أحمد بن طولون 17
(17) في سنة 254هـ / 868م، كانت الدولة العباسية بتغلي؛ نار ثورة صاحب الزنج في البصرة بدأت تزيد وتستفحل وتاكل الأخضر واليابس. الوضع بقى خطير، وبغداد كانت محتاجة إنقاذ سريع ورجل قوي يطفي النار دي.
الخليفة "المعتمد على الله" لقى نفسه في موقف لا يحسد عليه. فكر يمين وشمال، ملهاش حل غير إنه يستعين بأخوه "أبو أحمد الموفق"، لأنه كان عارف أنه قائد هُمام ورجل المهام الصعبة. بس المشكلة إن "الموفق" مكنش موجود في بغداد؛ الخليفة اللي قبله "المهتدي" كان نافية - خوف منه - ومبعده في مكة. "المعتمد" مكدبش خبر، وبعت رسول يرجع أخوه "الموفق" من منفاه فوراً عشان ينقذ الموقف العسكري.
نظام الخلافة العباسية كانت مدية الحق للخليفة أنه يدي ولاية العهد لشخصين، الأولاني الخليفة بعده والتاني ياخدها من بعد الأولاني. أول ما "الموفق" وصل بغداد، الخليفة "المعتمد" حب يعمل حسبة سياسية يربط بيها الخيوط كلها في إيده. كتب رسالة رسمية يخلى فيها ولاية العهد بعده لابنه "جعفر المفوض إلى الله"، ومن بعد ابنه ييجي أخوه "أبو أحمد الموفق".
ومش بس كدة، ده قسم أراضي الدولة العباسية وميزانيتها بين الاتنين في حياته بحيت تكون غرب المملكة من نصيب ابنه "المفوض" وشرق المملكة من نصيب أخوه "الموفق". وعشان يضمن إن محدش يغدر بالتاني، كتبوا شروط قاسية جداً وصارمة تمنع أي تلاعب في المستقبل، وأجبرهم يحلفوا أيمان مغلظة بالوفاء للعهد ده. وعلشان العهد يكون له هيبة، خدوا الميثاق مكتوب وعلقوه جوه الكعبة عشان يبقى شاهد عليهم ليوم الدين.
الشرط الأساسي في العقد ده هو لو حصلت أي مشكلة أو ثورة في قسم حد فيكم، تكاليف الحرب والجيش تتدفع بالكامل من خراج القسم بتاعه هو، ومفيش حد يتدخل في شغل وميزانية التاني. وبما إن "المفوض" ابن الخليفة كان لسه صغير وغير قادر على الإدارة، استخلفوا على قسمه القائد التركي "موسى بن بُغا"، اللي عين بدوره الكاتب الذكي "عبيد الله بن سليمان بن وهب" يدير له الدواوين. أما "الموفق"، فانفرد بإدارة قسمه الشرعي لوحده. والحركة دي كانت شهادة في حق التاريخ، لأن "المعتمد" لو كان بيهتم بدراسة التاريخ أو كلف خاطره وعرف تاريخ اجداده، كان عرف أن جده "هارون الرشيد" عمل نفس الحركة دي مع اولاده "الأمين والمأمون" وكان غلطة كبيرة جدا سالت فيها بحور دم والأخ فيها قتل أخوه، فما بالك بولد وعمه. ويطلع واحد يقولك التاريخ ملوش فايدة.
الموضوع المرة دي كمان كان أسوأ من حكاية "هارون والامين والمأمون"، وده عشان الخليفة "المعتمد"، رغم إنه اللي كتب العهد، مكنش طايق أخوه "الموفق"، كان بيحسده على هيبته وقوته، وشايف إنه ميستحقش الخلافة، فكان دايماً بيطعن في ظهره وينقص من قدره قدام الناس. لكنه كان مضطر يعمل كده لأنه في وقت صعب محتاج فيه قوة ونفوذ أخوه "الموفق" جنبه. "المعتمد" كان شخصية منحلة؛ راجل عايش في عالم تاني خالص، ملهي في ملاذ نفسه وصيد البر واللعب، وبيقضي طول وقته مع الجواري والراقصات والخمور. التدبير في عهده كان فاسد، والأمور ضايعة، وكل والي أو مسؤول من غير رقيب.
"الموفق" هو كمان قلبه مكنش صافي لأخوه، مليان غل وحقد على أخوه "المعتمد" وابنه "المفوض". كان شايف إن الخليفة صغره وقل منه لما قدم ابنه الصغير عليه في العهد. شالها في قلبه وحلف في سره إنه يوم ما يظفر بالأمر وهيتمكن، هيشفي غليله منهم هم الاتنين ويوريهم الوش التاني.
