أحمد بن طولون 2

 (2) في سنة (242 هجرية / 876 ميلادية)، كان أمير المؤمنين وخليفة المسلِمين العباسي هو "أبو الفضل جعفر المتوكل على الله بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور العباسي الهاشمي القرشي" (المولود في شوال 206 هجرية – مارس 822 ميلادية / والمتوفي في 4 شوال 247 هـجرية – 11 ديِسمبر 861 ميلادية)، المعروف ب"المتوكل على الله". في الوقت ده كان "أحمد بن طولون" مكان والده "طولون" في القصر العباسي، يعني كان أمير الحرس، أو رئيس حرس الخليفة الخاص. على الرغم من أهتمام "أحمد بن طولون" بالعلم والتحصيل، ودراسة الفقة والشريعة، إلا أن وجوده وسط الجنود أجبرته على تعلم الفنون القتالية. وزي ما كان طالب نجيب ومتفوق، كان برده جندي صنديد وذو كفاءة قتالية، وذكاء ملحوظ، عشان كده قدر يشغل منصب والده الحساس. بس كانت روح "أحمد بن طولون" ميالة أكتر للدراسة وتلقي العلم، وكانت الدسائس والمؤامرات في البلاط العباسي خنقاه ومضيقة روحه.

"أحمد بن طولون مكنش مجرد شاب تركي محظوظ ابن أمير، المؤرخ "البلوي" بيوصف نشأته ويقول إنه نشأ نشوءاً جميلاً غير نشوء أولاد العجم. يعني في الوقت اللي كان فيه ولاد الأمراء الأتراك غرقانين في المنظرة واللذات وتجميع الفلوس، كان أحمد دماغه في حتة تانية خالص. كان عنده طموح ومتدين، وكان بيترفع عن أي حاجة صغيرة أو الاستغلال والانتهازية، يعني مكانش بيستخدم نفوذه كابن قائد كبير عشان ياخد حاجة مش حقه، أو يفرض إتاوات، أو يعيش عالة على تعب غيره. أولاد العجم وقتها كانوا ممكن يتخانقوا على مغانم تافهة، أو يسهروا في مجالس لهو مفيهاش وقار، أو يعملوا حركات صبيانية تسيء لرتبهم العسكرية. كان فيه نوع من الفوضى الأخلاقية في سامراء، أحمد كان بيشوف إن الجري ورا الحاجات دي سَفلقة وقلة قيمة لا تليق بحد ناوي يكون له شأن.
"أحمد" رغم إنه ابن البلاط، إلا أنه كان بيبص للأتراك اللي زيه بنظرة احتقار لعقولهم وأخلاقهم. كان شايفهم تسللوا لمراكز هما ميستحقوهاش، وقال عنهم: "حرمة الدين عندهم مهتوكة ومعطلين فروضه". "أحمد" في مرة كان قاعد مع صاحبه "أحمد بن محمد بن خاقان"، وقلبه كان واجعه، قاله: "لحد إمتى يا أخويا هنفضل مشاركين في الإثم ده؟ إحنا كل خطوة بنمشيها في القصر ده بتتحسب علينا خطيئة".
وفي يوم، راح "أحمد بن طولون" للوزير "عبيد الله بن يحيى بن خاقان" واللي كان عم صديقه "أحمد بن محمد بن يحيي بن خاقان"، والتلاتة كانوا من جنس الترك زي بعض. طلب "أحمد بن طولون" من الوزير، أنه يتوسطله للخليفة، يبعته يشتغل في طرسوس - مدينة حاليا في تركيا - عشان طرسوس في الوقت ده كانت مشهورة بعلماء الحديث والتفسير والفقة، وهو كانت عاوز يتحصل منهم العلم جنب شغله هناك.
