أحمد بن طولون 23

 (23) أول ما رجع "أحمد بن طولون" ودخل أرض مصر في رمضان سنة 265 هـ / مايو سنة 879 م، الصدمة الحقيقية بدأت تتكشف قدام عينيه. "العباس" مسبش وراه أخضر ولا يابس، أخد من خزنة الدولة ألفي ألف دينار (2 مليون دينار يعملوا دلوقتي حوالي 637 مليون ونصف دولار). والكارثة إن المبلغ ده مكفهوش ولا ملى عينه، الطمع والجشع عموه لدرجة إنه راح للتجار الكبار في البلد واستلف منهم فوقيهم كمان 300 ألف دينار (تقريباً 95 مليون ونصف دولار) وأجبر "أحمد بن محمد بن شجاع" المعروف بـ"أبو أيوب" صاحب خراج مصر (المسؤول المالي للبلد) إنه يضمنه قدام التجار، ويكتب لهم صكوك رسمية تضمن حقوقهم على حساب الملتزمين وجامعي الضرايب، يعني أول ما الفلوس تتجمع وقبل ما الفلوس تدخل خزنة الدولة يسدوا المبلغ للتجار، يعني ساب البلد وهو مقشط خزنتها وكمان مديونة. وطبعاً "أبو أيوب" خاف من بطش "العباس" نفذ الأمر وهو حاطط جزمة في بقه، ما هو في الأخر برده إبن الأمير، وميعلمش جايز يتصافوا ويطلع هو كبش الفدا في الآخر.

"ابن طولون" غضب أكتر ودمه غلي، وجاب "أبو أيوب"، وقفه قدامه وزعقله بغضب وقال: "لم يقنعك ما أخذ من المال حتى استسلفت له من التجار تلاتمائة الف دينار". "أبو أيوب" وقف يرتعش وركبه بتخبط في بعضها وقال بقهر: "خفته، ولم يكن لي به طاقة".
لكن "ابن طولون" في اللحظة دي كان الغضب واكل قلبه ومقبلش العذر منه نهائي؛ وألزمه إنه يدفع الـ 300 ألف دينار دول للتجار من ماله الخاص. الغرامة دي هده تماماً، وكشفت ستره، وأضرت بيه ضرر كبير لدرجة إنه بقاش لاقي ياكل. مهما كان غني 300 ألف دينار ده مبلغ خرافي ميقدرش عليه. "أبو أيوب" جري على "ابن طولون" وهو بيبكي وبيشتكيله حاله من الضيق والخراب اللي حل عليه، ف"ابن طولون" بصله بلوم وغضب وقاله: " هذا جزاء من عاون عدوي، وقوي يده بمالي".
لكن "ابن طولون" لما لقى "أبو أيوب" فلس بجد والضرر خرب بيته، قعد يفكر بعقل الحاكم، عرف وعذر الراجل، لقى إنه فعلاً لو كان وقف في وش "العباس"، كان الواد الطايش ده ممكن يقتله أو يعمل فيه مكروه. ساعتها شال الغرامة والضرر ده عنه، وقبل عذره ورجعله كرامته وفلوسه.
وفي وسط الهيصة والبلد مقلوبة، ظهرت نبتة شيطانية تانية خالص برة حكاية "العباس"، بس بتوريكِ إن النفوس لما بتخرب بتبقى مرعبة.
كان فيه واحد اسمه "أبو مقاتل بن أبي ثابت"، كان حاقد على ابوه وأخوه، عشان كان حاسس أن أبوه بيفضل أخوه عنه، فالغل والحقد عموه. "أبو مقاتل" لقاها فرصة عمره قال لنفسه الأمير في قمة غضبه ومش شايف قدامه، أنا هروح أتبلى على أبويا وأخويا وأقول للأمير إنهم خاينين أو مايلين لـ"العباس"، وبكدة اضرب عصفورين بحجر، والأمير يطير رقبتهم، وأنا أخلص منهم وأورث التركة لوحدي.
