهم، ولم يصب أحداً من الأولياء بحمد الله شيء يكرهه. ومضى اللعين على وجهه في نفر يسير من غلمانه، فأتبعه بصيراً وانعج وكنجوراً، وهم مدركوه بمشيئة الله وعونه. وفي غد نكتب إلى الأمير أيده الله بشرح القصة تفصيلاً، وبادرت بكتابي بهذه الجملة ليتعجل الله عز وجل إليه السرور بما منّ الله جل اسمه، ويحمده على ما أولى من إنعامه".
الرسالة دي كانت عبارة عن تقرير نصر عسكري طارئ ومبشر، "طبارجي" و"الواسطي" بعتوه لـ"أحمد بن طولون" عشان يفرحوه، وبيقولوا له فيه إن الحرب خلصت تماماً، وربنا نصر جيش مصر، ودمر "العباس" الملعون العاق، وفرتك شمل الفجرة اللي معاه وقتل وأسر أكترهم والحمد لله. إحنا كنا مرتبين الجيش صح ومقسمينه (مقدمة، ومؤخرة، وميمنة، وميسرة) من أول ما نزلنا المعسكر، وتحركنا بنظام لحد ما وصلنا معسكر دينار، و"العباس" كان هناك مستنينا بحشوده من أول النهار. أول ما الجيوش شافت بعض، "العباس" هجم علينا بغروره وعناده، ميمنته ضربت ميسرتنا بس رجالتنا كسروهم، وإحنا ردينا بضربة قوية من الميسرة ومن قلب الجيش، فربنا قذف الرعب في قلوبهم وطلعوا يجروا مهزومين، ورجالتنا وراهم تقتل وتأسر. من قبل ما العركة تبدأ، فيه جماعة من كبار رجالته سلموا نفسهم لينا، وجيشنا إحنا كله سليم ومحدش جرى له أي حاجة وحشة بحمد الله. "العباس" هرب مع عدد قليل جداً من غلمانه، وإحنا مسبناهوش، بعتنا وراه القادة (بصير، وانعج، وكنجور) يطاردوه وفي الغالب هيجيبوه، وبكرة هنبعت لك التفاصيل الكاملة، بس بعتنا ده بسرعة عشان قلبك يفرح بنعمة ربنا.
الفرسان الثلاثة الشداد "بصير"، و"انعج"، و"كنجور" طاروا بخيولهم ورا أثر غبار خيل "العباس" لحد ما لحقوه فعلاً. لمحوه من بعيد وسط غلمانه وحراسه اللي باقيين معاه، وبدأت مواجهة سريعة وخاطفة؛ الفرسان قتلوا من غلمانه وحراسه جماعة، وفي لحظة انقضوا على "العباس" نفسه، وقبضوا عليه أسير ذليل بعد ما كان شايف نفسه ملك على إفريقية (تونس).
كتفوه وخدوه وجريوا بيه على معسكرهم. "طبارجي" أول ما شافه واقف قدامه ذليل، مكسور، أمر بربطه وتقيده بالحديد، وحبسه لحد ما يجهز الركب اللي هيرجع بيه لأبوه في مصر. وأمر الفرسان التلاتة "بصير" و"انعج" و"كنجور" يجهزوا عشان هم اللي هيتولوا قيادة ركب "العباس". وفي نفس اللحظة، "طبارجي" كتب رسالة مفصل بالشرح الوافي لكل اللي حصل وبعته يسبقهم للقطائع.
الرسالة والخبر طار ووصل لإيد "أحمد بن طولون"؛ الأب والحاكم اللي ضهره انحنى من الهم، أول ما قرأ السطور وفهم إن ابنه اتمسك حي وجيشه انتصر، تنفس الصعداء، وحمد ربنا على نصرته وعدالته.
"طبارجي" مد خطوته ودخل بجيشه جوة برقة. البلد كانت متبهدلة وأحوالها تصعب على الكافر بسبب طيش "العباس" وشلته الفاسدة؛ فـ"طبارجي" قعد هناك فترة، نظّم الأمور، ولم الشمل، وأصلح كل الفساد اللي "العباس" سابه وراه فيها. وعشان يضمن إن البلد مش هتقوم ليها قومة تانية، عيّن عليها والي ينوب عن "ابن طولون" يحكمها بالعدل، وبعد ما اطمن ان خلاص الأم استتب، لم حاجته ورجع على مصر.
في سنة 267 هجرية / 881 ميلادية، الركب اللي فيه "العباس" أتحرك، فـ"أحمد بن طولون" أمر يدخل من الجيزة، عشان تبقى زفته وجرسته وسط الناس أطول، ويشوفه أكبر عدد ممكن من أهل مصر. "أحمد بن طولون" كان عاوز درس التربية المرة دي يكون علني وقدام مصر كلها؛ فأصدر أمر عسكري بخروج جميع الجيش بكامل عتاده وزينته يتحرك للجيزة عشان يستقبلوا الموكب.
أول ما شافوا "العباس" داخل عليهم في الجيزة، الجيش أحاط بيه من كل جانب، وزفوه بين أيديهم، زفة الأنجليزي في العشة، دخلوه البلد وهو لابس جلباب حرير ديق الكمين مبطن ومشغول بخيوط مدهبة وعلى رأسه عمامة، ومتسلسل بالحديد، وقاعد على جمل جوة هودج من غير ستاير ولا غطا، مكشوف ومفضوح لعيون كل خلق الله.
لو تأملنا في تفصيلة إن "العباس" دخل الجيزة وهو مقيد ولابس الثوب الطولوني الغالي، بيعكس مفارقة واضحة؛ إنه رغم كونه أسير ذليل ومقيداً بالحديد، إلا إنه كان لابس ملابس أبناء الملوك والأمراء الفاخرة، فجمعت حالته بين فخامة المظهر الخارجي وقمة المهانة والانكسار النفسي أمام الرعية. وكأن لسان حال "ابن طولون" بيقول أنا بَذلك عشان أربيك لكنك برده متهونش.
"العباس" لفوا بيه بيه شوارع الجيزة والعسكر والفسطاط والقطائع كلها، حارة حارة وزنقة زنقة، والناس واقفة في البيوت والأسواق بتتفرج على ابن الحاكم المتمرد على أبوه، وهو متكتف بالحديد ومطأطأ رأسه، واللي مطلعش يتفرج راحوله قصاد بيته عشان يتفرج، ويا أم نيازي صحي نيازي يتفرج.
فضلوا ماشيين بيه في شوارع القطائع لحد ما وصلوا للميدان الكبير اللي فيه القصر. هنا صدر أمر أبوه الصارم: نزلوه من فوق الجمل وركبوه بغل على بردعة خشنة، ودي كانت بتتحط على البغال عشان يشيل بيها الأشولة والبضايع مش للبني أدمين، وكملوا بيه في الموكب وهو على الوضع المخزي ده. ومشيوا بيه لحد ما وصلوا لباب القصر الكبير، ساعتها خرج "أحمد بن طولون" يطل عليه من نافذته العالية فوق تماثيل السباع، وأمر بصوت جهوري سمعه كل المتجمهرين في الميدان وقال وقفوه مكانه هنا في الشمس.
(يتبع)
مروة طلعت
30/5/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ #أحمد_بن_طولون #تاريخ_مصر #سيد_الديار #القطائع #السيرة_الطولونية
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.
تعليقات
إرسال تعليق