أحمد بن طولون 24
(24) الحماقة والطيش لما بيتمكنوا من دماغ شاب مغرور، بيعموا عينيه. "العباس" قعد في برقة، والفلوس والملايين اللي سرقها من مصر بين إيديه، والسلاح والعتاد مالي المكان حواليه. شلة السوء والبطانة الفاسدة اللي حواليه كان كل اللي يهمهم يبعدوا بـ"العباس" عن أبوه "أحمد بن طولون" وعن أرض مصر بأي ثمن خوف ليجي في يوم يحن ويرجع، وساعتها مفيش حاجة في الدنيا تمنع ايد "ابن طولون" انها تطبق على رقابهم وتكتم انفاسهم..قعدوا حوالين "العباس" كالعادة يبثوا سمومهم في ودانه، اقنعوه أنه بالمال والعدّة اللي معاه يقدر يملك الدنيا، مصر خلاص قفلت في وشنا وأبوك مش هيرحمنا، يبقى الحل إيه؟
أخرج من مصر واطلع على إفريقية (تونس) وأعمل هناك مملكة خاصة بيك وباسم الخلافة العباسية. أول ما لقوا الفكرة لمعت في دماغه، قعدوا يشجعوه، ويزينوا له الحكاية ويهونوا عليه الصعب، وقالوا له بنبرة استخفاف إفريقية دي إيه يعني؟ ده حاكمها "إبراهيم بن أحمد بن الأغلب"، راجل ضعيف وحكمه مهزوز، وإحنا بضربة واحدة مننا نقعدك مكانة.
"العباس" صدقهم وغروره زاد، بعت رسايل لوجوه وأعيان قبائل البربر يجر رجلهم ويطلب ودهم. البربر زغلل عينيهم منظر الفلوس والدنانير الطولونية، جم يجروا، وجت له منهم جماعة كبيرة جداً في العدد، لكن في الميزان العسكري كانوا مجموعة صغيرة العُدة، بمعنى أنهم ملهمش وزن عسكري، ناس غلابة وجايين على طمع ومن غير سلاح. "العباس" مكنش له خبرة عسكرية، ولا عمره حضر حرب مع ابوه، كان دايما يقعدوا مكانه ع العرش ويخرج هو يحارب، عشان كدة مفهمش أنه قش وهيش على مفيش، فتح الخزنة وغرف لهم دفعة أولى محترمة من الذهب اللي معاه عشان يثبتهم.
لكن الصدمة إن أكابر وأعيان القبائل الكبيرة أصحاب الخبرة والمصالح رفضوا يجوا معاه، وكانت حجتهم إن بينهم وبين جيرانهم من القبائل التانية عداوات دم، ولو خرجوا معاه وسابوا بلادهم، مش هيكون فيه أمان على بيوتهم وأموالهم من جيرانهم. "العباس" سكت وكبر دماغه منهم، وبص للـمَّـة الكدابة اللي حواليه وقال اللي معايا كفاية ويسدوا عين الشمس.
وعشان يسبق بخطوة ويحط "ابن الأغلب" تحت الأمر الواقع، بعت له جواب رسمي كله غطرسة، وقاله فيه إن أمير المؤمنين "المعتمد بالله" قلدني حكم إفريقية، وأمرني بالخروج إليها، وبناء عليه أنا بأمرك إنك تقيم الخطبة والدعوة باسمي في البلاد. "العباس" مكنش معاه أي تكليف رسمي لا من الخليفة "المعتمد بالله" ولا من أخوه "الموفق بالله" اللي كان ماسك زمام الخلافة فعلياً في بغداد. الخلافة العباسية أصلاً في الوقت ده كانت خايفة من قوة "أحمد بن طولون" وجيشه ونفوذه، ومستحيل تدعم ابنه المتمرد عليه وتديله ولاية تقيلة زي إفريقية (تونس).
