أحمد بن طولون 21

 (21) أشد الطعنات دايماً بتيجي من المكان اللي بنطمن له، والطعنة اللي بتقتل هي اللي بتيجي من القلب. في أواخر سنة 264هـ / 878م، "أحمد بن طولون" كان خلاص بيجهز نفسه لغزوة أخيرة يختم بيها وجوده في ثغور الشام بعد خروجه من طرسوس، والروح المعنوية لجنوده كانت في السما.

وفجأة، نزل عليه الخبر زي الصاعقة، "ابنك العباس قلب عليك". العباس استغل غياب أبوه، وخد كل اللي طالته إيده من مال وسلاح وخيول، وهرب بيهم لغرب مصر (برقة). والأنكى من كدة، إنه خد "أحمد بن محمد الواسطي" كاتب سر أبوه، واللي كان "ابن طولون" سايبه مع "العباس" مستشار أمين له، و"أيمن الأسود" القائد الوفي، وخرج بيهم متربطين في السلاسل عشان يكسر أبوه أكتر ويشل حركته. ده ايه الجحود ده يا أخي.
عاوزك تتخيل معايا حال "ابن طولون" في اللحظة دي، بالتأكيد وعيه مقدرش يترجم الخبر ويفهمه على طول، دي طعنة مش زي أي طعنة، دي جاتله في الروح مباشرةً. أكيد ابتدا بعدم الفهم، وبعدها الانكار، وبعدها عصفت في راسه الأسئلة اللي ملهاش جواب. "العباس" مين؟ العباس ابني؟ أول فرحتي؟، اللي ربيته على ايدي وتحت عيني؟، "العباس" أعز وأقرب أخواته؟، "العباس" ضلي؟، سندي؟، "العباس" اللي سيبت أهلي وأولادي كلهم في سامراوأخدته هو لوحده معايا مصر وهو ابن 14 سنة؟. "العباس" صاحبي وكاتم سري الوحيد؟، "العباس" اللي حاربت الدنيا عشان أضمنله النيابة بعدي يعمل فيا كدة؟، طب مستعجل على ايه ما هو بعدي؟. كل التساؤلات دي أكيد دارت في عقل "ابن طولون" أول ما سمع جملة "العباس قلب عليك"، نفس احساس الأب لما ولاده يحجروا عليه، ضاع شقا العمر الحقيقي. "ابن طولون" قلبه كان قايد نار، وعقله مش مصدق إن الطعنة جات له من مركز أمانه.
رغم الجمر اللي كان في قلبه والمبادرة اللي كان عاوز يعملها عشان يلحق المصيبة في مصر، إلا إن ترنح "ابن طولون" مكنش عائق قصاده أنه يفكر في الشام وهي فيها حاجة لسة عاملة قلق. الطعنة اللي متموتكش أكيد هتقويك، عشان كدة وقف وفكر، ماينفعش يسيب أطراف الشام من غير حماية. فبعت القائد "أحمد بن جيفويه" في جيش تقيل لمدينة حرّان - حالياً في جنوب شرق تركيا وتحديداً في محافظة أورفة بالقرب من الحدود السورية - وبعت غلامه الوفي "لؤلؤ" لجهة الرقة - حالياً في شمال سوريا على الضفة الشمالية لنهر الفرات - عشان يضمن إن حدود مملكته الشرقية متتاخدش منه وهو مشغول بوجع ابنه.
في سنة 265هـ / 878م، "ابن جيفويه" وصل حرّان ولقى فيها القائد التركي "محمد بن أُتامش" مسيطر عليها بدون وجه حق، لأن الشام وبثغورها بفت تابعة لـ"أحمد بن طولون" بأمر من الخليفة "المعتمد". دخل "ابن جيفويه" عليه وطلب منه الجلاء عن حران، فلما رفض، حصل ما بينهم الصدام والصراع، وهزمه "ابن جيفويه" في النهاية هزيمة منكرة. الخبر وصل لأخوه القائد التركي "موسى بن أُتامش"، وده بقى مكنش أي حد. ده كان فارس من فرسان الزمان، كان مشهور بشجاعته وقوته وانتصاراته، سيرته بتسبقه دايماً على كل لسان. "موسى" غضب لأخوه، وخرج بجيشه قاصد "ابن جيفويه" عشان ياخد بالتار.
"ابن جيفويه" لما عرف إن "موسى" هو اللي جاي له، اتهز والخوف أتمكن منه، لقى نفسه بين شرين، يا إما يقابل "موسى بن أُتامش" وهو عارف إنه مش قده في القوة والفروسية، يا إما يهرب ويرجع لـ"ابن طولون" مهزوم، و"ابن طولون" في حالته دي مش هيرحمه، هيطلع عليه كل غضبه من "العباس". لك أن تتخيل أنت بقى هيعمل فيه ايه ده في حالته دي قليل لو عمل من فخاده شاورما. يعني كده ميت وكده ميت يا ولدي.
