أحمد بن طولون 19
(19)بعد موت "موسى بن بُغا"، "الموفق بالله" مأخدش نفسه، ولا هديت ناره. كان حاسس إن كرامته اتجرحت ورسالة "احمد بن طولون" لسه صداها بيتردد في قلبه بمرارة. قعد مع الخليفة "المعتمد" يوسوس له بخبث عشان يقلبه على "ابن طولون"، فجابها من ناحية الثغور الشامية وقاله أنها بتضيع ومش مُأمنة كفاية خصوصاً أنها حدود العالم الاسلامي مع الروم البيزنطيين، والبلد محتاجة راجل شديد يقود الناس للغزو، و"أحمد بن طولون" مهملها تماماً، وكل ما يبعت حد هناك بيبعت ناس ضعيفة مش قد المسؤولية.
"الموفق" كان عاوز يسحب البساط من تحت رجل "ابن طولون" في الشام، وبطريقة شرعية. الخليفة "المعتمد" وافقه، واستقروا يبعتوا "محمد بن هارون التَّغْلبي"، وكان والي الموصل وقتها. بعتوا له استدعاء عاجل عشان يتولى أمر الثغور الشامية بدل "ابن طولون".
"ابن هارون" ركب مركبه من الموصل في نهر دجلة"، لأنه كان تعبان عنده مشاكل صحية في ضهره ميقدرش يركب خيل ويسافر عليها عن طريق البر. وهو في وسط المية، هاجت ريح شديدة، قلبت المركب وحدفته على الشط في مكان مكنش عامل حسابه.. وقع في إيد جماعة من أتباع "مساور الشاري" (من الخوارج الأعداء)، وأول ماعرفوه أنه والي تبع الخليفة، قتلوه ونهبوا كل اللي معاه. "الموفق" أول ما سمع الخبر، بقى قاعد مذهول ومتحير، هو "ابن طولون" ده معمول متحصن، إيه الحظ اللي ماشي معاه ده، يكونش ولي ولا ساحر، كل ما أبعت حد يضايقه، يجرى له مصيبة.
ورغم كدة "الموفق" فضل منشف دماغه، وقرر يبعت "محمد بن علي الأرمني"، واداله ولاية الثغور وعليهم كمان أنطاكية. لما وصل "ابن علي الأرمني" لأنطاكية، كان في واحد من القادة العسكريين المرابطين في منطقة "الثغور" أسمه "سيما الطويل"، معجبوش الحال وشاف نفسه أحق بأنطاكية من "الأرمني". حاول يدخل أنطاكية بالعافية، فـ"الأرمني" منعه وطرده. "سيما الطويل" مَسكتش، كان معروف عنه إنه "مُحرض" شاطر، بيعرف إزاي يحرّك الناس ويضحك على عقولهم عشان يخدموا مصلحته. بعت لأهل طرسوس – أهم ثغر في الثغور الشامية - يقلبهم ويحرضهم على "الأرمني" وخوفهم منه. أهل طرسوس سخنوا وأنقلبوا على "الأرمني". وقام صراع ومعاركبين أهل طرسوس والوالي "الأرمني"، وحصلت بينهم وبينه خناقة كبيرة انتهى بمأساة، هجموا عليه وقتلوه في بيته ودفنوه مكان ما أتقتل في البيت.
مدد يا"ابن طولون" مداااااااااد، اللي معاه ربنا يمشي ع المية، الراجل أعداؤه بيقعوا لوحدهم من غير ما يجي جنبهم. "الموفق" لما عرف، الغيظ كان يموته، وبقى متهيقله ان "ابن طولون" عبارة عن مقبرة لولاته.
لكنه برده محرمش، قال جايز تسلك المرة دي، وجاب "أرخوز بن يولغ" قائد تركي، وأمره يمسك الثغور، وأول ما توصل اقبض على "سيما الطويل". "أرخوز" وصل من هنا، ونسي المهمة، كان راجل بطني، همه على كرشه، قعد يشرب وياكل كأنه مشفش أكل وشرب قبل كدة. من فجعته أخد كل المؤن والأكل (الميرة) اللي كانت رايحة للعساكر المرابطين اللي بيحموا الحدود في قلعة اللؤلؤة (قريبة من طرسوس).
"أرخوز" أكل طعام العساكر، والعساكر هناك جاعوا وتعبوا، وبعتوا لأهل طرسوس يستغيثوا بيهم، وقالولهم لو مبعتوش لنا أكل وفلوس مرتباتنا فوراً، إحنا هنسلم القلعة للروم ونمشي.
أهل طرسوس اترعبوا، القلعة دي لو وقعت الروم هيدخلوا بيوتهم. جمعوا من بعضهم 15 ألف دينار ذهب عشان يبعتوها للعساكر. "أرخوز" أثبت أنه مش بس مفجوع، ده كمان حرامي، لما شاف الذهب، عينه برقت، وقال لأهل طرسوس هاتوا الفلوس متتعبوش نفسكم، أنا هوصلها لهم بنفسي وأتوسط للصلح بينكم. أهل طرسوس صدقوه وادوله الذهب، وبمجرد ما بقت في إيده، أخد الذهب لنفسه، وبعت يقول لهم خلاص الفلوس وصلت والعساكر اتراضت.