لكن "ابن طولون" مكنش عبيط، شك في كلامه وتصرفاته واستقذره؛ إزاي راجل يبيع أبوه وأخوه عشان منصب أو فلوس؟ فأمر فوراً بالقبض على الفاتن "أبو مقاتل" وعلى أخوه "أبو حفص"، جاب الأطراف كلها وبدأ يضغط عليهم بالجلد والتعذيب عشان ينطقوا بالحقيقة ويقروا بعمايلهم. هل "أبو حفص" فعلاً خاين وشارك في المؤامرة زي ما "أبو مقاتل" بيقول؟ ولا "أبو مقاتل" هو اللي كذاب؟. وعشان الضرب كان شديد وقاسي جداً بغرض انتزاع الاعترافات، والبلد كانت في حالة طوارئ وغليان بسبب هروب "العباس"، "أبو حفص" مستحملش التعذيب ومات في إيديهم قبل ما يثبت براءته، ومات وراه كمان "أبو مقاتل" وهو شايل ذنب أخوه في رقبته.
وبعد ما ماتوا تحت الجلد، "ابن طولون" صادر كل الأموال والثروات الخاصة بالولدين دول وحط إيده عليها لحساب الدولة. بس لما الغضب هدي، والـمَعمَعة خلصت، "ابن طولون" قعد مع نفسه وبص للمشهد من بعيد، لقى إن فيه أب شيخ كبير ملوش أي ذنب، واقف بطوله في الدنيا بعد ما ولاده الاثنين ماتوا، وكان هيروح في الرِّجلين بسبب قذارة ابنه. قلب الأمير الحازم رقّ، وعاطفة الإنسانية غلبت قسوة الحاكم؛ فحَنّ على الأب العجوز، وكأنه شاف فيه نفسه (لا تعايرني ولا أعايرك الهم طايلني وطايلك) وقرّبه منه وعطف عليه، وعوّضه عن الوجع والخراب اللي حلّ ببيته عشان يضمن إنه يعيش عزيز ومستور بقية عمره.
"أحمد بن طولون" مكنش عاوز يهد كل حاجة، ولا يضيع ويخسر ابنه. بعت لـ"العباس" في برقة رسايل كلها حنية وملاطفة ومسايسة، ونقى وفد رفيع المستوى من كبار رجال الدين والقضاء والبيان في مصر زي القاضي "أبا بكرة بكار بن قتيبة"، والقاضي "الصابوني"، والشيخ "أبا محمد معمر الجوهري"، ومعاهم اللسان الفصيح للوفد "زياد المعدني"، عشان يروحوا يلينوا قلب الواد.
"ابن طولون" أمر الوفد إنهم يكلموا "العباس" بكل لين ولطف، وكتب له في الجواب إنه سامحه وصفح عن كل اللي جناه، ووعده بأيمان مغلظة وحلف له بالله إنه مش هيمسه بأي مكروه لو رجع لعقله. الوفد سافر ووصل برقة، و"العباس" أول ما شافهم رحب بيهم جداً، وأكرمهم، ورفع مجلسهم وقعدهم في صدر المكان. اتصدر الكلام الفصيح "زياد المعدني"، وبدأ يلقي رسالة الأب بصوت كله شجن:
"ياسيدي، سيدنا الأمير أيده الله يقرأ عليك السلام ويقول لك يا أقرب الناس إلي، وأبرهم لدي، وأعزهم علي، خفرت ظني بك أقوى ما كان أملي فيك، وأرجى ما كنت لك، من غير اساءة كانت مني إليك ، ولا خطيئة ركبتها فيك، ولم ترع حسن تربيتي لك، وعظم اشفاقي عليك، وأني رشحتك لمنزلتي، وقدرت بك حياة ذكري، وصيانة شملي، فأرضيت عدوي، وأسخطت وليي، أيا سبحان الله! أما تخاف العقوبة في العقوق، وقانيها الله جل اسمه فيك، وثمرة المجازاة على الاساءة، صرفها الله بكرمه عنك، فإن رجعت إلي، فكأنك لم تذنب، وإن تمادى بك الاغترار شخصت إليك بنفسي، ولم أكن بأول من خسر سعيه، وأخلف تقديره".
"زياد" وهو بيتكلم انهار وبكى من كتر التأثر، وبكى معاه كل اللي كانوا حاضرين في المجلس، حتى "العباس" نفسه كلام أبوه في الرسالة لمس أعمق حتة في قلبه، وعينه دمعت ودموعه نزلت ، وحن لأبوه وأشتاقله وحس بالندم.