"ابن جيفويه" كان قاعد مهموم، مبيكلمش حد، وشكله كان باين عليه الغم والسرحان. "ابن جيفويه" كان خايف من "موسى" مش بس عشان قوته، لكن لأنه كان خايف يزود هموم سيده "ابن طولون" بهزيمة جديدة. في وسط العساكر كان فيه جندي شجاع من الأعراب، أسمه "أبو الأغر". "أبو الأغر" لاحظ حال القائد، فقرب منه بجرأة وقاله: "أيها الأمير مالي أراك مقطبا مغموما ساهما مفكرا منذ أيام فما الخبر؟". "ابن جيفويه" رد بيأس وقاله: "لخبر موسى بن أُتامش". الأعرابي ضحك باستهانة وقاله: "فما هذا وزن ابن أُتامش ولا مقداره أن يبلغ منك مبلغه هذا المبلغ العظيم؟ والله إنه لطيّاش قلق، ولو شاء الأمير أن أمضي فآتي به إليه أسيرا لفعلت". "ابن جيفويه" استغرب جداً من الثقة دي، وافتكر إن الأعرابي بيستهزأ بيه، فقاله بغيظ وهو بيتحداه: "نعم قد شئت أن تأتيني به أسيرا، ولك السبق الوافر"، طيب وريني شطارتك روح هاتهولي أسير ولك عندي مكافأة ملهاش مثيل.
أبو الأغر رد بثقة وقاله: "فضم إليَّ عشرة رجال أختارهم". "ابن جيفويه"، من باب أهي تجربة مش هتخسر، وافق وأمر ال10 اللي أختارهم "أبو الأغر" أنهم يسمعوا كلامه في كل كبيرة وصغيرة.
خرج "أبو الأغر" ومعاه الـ 10 جنود اللي اختارهم، وبدماغ صياد وزّعهم في الطريق؛ خبا 4 في مكان، و3 في مكان تاني، وعمل بينه وبينهم شفرة أو علامة يفهموها أول ما يسمعوها. وخد الـ 3 الباقيين معاه ولبسهم لبس أعراب عاديين زيه، واتسللوا في ضلمة الليل لحد ما دخلوا وسط معسكر "موسى بن أُتامش".
المعسكر كان في حالة هدوء وسكون تام؛ ناس بتأكل الخيل، وناس مريحة في خيامها بتدندن وتغني، وفيه اللي شرب وسِكر ونام، محدش كان متخيل إن فيه حد يجرؤ يقرب منهم. "أبو الأغر" راح عند خيمة "موسى"، وفك حبل جنبه كان مربوط فيه خيل، الخيل اتفزعت وجريت تصهل وتخبط في الخيام، و"أبو الأغر" صرخ هو ورجالته: "الأعراب الأعراب".
أول واحد خرج من خيمتة كان "موسى بن أُتامش" نفسه.. وبسبب شجاعته الزايدة اللي كانت بتوصل لدرجة الطيش، زي ما وصفه "أبو الأغر" لـ"ابن جيفويه"، خرج لوحده تماماً، ومن غير تفكير عشان يلحق اللي بيحصل، من غير ما يستنى باقي رجاله. "أبو الأغر" أول ما شاف "موسى" خارج، عمل نفسه مرعوب وجري من قدامه، فـ "موسى" يجري وراه بكل قوته. "أبو الأغر" عمل نفسه صيدة وهو في الحقيقة الصياد، يجري ويخليه يلحقه متر بمتر، "موسى" فاكر أنه بيطارده لكنه كان بيتسحب للكمين.
أول ما وصلوا، "أبو الأغر" صرخ بالعلامة، وفجأة الأرض انشقت وطلع منها الرجالة المستخبيين من كل ناحية. "موسى" لقى نفسه محاصر، وفي ثانية هجموا عليه وثبتوه في الأرض وربطوه بقوة، وأخدوه أسير لـ "ابن جيفويه".
غلمان "موسى بن أُتامش" لما لاحظوا أنه أختفى، خرجوا يدوروا عليه، بس عيونهم كانت معمية؛ اللي يمشي يمين واللي يروح شمال، ومحدش مشي في الطريق الحقيقي اللي ماشي فيه "ابن الأغر" ورجالته وهم خاطفين "موسى".
"ابن جيفويه" والناس لما شافوا "موسى بن أُتامش" اللي بيترعش منه الشجعان داخل عليهم متسلسل، عيونهم برقت وأفواهم فتحت استغراب ودهشة، مكنوش مصدقين إن دي شطارة "أبو الأغر" ولا تدبير "ابن جيفويه"، قالوا ده حظ بخت "ابن طولون" وسعده هو اللي سخر له الأقدار ووقع له الأسد في فخه. حظ "ابن طولون" كان مسيطر في نفوس جنوده كتفسير لأي شئ طيب بيحصل، لكن حظه للأسف كان في كل شئ ما عدا ابنه.
"ابن جيفويه" مكدبش خبر، وفى بوعده وأكرم "أبو الأغر" وجازاه ووهبه خيول غالية، وبعدين بعت "موسى" لـ "احمد بن طولون". رغم عداوه "موسى بن أُتامش" لـ"ابن طولون"، إلا أن "ابن طولون" كان قائد ذكي، بيحب يكسب المحبة مش العداوة. "ابن طولون" استقبله في داره، فرش له أوضة مخصوص، فك قيده، ولبسه أفخر الثياب وأكرمه كرم ملوك. وطبعاً "أبو الأغر" نال نصيبه من رضا "ابن طولون"؛ زود مرتبه وعطاياه، وخلع عليه – لبسه الملابس السلطانية كتكريم له - وخلّى اسمه يتردد في كل مكان كبطل المعركة دي.
وفي رمضان سنة 265هـ / مايو 879م، "ابن طولون" اضطر يقطع رحلته في ثغور الشام ويرجع بسرعة لمصر، عشان يلحق المصيبة اللي عملها ابنه "العباس"، ودي كانت من أصعب وأقسى اللحظات اللي مرت في حياة "أحمد بن طولون".
(يتبع)
مروة طلعت
15/5/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4