ساب "أحمد بن طولون" أسرته في سامرا - كانت عاصمة الخلافة العباسية وقتها حاليا في العراق - وسافر مع صاحبه "أحمد بن محمد بن خاقان" علي طرسوس، ودي كانت واحدة من النقط الحربية المهمة على الحدود بين أملاك المسلمين وأملاك الروم في آسيا الصغرى واللي كانت معروفة بمنطقة الثغور. أول ما راح هناك أتعين رئيس للجند فيها، وبعد فترة من إثبات الكفاءة وحسن الإدارة، ولاه الخليفة إمارة طرسوس. وفضل "أحمد بن طولون" سنين في طرسوس أمير عليها وبيدرس فيها.
من أشهر جمل "أحمد بن طولون" في الفترة دي، لما قال: "ينبغي للرئيس أن يجعل اقتصاده على نفسه وسماحته على من يقصده ويشتمل عليه، فإنه يملكهم ملكا لا يزول به على قلوبهم". العبارة دي بتقول إن الحاكم لازم يكون قادر يدير اقتصاده بنفسه، وما يعتمدش على حد، وكمان يكون كريم مع الناس اللي بتيجي تطلب منه مساعدات. وبالطريقة دي، يكسب قلوب الناس وولائهم، وده بيدي له قوة مش سهل أنها تتأثر.
"أحمد" كان بيحب العلم بجد، وعشان كدة راح طرسوس، ولقى هناك شيوخ الحديث، وسمع منهم وكتب العلم لحد ما بقى عنده ثروة معرفية كبيرة. بس اللي ميزه فعلاً في طرسوس، إنه مكنش قاعد في برج عاجي، ده صاحب هناك جماعة من الزهاد وأهل الورع، ناس مبيعرفوش غير ربنا والصدق، وهما دول اللي أدبوه بآدابهم وصقلوا شخصيته. لدرجة إن صاحبه قال: "خلاص أحمد كدة مش عاوز يمسك شغل سلطنة تاني، ده بقى درويش".
"أحمد بن طولون" كان راجل على خلق وعلاقاته مع الأمراء والجنود كويسة جدا، عشان كان في حاله، وكان ظاهر لكل رجال البلاط أنه ملوش طموح سياسي ولا عسكري، راجل بيشتغل وبيعمل اللي عليه على أكمل وجه لا أكتر ولا أقل، ودماغه مشغولة في العلم والتعلم وبس. لكن ع الصعيد الآخر "أحمد" بقى له هيبة في قلوب الناس الصالحة (الأولياء)، وبقى أعلى بكتير من باقي الأتراك في سامراء. لدرجة إن القادة الأتراك نفسهم، رغم جبروتهم، كانوا بيبصوا لـ"أحمد بن طولون" بنظرة تانية خالص، كانوا بيعتبروه هو خزنة أسرارهم والراجل اللي يأتمنوه على فلوسهم وأهل بيتهم.
الخليفة العباسي "المتوكل على الله" كان خليفة قوي، لكن مشكلته إنه كان عنيد وبيحب يفرض رأيه، حتى لو زعل اللي حواليه. واحد من اللي كان على خلاف معاه هو ابنه الأكبر "المنتصر بالله". المتوكل كان بيفضل عليه أخوه الصغير "المعتز بالله" وعايز يعينه ولي عهد مكان "المنتصر". نضيف على ده بقى إن الخليفة "المتوكل على الله" كان على خلاف كبير مع قادة الجيش الأتراك، اللي كانوا القوة الحقيقية ورا العرش. هو كان بيتعامل معاهم بغطرسة وبيحاول يقلل من نفوذهم - وهو ده الصح والمفروض أساسا - وده خلاهم متغاظين منه وكارهينه، وأصلا خلاف الخليفة وأبنه بسبب ميل "المنتصر" للجنود والقادة الترك، على عكس رغبة والده الخليفة "المتوكل على الله".