"ابن طولون" بعد ما كتب الديباجة والأدعية اللي في صدر الجواب، دخل في الموضوع على طول، وقاله: " راجع بك إلى الحال التي يحصل لك عاجلها، ويتوفر عليك ثواب آجلها، ولا حرمك ثواب بري وطاعتي، وصرف عنك وزر عقوقي ومعصيتي".
وبعدين بدأ "ابن طولون" يلومه وقاله: " أحين فقأت النعمة فيك أعين الأعداء، وبلغت الغاية القصوى من سرور الأولياء، وبلغت السن التي يكون معها انتفاع الوالد بولده، واستحكمت ثقتي بك، وحسن ظني بالأيام فيك، واستكفيت على كفايتك وعنايتك عني، أتيت مالا يحسن بك، ولا يجمل بمثلك".
"ابن طولون" في الرسالة مكنش باصص لـ"العباس" على إنه مجرم، كان باصص له بقلب الأب على إنه ضحية، فقاله: " أستكفي الله جل اسمه مؤونة من حملك على ذلك، وغلبك على رأيك، فقد سعى في دينك بما ثلمه، وعيشك بما كدره، ودنياك بما نقصها، وآخرتك بما أفسدها، ومروءتك بما أرى بها، ونعم الله عز وجل عليك بما يدعو الى تبديلها وما أنا بآيس من أن يئيبه على عظيم ما ركبه منك، وجليل ما جناه عليك في تضييعك حقي، وما ألبك من ثوب معصيتي، وعرضك إليه من سخط الله ثناؤه وغضبه في إسخاطي ومخالفتي".
"ابن طولون" بعبقريته وفراسته التاريخية، قعد يحلل لـ"العباس" دماغ ونفسية شلة السوء اللي حواليه، زي أي أب بينصح أبنه وبيحاول ينقله خبرته في الحياة، قاله: " فإنك إذا ميزته وتبينته لم تجده إلا أحد رجلين إما رجل أطعنا الله عز وجل فيه، فلزمنا أخذ جناية جناها منه، أو رجل طمع في مالك فاغتنم شغل قلبك فقال أفوز بحظ من دنياه في هذا الرهج الساطع، فإن أحسست في أمره نقصا لجأت به إلى حيث لا يعرف خبري، ولا يدري أين أمري ".
لو قعدت تميز الناس اللي حواليك دي وتبص فيهم صح، مش هتلاقيهم يخرجوا عن صنفين من الرجالة، مالهومش تالت. الصنف الأول: راجل إحنا أطعنا ربنا فيه ونصرناه وعملنا فيه المعروف، فجه دلوقتي وعاوز ينتقم منا فيك، وياخد منك جناية جناها مننا زمان بسبب حقد قديم. والصنف الثاني: راجل طمعان في قرشك وفلوسك، واغتنم فرصة إن قلبك مشغول وعقلك طايش، فقال لنفسه أفوز بحظ من دنيته وفلوسه، والنوع ده أول ما يحس إن المركب بتغرق وأمرك بينقص، هيفص ملح ويدوب، وهيخسف بيك الأرض، ويلجأ لحتة بعيدة يهرب فيها ويتدارى.
ابن طولون قفل رسالته بنصيحة، وقاله: "فميز من شئت من خلصائك ونصحائك، فقد ترى أمرك فإنك لا تجده يخرج من هذين القسمين والله المستعان
بعد المجلس ده، انصرف وفد "ابن طولون" للبيوت والضيافة اللي أعدت ليهم، واتوزعوا فيها، وكان جواهم يقين 100% إن "العباس" هيرجع معاهم للفسطاط ولأبوة "ابن طولون"، من كتر ما شافوا دموع وبكاء "العباس" بعد ما رق قلبه لكلام أبوه.
لكن شلة السوء مسبتهوش، أول ما الوفد مشي، دخل ل"العباس" الطائفة الملعونة اللي أغوته من الأول، كانوا مرعوبين وخايفين على عمرهم من "أحمد بن طولون"، وعارفين إن الصلح ده معناه تنفيذ الحكم بإعدامهم، وده أقل واجب، فزنوا تاني في ودن "العباس" عشان يرجعوه لجنونه.