طب ليه "العباس" أدعى الادعاء ده؟ أولاً عشان يدي شرعية لحركته؛ هو عارف إن أعيان وقبائل البربر، وحتى "ابن الأغلب" نفسه، مش هيسمعوا كلام عيل هارب من أبوه ومعهوش غطاء قانوني، فكان لازم يلبس توب نائب الخليفة عشان الناس تخاف منه وتطيعه وتفتكر إن وراه بغداد وجيش الخلافة. ثانياً حرب نفسية على "ابن الأغلب"؛ "العباس" أراد إنه يهز ثقة "إبراهيم بن أحمد بن الأغلب" في نفسه، ويحسسه إن الخلافة العباسية خلاص باعتك وشالتك من منصبك وعينتني أنا مكانك، فإما تسلم البلد بالتي هي أحسن أو تقاتل خليفة المسلمين. ثالثاً يغري الطماعين؛ عشان يجمع أكبر عدد من الجنود والقبائل حواليه، فادعاء إن معاه توقيع الخليفة هيخلي الناس تضمن إن حركته ناجحة وإن اللي هيمشي وراه هيبقى مع الدولة مش ضدها.
وتحرك "العباس" بجيشه وأغلب المال والذخائر والكنوز اللي معاه، وماشي في السكة لحد ما وصل لحصن لِبدة – مدينة بين برقة وطربلس في ليبيا - أهل الحصن والوالي اللي معينه "ابن الأغلب" هناك، أول ما شافوا جيش "العباس" ابن حاكم مصر – حتى في تمرده ماشي بصيت أبوه - قالوا ندخل في طاعته بالتي هي أحسن، وفتحوا له أبواب الحصن، وخرج الوالي يستقبله بأجمل وأرقى استقبال، وقدموا له حُسن الضيافة والترحيب كأنه أميرهم المنتظر.
وهنا بقى ظهر الخسة والغل والطبع الواطي في "العباس" وجيشه المرتزق؛ بدل ما يقابل الكرم بالاحترام، قابلهم بضد ما استحقوه تماماً. سال لعابه ولعاب جنوده على خيرات الحصن، فأطلق إيد أصحابه في البلد، وأعطاهم الأمان يعملوا فيها ما بدالهم.
المشهد اتحول لكابوس مرعب في ثواني؛ الجنود دخلوا زي الغيلان، نهبوا البيوت والأسواق، وقتلوا الرجال اللي حاولوا يدافعوا عن نفسهم، وسبوا النساء، وهتكوا عرض كل اللي مقدروش يسبوها ويهربوا بيها.. مأساة إنسانية محدش يقدر يتخيلها، ارتكبها "العباس" العاق الطايش في حق ناس استأمنوه وفتحوا له بيوتهم.
أهالي الحصن اللي قدروا يهربوا بجلدهم، جريوا على الجبل وعلى الصحراء، جريوا على "إلياس بن منصور الزناتي النَّفُوسي"، وده كان رئيس طائفة الإباضية (فرقة من الخوارج) في جبل نفوسة. راحوا له وهما بيبكوا ويصرخوا، يستغيثوا بيه ويشكوا له من الويل والخراب اللي عمله "العباس" في أهلهم وعرضهم ومالهم.
أول ما سمع "النَّفُوسي" الحكاية، دمه غلي وغضبه زلزل المكان حواليه. والمفارقة إن "العباس" في نفس التوقيت ده، كان باعت رسالة لـ"النَّفُوسي" نفسه، بلهجة آمرة بيقوله فيها عليك بالسمع والطاعة ليا، وإلا هجيلك بجيشي وأطأ بلدك وأدمرها. "النَّفوسي" قرأ الرسالة ولسان حاله بيقول (يا بجحتك).
بلد "النَّفُوسي" دي كانت بمعزل عن الناس، بلد جبلية وعرة، عصية ومحمية برجالها الشداد وأهلها الكتار وقوتهم العسكرية المرعبة، و"النَّفُوسي" كان معروف عنه أنه حاكم قوي ومرعب، مكنش بيطأطئ رأسه لحد، ولا عمره أدى طاعة أو ولاء لـ"آل الأغلب" أصحاب الولاية الأصليين، فما بالك بغلام طايش وجاي من برة الصحرا ملعبه.
"النَّفُوسي" بص لرسول "العباس" باحتقار، وقاله: "قل لهذا الغلام إنك أقرب الكافرين مني، وأولاهم بمجاهدتي، وقد ظهر من قبيح وعار فعلك بأهل لبدة ما لا يمكنني معه التخلف عنك وعن جهادك.. وأنا على أثر رسالتي إليك". أحنا قلنا أن "النَّفُوسي" كان من الخوارج، وهم ناس شايفة أن أي ملة تانية غيرهم - حتى لو مسلمين – كافرين.
