أحمد بن طولون 18

 (18)"الموفق" أول ما شاف الفلوس، قرر إن الهجوم هو سبيله الوحيد لتمكين موقفه وتأمين مكسبه، وقلب الترابيزة لصالحُه. بعت رسالة لـ"أحمد بن طولون"، بس المرة دي كانت رسالة بلهجة ناشفة، فيها استعلاء واستصغار للمبلغ. قاله إيه الفلوس القليلة دي؟ إحنا لو قعدنا نحسب الحسابات الصح، المفروض تبعت لنا أضعاف المبلع ده، أنت فاكرنا مش عارفين خراج مصر كام.

"الموفق" في الرسالة، ده طول لسانه على "ابن طولون"، وشتمه، وغلط فيه، وكمان قلل من شأنه في مجالس بغداد. ومش بس كدة، ده بدأ يدور بين أصحابه ورجالته في الدولة عن حد يبعته مصر عشان يمسك البلد مكان "ابن طولون" ويحل محله. وهنا ظهرت عبقرية "ابن طولون" وبعد نظره. "الموفق" قعد يدور على حد يقبل المهمة دي، بس ملقاش، كل ما يكلم حد من وجوه الدولة والأكابر عشان يروح يحل محل "ابن طولون"، يتهرب منه بألف حجة.
طبعا أحنا عارفين ليه، حكينا اللي بيعمله "ابن طولون" هناك قبل كدة. ايه ده مش فاكرين!! طيب هفكركم بسرعة كدة بس ابقوا راجعوا السلسلة تاني بقى. "ابن طولون" طول السنين اللي فاتت كان ملاطف جداً مع أعيان وكبار الدولة في بغداد؛ كان بيبعت لهم هدايا، وبيودّهم، وبيسلفهم عن طريق التجار، وعامل معاهم شبكة علاقات قوية جداً، فمبقاش فيه حد في بغداد يقدر يرفع عينه كدة ويتجرأ ياخد مكانه، لأنهم كلهم مديونين له أو مستفيدين من كرمه.
أصحاب الأخبار (الجواسيس بتوع ابن طولون اللي زرعهم في قلب موكب الأعيان قبل كدة) مكنوش نايمين. نقلوا لـ"ابن طولون" كل كبيرة وصغيرة حصلت في مجلس "الموفق"، وحكوا له عن كلامه عنه، وعن محاولات "الموفق" الفاشلة إنه يلاقي له بديل.
لما "ابن طولون" قرأ رسالة "الموفق" وسمع اللي بيتقال في ظهره، ملامحه اتغيرت، لكنه كان هادي هدوء الواثق اللي عارف هو بيعمل إيه. بص للرسالة بكل استهانة وقال حساب ايه ده اللي بيني وبينه عشان يكلمني بلغة الأرقام دي؟ وإيه صفته عشان يخليه يكتب لي كلام بالشكل ده؟
"ابن طولون" كان والي للخليفة "المعتمد"، ومش ملزم قدام "الموفق" بأي حسابات قانونية، حتى بناء على عهد الكعبة والبيعة مصر كانت في غرب المملكة يعني تحت مسؤولية "المفوض بن المعتمد"، مش تبع "الموفق"، وكانت حركة الفلوس دي جدعنة من "ابن طولون" عشان يتقال انه وقف مع الخلافة في حربها ضد الزنج مش أكتر، انما تحويل الفضل لفرض بالشكل المهين اخد الكلام لمنحنى تاني. كلام "ابن طولون" كان بمثابة إعلان إنه مش خايف، وإن علاقته ببغداد بقت على المحك، وإن زمن السمع والطاعة لـ"الموفق" انتهى، والملعب دلوقتي مفتوح للي نَفَسه أطول.
"ابن طولون" مَسكتش على رسالة "الموفق" اللي استصغر فيها مجهوده، ده كتب رسالة طويلة عريضة رد فيها الصاع صاعين وبكل عزة نفس. الرسالة دي لما وصلت لبغداد، عملت زلزال، "الموفق" أول ما قراها حس بالقلق والتوتر والغضب، عرف أن "ابن طولون" مش خايف منه ولا من قدره، وحس إن كرامته اتهانت (انت محدش قالك أن لسان ابن طولون أطول من الطريق بين مصر وبغداد ولا ايه).