العساكر في قلعة "لؤلؤة" استنوا يوم، اتنين، تلاتة، مفيش فلس وصل. وفي لحظة يأس وجوع، سابوا القلعة وانسحبوا، وسلموها للروم بجد. الخبر نزل على أهل الثغور زي الصاعقة. الروم بقوا على الأبواب، والقلعة الحصينة ضاعت بسبب حرامي بغداد بعتته يحميهم.
أهل الثغور خرجوا في الشوارع يصرخوا ويولولوا، والاضطراب بقى سيد الموقف في البلاد كلها. الخبر لما وصل للخليفة "المعتمد" عن ضياع قلعة اللؤلؤة وصراخ الناس في الشوارع، اتنفض من مكانه وأنكر اللي حصل تماماً. "الموفق" ملقاش عنده أي حيلة تانية يداري بيها فشل رجالته، وبقت الضرورة هي اللي بتحكم مش العناد. "المعتمد" قال لـ"الموفق" بس كدة كفاية، خربتها وقعدت على تلها، مفيش حد يقدر ينقذ الموقف غير "أحمد بن طولون"، الوحيد اللي يقدر يلم الليلة دي، ومسمعش حسك تاني. وبعت الخليفة "المعتمد" رسالة رسمية لـ"أحمد بن طولون" يطلب منه إنه يدير أمر الثغور ويظبط أحوالها بالشكل اللي يشوفه مناسب.
"الموفق" وقف عاجز تماماً، مفيش في إيده حيلة تمنع "ابن طولون" إنه يمد نفوذه للشام، ده من غير ما يقوم من كرسيه، أثبت من خلال فشل محاولات "الموفق" المتكررة، أنه الرجل المناسب رغم أنف "الموفق"
"ابن طولون"، أول ما استلم المهمة فكر في أخوه "موسى بن طولون" (اللي كان مقيم في طرسوس من وقت ما حصل الزعل القديم بينهم)، بعتله تكليف بولاية طرسوس، لكن "موسى" رفض العرض تماماً، وفضل شايل من أخوه. "ابن طولون" محبش يضغط عليه، فبعت لـ"إبراهيم بن عبد الوهاب" اللي كان موجود في طرسوس برده، لكنه اعتذر تعفف عن المنصب.
أخيراً، وقع الاختيار على "طخشي بن بلبرده"، اللي وافق على التعيين، "ابن طولون" بعتله رسالة وصاه فيها على أهل طرسوس وقاله عامل الناس بالمعروف، وسيرتك تكون حلوة وسطهم، واستحمل هفواتهم وغلطاتهم. و"طخشي" كان عند حسن ظن "ابن طولون" فيه؛ دخل طرسوس وبقى زي البلسم على جروح الناس، وسيرته بقت أحلى من المسك، وفضل هناك والي محبوب لحد ما مات، والناس في طرسوس والثغور كلها حزنت عليه.
وعشان "ابن طولون" راجل محظوظ، والدنيا فاتحاله دراعاتها من رضا ربنا عليه، "ماجور" والي الشام اللي كان دايماً حجر عثرة في طريقه وبيسعى لأذيته مات هو كمان. "ابن طولون" أول ما عرف الخبر، سجد لله حمد وشكر، وكأن ربنا بينضفله الساحة من كل اللي كانوا بيحيكوا له المؤامرات.
في شوال سنة 264هـ / يونيو 878 م، "ابن طولون" استخلف ابنه "العباس" على حكم مصر، وساب معاه كاتبه المخلص والخبير "أحمد بن محمد الواسطي". ووصى ابنه يسمع كلام "الواسطي" ويقتدي برأيه، ومايخرجش عن أي قرار يرسمهوله، ويتعلم منه فنون أدارة البلاد. وخرج "ابن طولون" بجيشه متوجه للشام.
"ابن طولون" وهو طالع قلبه بقى خالي تماماً من هموم أعداءه التقلاء؛ "عبيد الله بن خاقان" و"موسى بن بُغا" ماتوا، و"ماجور" لحقهم.. كل اللي كانوا بيخططوا لهلاكه بقوا تحت التراب، وهو النهاردة طالع يضم الشام لمصر بشكل شرعي رسمي باسم الخلافة.
وهو في الطريق، كان بيسابق الزمن (جَدّ في السير)، واستخدم كاتب جديد اسمه "أبا الضحاك محبوب بن رجاء". أول حاجة عملها إنه بعت رسالة تعزية لابن "ماجور" في وفاة أبوه. ابن ماجور ده كان لسه صبي صغير، بس رجالة أبوه وأصحابه قعدوه مكانه "منصب رياسة".
اللي كان شايل الليلة كلها ومدبر الأمور في الشام وقتها هو القائد التركي "أحمد بن دعباش"، كان معروف عنه انه شهم، صبور، عاقل جداً، وإيده فرطة بالمال، وشه سمح، وسفرته دايماً مفتوحة للناس (سخي على الطعام)، وأهم من ده كله إنه كان حازم التدبير وعارف إزاي يدير الدفة في غياب "ماجور".