"النَّفُوسي" مكنش بيكدب، ورا رسالته على طول كانت الأرض بتهتز تحت رجلين جيش "العباس". وفي نفس الوقت، "إبراهيم بن الأغلب" (صاحب إفريقية) لقاها فرصة يطوق "العباس"، فبعت رسايل لـ"محمد بن قَرهَب" اللي معينه على طرابلس، وأمره يستعد بجنوده، وحرك له جيش من كبار وجوه أهل القيروان بقيادة خادمه "بلاغ".
في سنة 266 هجرية / 880 ميلادية "العباس" لقى نفسه فجأة في وش جيش طرابلس والقيروان بقيادة "بلاغ"، وبدأت المواجهة. في أول يوم، القتال كان مجرد مناوشات وحرب استنزاف مش التحام، ضرب من بعيد لبعيد، وجس نبض. بس الشهادة لله، العباس في اليوم ده ظهرت فيه عروق أبوه "ابن طولون"؛ قاتل قتال شديد ومستـميت بنفسه في أرض المعركة عشان يثبت لرجاله إنه قائد بجد.
لكن الصدمة الحقيقية كانت مستنياه تاني يوم الصبح، النهار طلع من هنا، و"النَّفُوسي" زحف عليه بجيش مرعب من 12 ألف مقاتل شرس، مش مرتزقة أصحاب قضية، ونازلين الميدان وعينهم على النصر أو الشهادة، والنوع ده من المقاتلين بيبقى مرعب في المعارك ومبيخافش الموت، ناس بايعة العمر وجاية تاخد بتار أهل "لبدة". وفي نفس اللحظة "بلاغ" هجم بعسكره من وراه. الجيشين أطبقوا على "العباس" زي الكماشة الجيش الجبلي من قدامه، وجيش القيروان من ضهره.
المجزرة بدأت، واتقتل من أصحاب "العباس" وجيشه المرتزق ناس كتير جداً. الدائرة دارت عليه، ولولا إن "العباس" كان شجاع بجد وعنده بسالة في الميدان، كان اتأسر أو اتدبح في ساعتها. لما لقى رجاله بيقعوا حواليه زي ورق الشجر في الخريف، والضرورة حكمت، ملقاش قدامه غير إنه يهرب بعمره.
"العباس" طار على برقة، وساب وراه كل حاجة. "النَّفُوسي" وجيش إفريقية حطوا إيديهم على معسكره وخيمته بكل اللي فيها، وأخدوا ذخائره، وكل المتاع، والأسلحة، والملايين والدنانير اللي سرقها وكنزها من مصر. "العباس" رجع لبرقة أقبح عودة، مكسور الخاطر، عريان، حافي، ومعهوش فلس واحد من ثروة مصر اللي سرقها.
جوه معسكر "العباس" المنهوب، دخل جنود "النَّفُوسي" فوجئوا أن "العباس" وجنوده هربوا وسابوا فيه راجل مقيد بالحديد، عرفوا أن أسمه "أيمن الأسود" (واحد من قادة أحمد بن طولون واللي العباس أخده أسير معاه وهو خارج من مصر). لما "النَّفُوسي" وجيشه دخلوا ولقوه في قيوده، ممسوش بأي سوء، لأنهم بمجرد ما شافوا الحديد في إيديه عرفوا إنه عدو لعدوهم، ففكوا أسره وأكرموه.
أما "الواسطي" (وزير ابن طولون اللي العباس برده أخده معاه أسير من مصر)، فكان حظه حلو؛ "العباس" قبل المعركة دي كان أطلق سراحه بضمان جماعة من كبار تجار برقة، بشرط إنهم يحضروه لـ"العباس" في أي وقت يطلبه. التجار دول أخدوا "الواسطي" وأكرموه، وعاش عندهم معزز مكرم بعيد عن بطش "العباس".
خبر حرب "العباس" وهزيمته طار للفسطاط، والإشاعة ملت البلد إن "العباس" اتقتل في المعركة. أول ما الخبر وصل لـ"أحمد بن طولون"، ظهر عليه الحزن والهم، وكأنه عجز فجأة، وضهره انحنى، ومبقاش قادر يصلب طوله لأول مرة في حياته.
