أحمد بن طولون 22

 (22)أول ما "أحمد بن طولون" اطمن إن حدود مملكته الشرقية وأطراف الشام بقت في أمان، وتحت إيد رجاله المخلصين زي غلامه "لؤلؤ" والقائد "ابن جيفويه" والفرسان اللي معاهم، شد لجام خيله، وأخد جيشه وأتحرك بأقصى سرعة من ثغور الشام لحد الفسطاط. مكنش في عقله ولا باله غير حاجة واحدة يلحق المصيبة اللي عملها ابنه "العباس" ويفهم فيه إيه وازاي ده حصل.

السؤال اللي كان هيجنن "أحمد بن طولون" طول السكة، ليه "العباس" عمل كدة؟ الحقيقة التاريخية المرة اللي لازم تتقال، إن "العباس" عمل كدة من حمقه وغباؤه ونقص عقله وطيشه. لكن السؤال اللي جه في بالي "ابن طولون" الحازم، المخيف، ذكي زمانه، مكنش حاسس بطيش ابنه، مكنش قاريه وعارف دماغه وهو اللماح، زي ما كان بيقرا ويفهم الناس كلها؟
الجواب ببساطة مراية "الأب" عامية، و"العباس" كان أكبر ولاده، وأقربهم لقلبه، وحظه عنده مكنش عند حد تاني من إخواته. وساعات حب الأبوة بيعمي عن عيوب عياله وعن مصلحة نفسه، مهما كان حازم والكل بيعمله ألف حساب، لو هو أب سوي فعياله نقطة ضعفه، وعلى رأي المثل خنفسة شافت عيالها ع الحيطة قالت ده لولي معقود بخيطة. وللأسف "أحمد بن طولون" المشهور بحظه، كان قليل البخت في عياله كلهم مش في "العباس" بس.
"ابن طولون" أمله في ابنه خانه، وجاتله الصدمة من مكان عمره ما تخيله. وفي دي حكمة ربانية مرعبة؛ ربنا سبحانه وتعالى بيصغر الدنيا في عيوننا، وبينبه أصحاب العقول إن الدنيا دي مالهاش أمان، ومابتدمش لحد ولا بتصفى لمخلوق، حتى لو كان الشخص ده عبقري زمانه، وحسن التدبير، ومفيش زيه اتنين.
"ابن طولون" عاش طول عمره أموره مستقيمة، وكل أمنية يتمنّاها تتحقق، والدنيا ماشية معاه زي ما هو عاوز، لحد ما جه الوقت المكتوب اللي اتسبب في انحلال أمره، وعكس قصته، ونقص ملكه. من كتر الناس ما بتتعجب وبتتندر من حظه وملكه، العين صابته وجاتله في أعز ما يملك، في أكتر طريق كان فاكره أمان، ومن أعذب شرب كان بيشربه، من ابنه، وقرة عينه، وأحب حاجة لقلبه، اللي كان بيجهزه يشيل اسمه ويسد مكانه من بعده.
اللي عمله "العباس" ده مكنش تخطيطه لوحده، الشيطان مبيشتغلش من غير أعوان. كان حوالين "العباس" أصدقاء السوء من كل صنف ولون. الصنف الأول كانوا قادة عسكريين "العباس" قربهم منه وخلاهم في حمايته، بس هم في الحقيقة كانوا بيكرهوا أبوه وبيحسدوه على نعمته، ومستكترينها، ونفسهم النعمة دي تزول. الزن ع الودان أمر من السحر، استلموا ودن "العباس" وحرضوه يقلب على أبوه، وينحرف عن طوعه. واللي شجعهم على كدة إن طلعت إشاعة إن "ابن طولون" مات في الثغور بسبب غيبته الطويلة هناك. وأيامها كانت الرسالة توصل بعد شهور ويرجع الرد بعد شهور أطول، وخصوصاً في وقت الحروب، الراسل مبيكنش عارف الأمير نزل في أنهي أرض، والرسول يقعد يلف بلاد ووديان على ما يوصله. فطبيعي اشاعة زي دي تنتشر وتتصدق، وفين بقى لما تتكذب تكون خربت مالطا.
وبالنسبة للواشيين كانوا الكاتب "جعفر بن حدار" و" أحمد بن القاسم بن أسلم" و" أحمد بن صالح الرشيدي" و" عبد الله بن طغيا" و" علي بن الحزور"، وكالعادة "ابن طولون" كان مغرقهم في النعم، ومحسن إليهم إحسان تام، ومديهم مناصب خطيرة ترفعهم في السما.. بس هتقول إيه؟ الحاسد ملوش دوا، ومبيشبعش ولا يهدى له بال إلا لما يقضي على الشخص اللي بيحسده وبيحقد عليه.