دخل عليه الكاتب "ابن حدار" وقاله بكلام مسموم: " الله الله فينا وفي نفسك، انظر لنا ولك، فأنت تعرف أباك وغدره، فأرحمنا وأرحم نفسك، فأنت تعرف طبع أبيك وشدة غدره، فإنه يرى أن في استئصال شأفتك، وتقطيع قلبه عليك فيما يأتيه من أمرك وأمرنا بعدك، بما السياسة وتوطيد المملكة توجبه، فخف الله فينا وفيك". الكلام ده خلى "العباس" يرفض اليد الممدودة له بالسلام ويصمم على المواجهة، المشهد بقى صراع جبار بين عاطفة الابن وخوف المتمرد.
تاني يوم الصبح، وفد "ابن طولون" دخل لـ"العباس" عشان يتمموا الاتفاق وياخدوه في حضنهم على مصر. لكن أول ما دخلوا وسلموا عليه، اتصدموا! لقوا "العباس" حاله اتقلب 180 درجة عن اللي شافوه منه بالليل. الوش الحنين الباكي اختفى، وظهر مكانه وش شارد، خايف، ومليان شك وحيرة.
"العباس" بص لـ"زياد المعدني" وقاله بهجوم: " يا زياد والله إن أبي ما نوى لي خيراً". "زياد" استغرب واتخض من التحول المفاجئ وقاله: "ياسيدي كيف يليق هذا بصدرك؟ وأنت تعلم أنه ما طلعت الشمس على أحب إلى أبيك منك".
"العباس" ساب "زياد"، والتفت فجأة للقاضي الزاهد "بكار بن قتيبة"، وبص في عينه وسأله: " يا أبا بكر المستشار مؤتمن، وأنا أقلدك أمري، أسألك بالله هل تأمنه علي؟".
الكل حبس أنفاسه وبصوا للقاضي يقول كلمته، فقال: " قد حلف أبوك لك ألا يسوءك، فإما بقي لك بما حلف أو لا يقي، وما يعلم الغيب إلا الله جل أسمه". "بكار بن قتيبة"، من كتر تدينه وورعه وزهده الشديد، خاف يشيل ذنب كلمة يتحاسب عليها قدام ربنا لو حصل حاجة، فقرر يقول كلمة دبلوماسية حذرة، بس للأسف كانت القشة اللي قطمت ضهر البعير.
الكلمة نزلت على "العباس" زي الصاعقة، وشلة الأنس اللي واقفين ع الكلمة، مستنيين جنازة يشبعوا فيها لطم، استغلوا الفرصة. أول ما سمعوا رد "بكار"، التفتوا لـ"العباس" وقالوا له بنبرة انتصار خبيثة: "أرأيت لو تحقق القاضي ما يثق به منه لما قال هذا". شفت؟ لو كان القاضي نفسه متأكد من أمان أبوك وضامن كلامه، مكنش خاف وقال كدة.
هنا الخوف والشك طيروا عقل "العباس" تماماً، وقفلت السكك كلها في وش الصلح. "العباس" قعد مع الكاتب بتاعه "ابن حدار" (شيطان الفتنة)، وخلاه يكتب رسالة رد فيها على رسالة أبوه "أحمد بن طولون". "ابن حدار" كتب جواب بلهجة غليظة، جافة، وقليلة الأدب، واشترط فيه شروط مجحفة تعجيزية تهين هيبة "أحمد بن طولون" كحاكم ودولة.
وفد "ابن طولون" أخدوا الجواب المقرف ده وراجعوا لأبوه في مصر، وأول ما وصلوا دخلوا عليه وحكوله بالتفصيل الممل كل اللي دار بيننا وبينه، وإزاي "بكار" رد و"العباس" اتقلب.
رغم كدة برده قلب الأب فضل متعلق بالأمل، ميأسش منه، ويدعي ليل ونهار ربنا يهديله أبنه ويبعد عنه شياطين الأنس. فضل الحال لفترة طويلة ما بينهم رسايل تروح ورسايل تيجي، ده يشد وده يرخي، والنار لسة قايدة تحت الرماد مستنية لحظة الانفجار اللي السيوف فيها هي اللي هتتكلم.
(يتبع)
مروة طلعت
22/5/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4