"ابن طولون" لقى نفسه بين شرين أحلاهم مُرّ، الأول إنه فقد ابنه وبكره (إن صح الخبر)، وضاعت معاه كل خزائن وأموال مصر اللي لمها في سنين وبنى بيها دولته. الثاني والأخطر هي عداوة الدم والثأر اللي هتقع بين الدولة الطولونية وبين "النَّفُوسي" و"ابن الأغلب" في تونس. "ابن طولون" لو سكت وبلع الإهانة، هيبته كحاكم هتنحل ومنزلته في عيون العباسيين والناس هتضيع. ولو قرر ينهض وياخد بتار ابنه ويحاربهم، ده معناه إنه هينفق أموال كتيرة جداً لتجهيز جيش يقطع الصحراء، ومبالغ مكانتش في حسابه ولا في ميزانيته أصلاً بعد ما البلد أتقشطت. صحيح خلفة تجيب العار.
فضل "ابن طولون" مغموم، مهموم، وعايش في كابوس أسود ليل نهار، لحد ما جت له الرسايل الرسمية المؤكدة اللي بتقول ابنك عايش ووصل برقة زحف على رجليه حافي عريان. "ابن طولون" رغم البلاوي اللي سببهاله خلفة الندامة، الا أنه اتنفس الصعداء، وحمد ربنا من كل قلبه على نجاة ابنه، وطلع أموال ضخمة جداً وتصدق بيها على الغلابة والفقراء شُكر لربنا إن ابنه لسة حي.
"أحمد بن طولون" رغم كل اللي عمله "العباس"، ورغم ملايين الدنانير اللي سرقها، ورغم إنه راح عمل حرب مع نفسه في افريقية واتهزم ورجع حافي وعريان، وقلب على راس أبوه عداوات مكنتش أصلاً موجودة.. "ابن طولون" لسة مطلع له صدقة وحامد ربنا إنه عايش، فكان متوقع إن "العباس" لما يرجع برقة مكسور، يبعت لأبوه جواب كله ندم وانكسار ويطلب السماح.
لكن الصدمة إن "العباس"، بشحن من شيطان الفتنة "ابن حدار" وشلة السوء اللي حواليه، بعت لأبوه رسايل كلها تبجح وقلة أدب، وجحود، وشروط تعجيزية تانية خالص عشان يرجع. "العباس" لسة بيناهد وبيتكبر على أبوه وهو كان لسة واخد علقة موت معتبرة.
"أحمد بن طولون" حس بالإهانة كأب وكحاكم دولة، صبره خلاص نفذ. اللين والملاينات والرسايل اللي بقالها شهور رايحة جاية مابتجبش همها مع عقلية طايشة زي دي، وإن "العباس" سايق فيها ومبقاش يعمل حساب لأي حاجة. فالغيظ والغضب تملكه، وقرر يقفل باب الكلام والرسايل، ويتحرك بجيشه عشان يربيه بقى بنفسه.
"العباس" في برقة (يعني في شرق ليبيا حالياً)، والمسافة بين الفسطاط وبرقة بعيدة جداً، وطريقها كله صحراء ومطبات ومخاطر. "ابن طولون" نقل مقر القيادة العامة للجيش لحتة تكون هي بوابة مصر الغربية وأقرب نقطة آمنة لخط المواجهة مع ليبيا، وهي الإسكندرية.
"ابن طولون" راح الإسكندرية لثلاثة أسباب عسكرية وسياسية، أولاً يقرب المسافة؛ الإسكندرية هي الحصن الطولوني الأقرب لحدود برقة، ومن هناك يقدر يراقب أي تحرك لـ"العباس" ويتحرك عليه بسرعة لو فكر يزحف على مصر تاني. ثانياً تأمين الساحل؛ هو خايف إن "العباس" يعمل تحالف بحري أو تجي له إمدادات عن طريق البحر، فوجود "ابن طولون" بنفسه في الإسكندرية بيقفل البحر والبر في وش أي مفاجأة. ثالثاً الحرب النفسية؛ لما "العباس" توصله الأخبار في برقة إن أبوه ساب العاصمة وجايله بنفسه وبجيشه الثقيل وعسكر على مشارف الحدود في الإسكندرية، الرعب يدب في قلوب شلة السوء اللي معاه، ويعرفوا إن حيلهم خلصت وإن الجيش وباب جهنم اتفتح عليهم على بعد خطوات.
(يتبع)
مروة طلعت
27/5/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ #أحمد_بن_طولون #تاريخ_مصر #سيد_الديار #القطائع #السيرة_الطولونية
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.
تعليقات
إرسال تعليق