يوم 3 شوال 247 هـجرية، كان الخليفة "المتوكل" وأبنه "المنتصر" كانوا قاعدين في جلسة شُرب، وفجأة "المتوكل" بدأ يهين "المنتصر"، مرة يشتمه، ومرة يأمر حد يضربه بالقلم، لحد ما في لحظة قال لوزيره الفتح: "بُرئت من الله ومن قرابتي من رسول الله صل الله عليه وسلم إن لم تلطمه". "الفتح" طبعا مقدرش يعصاه، قام ضرب "المنتصر" قلمين على وشه. ورجع الخليفة "المتوكل" يقول ل"المنتصر": "سميتك المنتصر فسماك الناس لحمقك، ثم صرت الآن المستعجل". وقام وعلا صوته في القاعة وقال: "اشهدوا علي جميعا، أني قد خلعت المستعجل". "المنتصر" قلبه اتملا غيظ وغضب، وقال لأبوه الخليفة "للمتوكل": "لو أمرت بضرب عنقي كان أسهل علي مما تفعله بي". بعد كده، خرج "المنتصر" من القصر، وعيونه مليانة شر، وهو ناوي على حاجة.
تاني يوم يعني في (4 شوال 247 هـجرية – 11 ديِسمبر 861 ميلادية)، الخليفة "المتوكل" كان في مجلسه مع أصحابه، والجو حواليه هادي. فجأة، القائد التركي "بُغا الشرابي" دخل القصر ومعاه رجالة مسلحين. الخليفة "المتوكل على الله" مكنش عارف إنه فيه مؤامرة أتدبرت بينهم وبين أبنه "المنتصر" ضده، وكان فاكر إن الأمور تحت السيطرة.
"بُغا الشرابي" استغل لحظة نوم الخليفة "المتوكل" وهو قاعد، وأمر الناس اللي كانوا في المجلس يمشوا، وقال كلام عجيب زي: "إن أمير المؤمنين أمرني أنه إذا جاوز السبعة، لا أترك أحدا، وقد شرب أربعة عشر رطلا، وحرم أمير المؤمنين خلف الستارة". وفعلا، قفل الأبواب، وما خلاش غير باب واحد مفتوح من ناحية النهر، ومنه دخل الجنود الأتراك ومعاهم سيوفهم.
الأمير "طلحة بن المتوكل" كان عنده 18 سنة، كان في القاعة وشاف الجنود وهم داخلين، فصرخ بأعلى صوته وقال: "ما هذا يا سُفل؟!". الخليفة "المتوكل" صحي على صوت ابنه، وبص للجنود مستغرب وسأل "بُغا": "ما هذا يا بُغا ؟". "بُغا" حاول يهدي الموقف وقال إنهم رجال الحماية، بس بعد لحظة، صرخ فيهم وقال: "يا سُفل! أنتم مقتولون لا محالة، فموتوا كرامًا!"، وهجموا على الخليفة.
أول جندي ضرب الخليفة "المتوكل" بالسيف على كتفه، لدرجة إن ودنه اتقطعت. الخليفة "المتوكل" حاول يقاوم، لكن واحد تاني طعنه في جنبه. الوزير "الفتح" كان موجود، جري على الخليفة وحاول يحميه بجسمه، لكنهم طع.نوه هو كمان. في النهاية، "المتوكل" و"الفتح" ماتوا في مكانهم. الجثث اتلفت في بساط، واتدفنوا في نفس الليلة.
الليلة دي كانت صدمة كبيرة في العالم الإسلامي، لأنها كانت أول مرة يتقتل خليفة بالطريقة دي، غدر ومن أقرب الناس له. ودي كان بداية انهيار قوة الخلافة العباسية.
"أحمد بن طولون" في الليلة دي كان بعيد تماما عن سامرا، قاعد في ولايته طرسوس، وجاتله الأخبار وسمع زي باقي الناس اللي حصل للخليفة "المتوكل على الله"، وخلافة أبنه "محمد المنتصر بالله" من بعده، واللي حصل ده أكدله صحة نظرته لجنود الترك. وفي اللحظة دي، طرسوس مكنتش بالنسبة له مجرد مكان للعلم، دي كانت الدرع اللي حمى رقبته من سيوف "بُغا" وزمايله، وحمت روحه من لوثة الغدر.
(يتبع)
مروة طلعت
4 / 4 / 2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
الجزء الاول



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4