"ابن طولون" وهو في طريقه للشام، كتب لـ "ابن ماجور" (اللي لسه صبي وبيدير شؤون أبوه) رسالة قاله فيها أمير المؤمنين قلّدني الشام كله فوق الثغور، وأنا جاي ورا رسالتي دي على طول. فالمطلوب إنك تجهز لنا الميرة والعلف وكل ما يحتاجه العسكر والناس.
"ابن ماجور"، بذكاء الفطرة، رد بأحسن جواب وبمنتهى الأدب. وأول ما "ابن طولون" قرب من الرملة، خرج يستقبله "محمد بن رافع" (خليفة ماجور هناك) ومعاه أحمال الميرة والعلف، وكان أول واحد يقيم الدعوة لـ"ابن طولون" على المنابر في الشام. ووقف في استقبال "ابن طولون" على الطريق، ونزل من على حصانه بلهفة، وتقدم وباس إيده بكل احترام. "ابن طولون" لما شاف فعله وحسن استقباله، استقبله ببشاشة، وسأله عن أحواله وأخباره كأنهم اتنين صحاب، فرد "ابن رافع" بأدب: " سلامة ما أبقى لنا الامير أيده الله ". "ابن طولون" عزّاه في صاحبه "ماجور" ومَثّل أنه حزين عليه كجزء من واجب العزا، وشكر له موقفه، وكمكافأة ليه، ثبّته في منصبه على الرملة.
اتحرك ابن طولون لدمشق، وهناك كان المشهد مهيب؛ خرج "علي بن ماجور" ومعاه "أحمد بن دعباش" وكل قادة وجيش "ماجور" يستقبلوه استقبال الفاتحين. وكانوا مجهزين كل الميرة والعلف والطلبات اللي الجيش محتاجها. و"ابن طولون" بذكاء القائد اللي بيحافظ على الكوادر الناجحة، أقر "أحمد بن دعباش" على دمشق واستخلفه عليها.
وهو في دمشق، حصلت حادثة قلبت المدينة؛ حريق ضخم شبّ عند "كنيسة مريم". "ابن طولون" ركب حصانه وراح بنفسه لمكان الحريق، ومعاه كاتب الطريق " أبو الضحاك محبوب بن رجاء " و الشيخ "أبو زرعة البصري". "ابن طولون" سأل "البصري": " ما يسمى هذا الموضع؟"، قاله: "كنيسة مريم". "أبو الضحاك" سأل وقال: " أكان لمريم كنيسة؟ "، فجاوبه "البصري": "لا ما هي من بناء مريم وانما بنوها على اسمها ". "ابن طولون"، اللي بيقدر المقامات، بص لـ"أبو الضحاك" بغضب وقاله بلهجة حازمة: "مالك وللاعتراض على الشيخ؟" يعني تأدب في حضرة الكبار.
وهنا، ظهرت أخلاق "ابن طولون" الحقيقية؛ أمر بصرف 70 ألف دينار من ماله الخاص، عشان يعوضوا كل واحد اتحرق له حاجة، وقال لهم يصدّقوا كلام أي حد يقول أنه خسران حاجة في الحريق من غير ما تحلفوه يمين، يعني أي حد محتاج حاجة من الفلوس دي ياخد. الناس أخدت حقوقها وزيادة وفاض من الفلوس 14 ألف دينار، ربنا كان مبارك، فأمر بصرف مبالغ تانية ضخمة اتوزعت على فقراء دمشق والغوطة، لدرجة إن أقل واحد مستور فيهم أخد دينار ذهب.
كمل "ابن طولون" رحلته لـ "حمص"، وهناك لقاه "عيسى الكرخي" (والي حمص) ونزل له من على حصانه عشان يظهر الولاء. "ابن طولون" كان ناوي يثبته في مكانه زي اللي قبله. لكن وصله شكاوي واستغاثات أهل حمص من سوء سيرته وظلمه ليهم. "ابن طولون" غَيّر رأيه فورا، مكنش يحب الظلم، وصرفه فوراً عن الولاية وولاها لـ "يمن التركي" واحد من غلمان "ابن طولون" المخلصين.
انضم لـ"ابن طولون"، "ابن وصيف" مع جماعة كبيرة من قادة "ماجور"، وبقت الشام كلها في مِلك ايد "ابن طولون"، مش بالسيف، لكن بالعدل، وبالفلوس اللي طيّبت خاطر الغلابة، وبالحزم مع الولاة الظلمة. لكن تفتكر رحلته في الشام خلصت على كدة، بالتأكيد كان لازم يطهرها من "سيما الطويل" ويحصن الثغور ضد الروم، قبل ما يعتبر رحلته نجحت ويرجع لعرشه في مصر. وده اللي هنشوفه الحلقة الجاية ان شاء الله.
(يتبع)
مروة طلعت
11/5/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ #أحمد_بن_طولون #تاريخ_مصر #سيد_الديار #القطائع #السيرة_الطولونية
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.
تعليقات
إرسال تعليق