والصنف التاني كانوا طائفة المثقفين؛ بتوع النحو واللغة، والشعراء. ناس المفروض إن علمهم مهذب أخلاقهم، بس سخروا علمهم للخراب. وعلى رأسهم كان "جعفر بن عبد الله" و"أحمد بن المؤمل" (المعروف بأبي معشر) و"محمد بن أزهر" (المعروف بالمنتوف). والمعروف عن "العباس" حبه الشديد للعلم، وكان كاتب ذو ثقل، واللغة والفصاحة لعبته.
كل الشلة دي، عساكر على شعراء وأدباء، قعدوا يزينوا لـ"العباس" الفكرة، ويحسّنوا له إنه يتغلب على مصر ويقعد مكان أبوه، ومش بس كدة.. ده حرضوه يخلص من "أحمد بن محمد الواسطي" (كاتب سر أبوه ومستشاره الأمين) عشان يخلصوا من أي صوت عاقل ممكن يرجّع "العباس" عن جنونه.
"العباس" رغم كل الشحن اللي شحنهوله شلة السوء دي، كان جواه لسة حتة مرعوبة، قلبه كان مليان هيبة وخوف من أبوه، وكل ما كان يقعد مع نفسه يفكر، ويفتكر اسم "أحمد بن طولون" كان ينتفض وجسمه يقشعر. والمشكلة الكبيرة إن الجماعة اللي كانت بتحرضه على الانقلاب، مكنش فيهم راجل واحد يفهم في سياسة الجيوش، ولا حد فيهم يعرف يعني إيه تدبير أمور دولة.. شوية هواة بيوزّوا عيل طايش.
"العباس" حب يعمل فيها الحاكم بأمره ويظهر تغلب وسيطرة كاملة على مصر، لكن وقفله زي اللقمة في الزور "أحمد بن محمد الواسطي" كاتب السر العاقل. "الواسطي" منعه ووقفله بالمرصاد؛ لأنه كان خايف إن حركة البلد اللي نظمها "ابن طولون" تقف، والأعمال يدخلها الخلل والخراب. وأصلاً "ابن طولون" قبل ما يسافر الشام ويستخلف ابنه، ساب أمره لـ"الواسطي"، وحذره وقاله إياك تتعدى حدودك أو تعمل حاجة من غير ما تستشير "الواسطي".
شلة السوء لما لقوا "الواسطي" واقف في طريقهم، ومش عارفين يمشوا مصالحهم وينهبوا ويعيثوا في الأرض فساد، بدأوا يلعبوا لعبتهم القذرة، حرب النميمة وتشويه السمعة. دخلوا لـ"العباس" من الحتة اللي بيحبها، وهو حبه للغة العربية، قعدوا يعيبوا على "الواسطي" كلامه عامي، ومبيعرفش يكتب مكاتبات رسمية صح، وجواباته كلها غلط وبيلحن كتير واخطاء املائية. فهو عشان كلامه عامي ميصلحش يكون مستشارك ولا يقعد في منصبه، يعني مش هو راجل حكيم وخبرة ومع "ابن طولون" من ايام طرسوس وسامرا وأكيد شارب نهجه ومنطقه، تؤتؤ كلامه عامي لا يصلح.
وعشان "العباس" شاب صغير بلا خبرة، الكلام العبيط ده أقنعه، خصوصاً زي ما ذكرنا أنه كان أديب ومتمكن في الأدب واللغة جداً، بس طبعاً كلام الشلة ده مايقللش من فضل وعقل "الواسطي" ولا يعكر صفو قيمته في شيء، لولا بس إن ربنا أعمى قلب "العباس" وأعمى قلوب اللي معاه.
ويا خسارة العقل والتدبير في اللحظة دي، يعني يا "عباس"، البلد كلها تحت إيدك، وأمرك نافذ في كل شبر فيها، وأي فلوس أو طلبات عاوزها بتجيلك لحد عندك ومبذولة ليك، إيه اللي يخليك تقلب وتخربها؟ لكن نقول إيه، نعوذ بالله من الخذلان.