خرج "الموفق" على رأس جيوش جرارة عشان يحارب العلوي البصري (صاحب ثورة الزنج)، لكن الحرب طالت، وصاحب الزنج طلع عنيد وقوي جداً. وهنا بدأت الكارثة الاقتصادية تضرب "الموفق"؛ الحرب بتاكل الأخضر واليابس، وطبقا لشروط عهد الكعبة، لازم يصرف على الحرب من خراج الشرق بتاعه.
بس خراج الشرق انقطع تماماً، الولاة هناك تقاعسوا عن دفع الأموال وبقوا يتحججوا بألف حجة وحجة. والي يقول العلوي البصري خرب بيوتنا وأخد أموالنا غصب، ووالي يقول إحنا خايفين نبعت الفلوس في الطريق فيسرقوها رجالة الثورة المنتشرين في كل حتة، والباقي كانوا بيلعبوا ع الحبلين؛ يستنوا يشوفوا الكفة هتميل لمين والأمور هتصفى لمين، وبعدين يقرروا يدفعوا ولا لأ.
"الموفق" بقى في وضع مالي كارثي؛ جيش بيحارب من غير فلوس، والشرق جف تماماً. في لحظة الضيق دي، ملقاش قدامه منقذ غير "أحمد بن طولون" في مصر. مصر كانت هي الفرخة اللي تبيض ذهب والبلد المستقرة والغنية، طبعا بفضل حُسن ادارة "أحمد بن طولون".
في سنة 262هـ / 876م، "الموفق" كتب لـ"ابن طولون" رسالة شخصية، بيستعجله يبعت له أموال عشان يستعين بيها على حرب الزنج، ومن خلال رد "أبن طولون" يشوف اذا كان لسه وفي ومخلص للخلافة العباسية، ولا هيستغل الأزمة ويتمرد، وده عشان "أحمد بن طولون" كان حواليه علامات استفهام كتيرة تدعو للشك. "الموفق" في الرسالة شكا له عن شدة حاجته للمال وضيق الحال، وعشان يضمن إن الرسالة توصل وتتنفذ، بعت مع الرسول حامل الرسالة خادم الخليفة الأسبق "المتوكل"، "نحرير" رجل من خواص الخلافة.
بمجرد ما "الموفق" بعت رسالته، الخليفة "المعتمد" نفسه عرف، وخاف إن أخوه "الموفق" يستقوى بفلوس مصر وينقلب عليه، عشان كدة كتب هو كمان رسالة تانية تلاحق رسالة "الموفق" وبعتها لـ"ابن طولون".
"المعتمد" طلب من "ابن طولون" في رسالته يبعت له الخراج زي ما العرف جاري كل سنة، ومع الفلوس الملابس الفاخرة المنسوجة باسم الخليفة، والعبيد، والخيل، والشمع، والخيش، وكل الهدايا والخيرات السنوية اللي متعود "ابن طولون" يبعتهم للخليفة كل سنة.
"ابن طولون" لقى نفسه في النص بين رحى الأخين الأعداء. "الموفق" اللي بيحارب الزنج ومحتاج الفلوس وممكن يهدد استقراره عسكرياً لو انتصر، و"المعتمد" الخليفة الشرعي اللي عاوز خراج مصر والهدايا السنوية عشان يكمل عيشته المرفهة. لو بعت لده التاني هيغضب، ولو بعت للتاني الأول هيعتبره عدو، مزنق من سهل. لكن "ابن طولون" بدهائه قدر يلاعب الأخين من غير ما يخسر مصر.
"المعتمد" بعت رسالة تانية لـ"ابن طولون" بس المرة دي سرية بيقوله فيها خد بالك، "الموفق" بعتلك "نحرير" مش عشان الفلوس وبس، ده بعته عين عليك، عشان يجس نبضك وينقل أخبارك، وعندي معلومات إنه بدأ يراسل بعض رجالتك وقوادك عشان يقلبهم عليك. فاحذر منه، وابعت الفلوس ليَّ أنا بسرعة عشان "الموفق" إيده مَتقواش بالدهب ده علينا.
"ابن طولون"، استقبل "نحرير" بمنتهى الكرم الظاهري، لكنه طبّق عليه نظام الإقامة الجبرية الشيك. نزّله في دار جوه القصر معاه، ومنعه تماماً من إنه يخرج أو يروح أي مكان في مصر، ولا حتى يخرج من باب الدار اللي هو فيها. فضل "نحرير" ضيف سجين لحد ما جه ميعاد خروجه من البلد، وبكدة "ابن طولون" قفل عليه السكة إنه يقابل حد أو يوزع رسايل "الموفق".