"الموفق" قرر ينهي اللعبة دي بالقوة، فبعت جاب "موسى بن بُغا"، وده مكنش أي قائد، ده هو الجنرال الذي لولاه سقطت الدولة العباسية مبكراً قصاد الثورات ، وأشد راجل في بغداد بأساً وإقداماً. "الموفق" أمرة تهجم على مصر حالاً، وتقضي على "أحمد بن طولون" وتسلّم ولايته لـ"ماجور" والي الشام. وفي الوقت اللي كان "موسى" متجه بجيشه لمصر، كانت رسالة "الموفق" وصلت لـ"ماجور" وفيها أمر تكليفه بولاية مصر. بس "ماجور" لما جاتله الرسالة، إيده اترعشت وقلبه وقع في رجليه. "ماجور" بما أنه جار "ابن طولون" وقريب منه عنهم، كان عارف كويس مدى قوة "ابن طولون"، فخاف يواجهه أو حتى يبلغه بالرسالة، لأنه عارف إن موازين القوى عمرها ما هتميل لصالحه قصاد "ابن طولون" أبداً، فقرر يخفي الرساله، كأنها موصلتلوش، ويقف يتفرج ويشوف الريح هتميل لفين مابين "أحمد بن طولون" و"موسى بن بُغا".
"موسى بن بُغا"، شديد الإخلاص ل"الموفق"، قرر ينقض "عهد الكعبة" اللي اتكتب بين "الموفق" و"المفوض" ابن الخليفة. خرج بجيشه العظيم وهو ناوي يكتسح أي حد يقف في طريقه، وفضل ماشي بجيشه الجرار لحد ما وصل لمدينة الرقة – حالياً شمال سوريا - وهناك بدأت الأخبار تطير لمصر زي البرق.
"ابن طولون" لما عرف بالخبر، اتغم وقلق، بس مش خوف من "موسى بن بُغا" كقائد عسكري، هو عارف إنه يقدر يغلبه ويصد جيشه، لكن اللي كان واجعه بجد هو هيبة الدولة؛ كان شايل هم اللحظة اللي يضطر فيها يشيل سيفه في وش جيش الخلافة الرسمي ويبان قدام الناس إنه خارج على الخليفة وكاسر لجيش المسلمين، مكنش حابب يوصل للنقطة دي. الصراع النفسي ده كان أتقل على قلبه من الحرب نفسها. لكن "ابن طولون" مكنش بيتردد كتير، كان راجل بيفكر دايماً في نتائج أفعاله وقراراته قبل الإقدام عليها، وعنده المقدرة على تحمل مسؤولية نتايج قراراته، عقله مبيوقفش عن التخطيط. قعد يدرس خريطة مصر، ولقى إن مفتاح المحروسة هو النيل.
في سنة 263هـ /877م، قرر "أحمد بن طولون" يبني حصن عظيم ومنيع على الجزيرة اللي بين الفسطاط والجيزة – جزيرة المنيل – عشان يكون المعقل اللي يحمي فيه أهله من زوجاته وأولاده وزوجاتهم والجواري والخدم وذخائره، وبكدة يفضى قلبه وباله تماماً للحرب من غير ما يشيل هم اللي في بيته لو الأمور اتأزمت.
جهز أسطول بحري مرعب؛ صنع 100 مركب كبيرة، و100 مركب حربية، ده غير العلابيات اللي هي نوع من المراكب الضخمة اللي بتستخدم في النقل الثقيل وكلمة "علابي" كانت بتطلق أحياناً على السفن اللي ليها شكل معين أو ضخامة واضحة تخليها تشيل أحمال مهولة، والحمائم اللي هي سفن حربية صغيرة وسريعة جداً بتنقض على العدو زي الحمام في سرعته وكانت بتستخدم في المراقبة والاستطلاع وضرب الأطراف، والعشاريات (مراكب الصفوة) كانت بتستخدم لنقل القادة والبريد السريع وفي المناورات اللي محتاجة حركة خاطفة، والسناديل (جمع صندل) وهي مراكب مسطحة وكبيرة وظيفتها الأساسية كانت شحن البضائع التقيلة والعتاد ميزتها إنها بتقدر تمشي في الأماكن اللي ميتها مش غويطة فكانت مثالية لنقل الغلال والتموين للجيش، وقوارب الخدمة ودي قوارب صغيرة بتتحرك بين السفن الكبيرة عشان تنقل الرسايل أو الأكل أو العساكر من الشط للمركب ومكنش ينفع أي أسطول يتحرك من غيرها. يعني أسطول ضخم ومحترم ومخيف. وسد وجه البحر الكبير – فرع دمياط - ومنع أي مركب جاية من طرسوس أو غيرها إنها تقرب، والمراكب بتاعته تكون زي حائط الصد المنيع.
وعشان يكمل الحصار، قرر يضرب "موسى بن بُغا" في قلب جيشه قبل ما يوصل. بعت رجاله للصعيد وللوجه البحري، وأمرهم يمنعوا وصول أي غلة (القمح والشعير والذرة) أو ميرة (الدقيق والزيت) للعاصمة، عشان لو جيش "موسى بن بُغا" دخل من البر، مش هيلاقي لقمة ياكلها هو ولا خيله، وبكدة يقع من الجوع قبل ما يوصل لباب الفسطاط. وبكدة تحولت مصر في أيام قليلة لقلعة مستحيلة الاختراق، و"ابن طولون" واقف مستني جيش بغداد وهو حاطط إيده على سيفه وعينه على مداخل مصر والنيل.