"الواسطي" لما لقى "العباس" راكب دماغه، كتب جوابات واحد ورا التاني ويبعتها بسرعة لـ"ابن طولون" في الشام؛ بيشتكيله من اعتراضات "العباس"، وإنه مانعه من استيفاء الرسوم السلطانية وتجميع أموال الدولة بمصر، وإنه مقبوض اليد، وحكاله عن الشلة اللي لفت حوالين "العباس" واستولت عليه وبقت تتخطى حدودها وتتدخل في أمور ملهاش فيها.
كان فيه راجل اسمه "محبوب بن رجاء"، وده كان عدو لدود لـ"الواسطي"، وبحكم شغله مع "ابن طولون" وبيكتبله، كان هو اللي بيستلم جوابات "الواسطي" ويوصلها لـ"ابن طولون"، ويكتب الردود اللي بيأمر بيها الأمير. "محبوب" استغل الحكاية دي عشان يأذي "الواسطي"، ويزود غيظ "العباس" عليه، ويسخن الحقد في قلبه أكتر وأكتر. "محبوب" كان بيوصّل لـ"العباس" في مصر إن "الواسطي" عمال يكتب جوابات سرية لأبوك ويفتن عليك، وأبوك بيرد عليه وبيديله تعليمات من وراك.
"العباس" زاد في عناده وصمم ينفذ شروره، فـ"الواسطي" لما خاف من سوء العاقبة والخراب اللي هيحصل، قرر يستغل السلطة اللي "ابن طولون" ادهاله وقاله يا إما ترجع عن اللي في دماغك وتلغي كل اللي نويت عليه، يا إما هقفل في وشك الأبواب وأمنعك من التصرف في البلد بقوة القانون. لكنه فوجئ بـ"العباس" بيرد عليه برد قبيح ميتقالش، وقل أدبه عليه ومحترمش فرق السن اللي بينهم.
"الواسطي" فوراً أول ما خرج من عند "العباس" كتب جواب تفصيلي أخير شرح فيه القصة من طقطق لسلام عليكم ومخباش تفصيلة واحدة عن "ابن طولون" وقاله حيلتي عجزت إني أمنع ابنك عن مفاسده. "ابن طولون" رد عليه بجواب سريع بالحمام الزاجل وقاله معلش جاريه وسايره بالمحايلة لحد ما أوصلك. لأخر لحظة "ابن طولون" بيتعامل مع "العباس" كأب لسة مفقدش الأمل في ابنه.
"الواسطي" سمع الكلام وحاول يجاريه ويسايسه على قد ما يقدر، بس جنون "العباس" كل يوم كان بيزيد، لحد ما "الواسطي" عجز تماماً عن التعامل معاه، ولقى إن كرامته بتهان كل يوم أكتر من اللى قبله، فقرر يقعد في بيته، ويحفظ كرامته، ويقفل عليه بابه عشان يحمي نفسه من المهانة.
لكن "العباس" ماسابوش في حاله، أول ما وصلته رسالة "محبوب بن رجاء" ركب خيله مع رجالته، وهجم على دار "الواسطي"، وكسر حرمة بيته، وخرّجه منها بالعافية وهو كاره ومكره. ولما رجالته قلبوا بيت "الواسطي" لقوا كل الجوابات والردود اللي بعتها "ابن طولون" بخصوص الأزمة دي.
"العباس" أول ما قرا كلام أبوه وعرف إن أبوه كاشف كل الأحداث وتصرفاته، الرعب أتمكن منه، وساء ظنه في أبوه، وظن إن عقاب أبوه لما يرجع مش هيعدي على خير. ومن كتر خوفه، قرر يقطع عرق ويسيح دمه، ما هي كدة كدة بايظة. جاب "الواسطي" وكتفه بالحديد، ساعتها لقى "أيمن الأسود" (القائد الوفي اللي كان من ثقات أبوه وغلمانه الكبار)، جاي يجري عليه وقاله بلاش يا ابن الأمير اللي بتعمله ده آخره خراب. "العباس" وقتها مكنش شايف غير صورة أبوه وهو بيعذبه أو بيقتله، وصورة سوء الظن دي لغت عقله تماماً، ومتقبلش النصيحة، هيبة أبوه ورعبه منه بقوا هما المحرك الأساسي لكل تصرفاته، وراح مسكه وقيده هو كمان كنوع من الفدية اللي يفدي بيها نفسه قصاد أبوه.
"العباس" كان لازم يهرب من الفسطاط قبل ما أبوه يعرف، بس كان محتاج حجة شيك تحفظ ماء وجهه قصاد الناس وهو بيهرب. فأظهر قدام الناس وقواده إنه مش هربان ولا حاجة، ده رايح مأمورية عسكرية رسمية في الإسكندرية.
القادة الكبار من رجالة أبوه المخلصين، وعلى رأسهم القائد "محمد بن أَبَّا" ونظراؤه من أصحاب الخبرة، مكلتش معاهم الحيلة دي. استغربوا جداً وقربوا منه وقالوله يا أمير إيه اللي هيوديك الإسكندرية دلوقتي؟ هتعمل إيه هناك وسايب البلد من غير حاكم.
العباس بكل ثقة وتمثيل رد عليهم وقال أصل وصلي خبر إن الروم على أبواب الإسكندرية وعاوزين يهاجموها، وأنا حابب أروح بنفسي ألقاهم في المعركة، لعل الله يكتب لي النصر والظفر عليهم.
القادة فهموا انه بيهرب، بس حبوا يمشوا معاه بالمنطق والنصح لحد الآخر، فقالوا له يا أمير، الروم أمرهم سهل، بعضنا يكفيك المهمة دي ويطلع يربيهم، لكن الصواب والعدل والمنطق بيقولوا إنك ما ينفعش تفارق المكان اللي الأمير أبوك سابك فيه، ما ينفعش تسيب المرتبة والمنصب اللي رتبك فيه. إنت هنا العوض عن غياب أبوك، وإنت مقامه وهيبته في دار مملكته، سيب الإسكندرية لرجالتها وخليك في مكانك.
لكن "العباس" مكنش بيسمع، مكنش فيه في ودانه غير صوت رعب خطوات أبوه اللي بتقرب من مصر. محطش كلامهم في باله، وعشان يثبت إنه مش سايب البلد وبيهرب، ساب أخوه "ربيعة بن أحمد بن طولون" يستخلفه مكانه على الفسطاط، ولم حاجته ورجالته وخرج قاصد وجه بحري.
القادة الكبار لما لقوا "العباس" هرب، وسايب البلد خرب، عرفوا إن "أحمد بن طولون" لما يوصل على الحال ده، ممكن يطير فيها رقاب الكل. بسرعة بروا ذمتهم وكتبوا جواب عاجل لـ "أحمد بن طولون"، بيقدموا فيه عذرهم، وقالوا له يا مولاي، "العباس" غلبنا على رأينا ومسمعش مننا، ومكنش في إيدينا طريقة نمنعه بيها غير النصيحة باللسان، لإنه في الآخر ابنك، وقوة إيده وسلطته في البلد هي اللي إنت مكنته منها بإيدك، ومكنش ينفع نقف قدامه بالسلاح.
"العباس" مخرجش من الفسطاط وإيده فاضية، ده قبل ما يتحرك لم كل اللي طالته إيده وقدر يجهزه؛ خد الفلوس والمال اللي في الخزائن، والمتاع، والسلاح، والخيل والدواب والعدّة العسكرية كاملة، كأنه كان بيصفي تركة أبوه وبيهرّب بجيش بحاله.
وعشان يحبك مأمنه ويشل حركة أي حد يفكر يطارده، أخد معاه "أحمد بن محمد الواسطي" و"أيمن الأسود" متربطين في السلاسل ومقيدين، ماشيين معاه مكسورين ومكرهين وسط العساكر، وهو مستغلهم كدروع بشرية وكروت ضغط يحمي بيها نفسه من غضبة الأسد الطولوني.
خرج العباس بالقافلة التقيلة دي وبالأسرى، ووصل للإسكندرية. هناك، قعد كام يوم، كانت أيام قلق وترقب، عينه على الطريق مستني يعرف أبوه وصل فين، ورجليه بتقدم وتأخر. لكن أول ما حس إن أنفاس "أحمد بن طولون" بدأت تقرب من مصر، والفسطاط خلاص بتستعد لاستقبال الأمير، الخوف وزّه إنه ميفضلش في الإسكندرية؛ لإنها ببساطة هتبقى مصيدة ومقبرة ليه لو أبوه حاصره فيها.
وعشان كدة، تجاوز الإسكندرية بسرعة وسابها وراه، وأخد كل ماله وسلاحه وأسراه، وطلع بيهم على برقة. خرج برة حدود مصر الآمنة ودخل في المجهول، هربان من جنة أبوه لنار الصحراء.
(يتبع)
مروة طلعت
22/5/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4