"أحمد بن طولون" في مصر بيسابق الزمن وباني حصون وقلاع، في الوقت اللي كان "موسى بن بُغا" في الرقة غرقان في دوامة مكنش عامل حسابها. قعد هناك 10 شهور كاملة، والأمور بدأت تفلت من إيده؛ العساكر الأتراك اللي معاه في جيشه بدأوا يثوروا ويطالبوا بمرتباتهم بلهجة شديدة وتهديد صريح. كاتبه "عبيد الله بن سليمان" لما لقى الخزنة فاضية والجيش هايج، خاف على رقبته واضطر يستخبى ويهرب من وشهم. "موسى بن بُغا" لقى نفسه في مأزق خطير، فاضطر يلم جيشه ويرجع بغداد جارر وراه أذيال الخيبة. وفي شهر صفر سنة ٢٦٤ هجرية، بعد شهرين من رجوعه بغداد، وتعب ومات.
وفي الوقت ده بالظبط، كانت مصر عبارة عن خلية نحل، "ابن طولون" كان واخد موضوع الحصن اللي في الجزيرة ده بجدية مروعة؛ وزّع الشغل على قواده ورجالته المخلصين، وكل واحد فيهم كان مسؤول عن قطعة يخلصها بأقصى سرعة، وكان هو بنفسه بينزل كل يوم يشرف عليهم ويتابع كل حجر بيتحط. "ابن طولون" كان بيبني وهو مش عارف إن ربنا خلاص كفاه الشر، وإن الخطر اللي كان مستنيه زال.
وفجأة، وبدون مقدمات، تتابعت الأخبار لمصر بموت "موسى بن بُغا". "ابن طولون" أول ما اتأكد من الخبر، أمر فوراً بوقف البناء، وطلع مال كتير جداً صدقة شكر لله إنه حماه وصان سمعته من إنه يتقال عليه إنه حارب الخليفة. الناس مكنتش مصدقة عينيها؛ الصناع اللي كانوا بيخرجوا من بيوتهم من الفجر وبيسابقوا الريح عشان يخلصوا الحصن، فجأة ملقوش حد يطلبهم للشغل. الحالة اللي كانت قايدة زي النار خمدت في لحظة كأن حد صب عليها مية. لكن "ابن طولون" رغم كدة مكلش حق العمال، ووهب للصناع كل الفلوس كأنهم خلصوا الحصن، وإداهم أجورهم كاملة وزيادة.
"ابن طولون" الحاكم القوي مكنش بيفوّت حقه بسهولة من اللي غلطوا في حقه وقت الأزمة – نابه أزرق - عينه وقعت فوراً على "أحمد المدائني"، وده كان وكيل "موسى بن بُغا" في مصر، والمسؤول عن الأراضي اللي كان الخليفة مديها لـ"موسى" في مصر. "المدائني" ده كان راجل مرفه وعايش في عز، وجسمه كان مليان وضخم جداً، وكان طول فترة الأزمة، مش يلم نفسه، لكنه كان لسانة طويل على "ابن طولون" وبيغلط فيه بقلب جامد اعتماداً على قوة ونفوذ صاحبه، كان معتبر انتصار "موسى" على "ابن طولون" هيحصل وهو مجرد مسألة وقت، لكن قدر الله قلب كل الموازين.
"ابن طولون" جابه، وعمل فيه نفس اللي عمله في "شقير" صاحب البريد قبل كدة؛ خلاه يمشي على رجليه في عز الظهر والشمس حارقة والجو نار، والجنود يتعتعوه ويزقوه ويجبروه يجري وهو الراجل المرفّه اللي مبيتحركش غير على خيله. "المدائني" أول ما شاف السياط والعُقابين (أدوات التعذيب) جاهزة، قلبه وقع في رجليه، ووافق فوراً يكتب خط بإيده يتنازل فيه عن مبالغ مالية ضخمة "ابن طولون" طالبه بيها. بس اللي حصله بعد المشي في الشمس والتعتعة والإهانة كان أصعب عليه من الضرب نفسه؛ أول ما رجع بيته، مكملش أسبوع ومات من التعب والقهر.
"ابن طولون" حط إيده على كل الضياع والأراضي بتاعة "المدائني" وصادر كل ثروته. وقبض كمان على "أندونة" كاتب "المدائني"، وطلّع منه مبلغ مهول وصل ل50 ألف دينار ذهب.
(يتبع)
مروة طلعت
9/5/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4