وفي وسط الدوشة دي، "ابن طولون" حب يثبت لهم إنه راجل حق وعدل. جاب قاضي القضاه ومعاه العدول (الشهود الرسميين) عشان يشهدوا على حمل الفلوس قبل ما تخرج لبغداد، واللي كان قيمتهم مليون وميتين ألف دينار ذهب (يعني دلوقتي 5.1 طن دهب خالص).
الشهود بدأوا يكتبوا إقراراتهم إنهم شافوا المال، لكن واحد من الشهود اسمه "سليم"، ساب الورقة من إيده ورمى القلم وقال: "أيها الأمير لست أشهد حتى يوزن المال بحضرتي". "ابن طولون" اتعصب، واتغاظ جداً؛ لأن طلب "سليم" ده معناه تأخير في السفر وتعطيل للمهمة، لكنه مجبر ينفذ طلبه عشان يشهد. أمر الوزانين ينفذوا طلبه، وبعد ما خلصوا وزن، قالوا لـ"سليم" ها.. اشهد بقى، لكنه رد ببرود: "بقى لي النقد". قعد "سليم" مربع زسطهم وهم بيعدوا لحد ما اتأكد من كل كيس، واتختمت الأكياس قدامه، وقتها بس كتب شهادته ومشي.
"ابن طولون"، على الرغم من عصبيته من موقف "سليم" اللي أخرهم، لكنه قال: "مثل هذا ينبغي ان يعتمد عليه ويمال اليه فإن من لا دين له لا أمانة له، ومن لا أمانة فيه جدير بالإبعاد، وألا يولى شيئا من أمور المسلمين". ومن يومها، "سليم" بقى دراع "ابن طولون" اليمين ومستشاره صاحب كلمته المسموعة.
"ابن طولون" عشان يقطع لسان أي حد يقول إنه قصّر، خرج بنفسه يودع الموكب، ومعاه الشهود، وفضل معاهم لحد العريش. وهناك، سلم المال رسمي لـ"ماجور" صاحب فلسطين قدام الكل، عشان يبعتها لـ"الموفق" بمعرفته، ورجع مصر وهو مطمن إنه أدى الأمانة. طب ليه "ابن طولون" قرر يبعت الفلوس للموفق مش للخليفة "المعتمد"؟!!
الخليفة "المعتمد" كان خليفة رسمي بس، قاعد في قصره ملهي في الصيد والجواري واللعب زي ما حكينا، لكن "الموفق" كان هو القائد الأعلى للجيوش والمسؤول عن إخماد ثورة صاحب الزنج في البصرة. "ابن طولون" كان عارف إن اللي بيحمي الدولة من السقوط فعلياً هو "الموفق"، فكان لازم يدعمه مالياً عشان الحرب متوقفش والدولة تنهار فوق دماغ الكل.
"الموفق" كان شخصية صدامية جداً وطموحة، وكان بيتحجج بإن المال هو اللي معطله عن النصر. "ابن طولون" بذكائه قرر يبعت له المليون وميتين ألف دينار عشان يقطع عليه الطريق؛ كأنه بيقول له أدي الفلوس اللي بتتحجج بيها أهي، ومصر قايمة بواجبها، مفيش ليك حجة تانية تدخل مصر أو تضايقني.
"المعتمد" كان بيبعت لـ"ابن طولون" في السر يحذره من أخوه، بس في العلن مكنش يقدر يمنع وصول الفلوس لـ"الموفق" لأن "الموفق" كان مسيطر على مفاصل الدولة في بغداد. فـ"ابن طولون" كان بيبعت الفلوس كخراج رسمي يوصل لبغداد، واللي هناك بقى (الموفق) هو اللي بيستلمها ويصرفها على الجيش، و"ابن طولون" بكده غسل إيده من أي اتهام بالتقصير.
لكن الصدمة كانت مستنية "احمد بن طولون" أول ما رجع مصر وفتح المراسلات اللي قدر يسيطر عليها من "نحرير" وغلمانه. لقى رسايل من "الموفق" لمجموعة من كبار قواده بيحرضهم فيها على "ابن طولون"، وبيحاول يستميل قلوبهم بالوعود، وده لأن "الموفق" كان شايل من ابن طولون بسبب ولائه الشديد للخليفة "المعتمد".
"ابن طولون" كان موته وسمه الخيانة. بعت يجيب القادة المتأمرين عليه، وأول واحد وقع تحت إيده كان "بدر الحَمامي" (صاحب القيسارية الوفائية)، وده كان من كبار غلمان "الموفق" والمشرف على أراضيه في مصر ومصانع هدومه، "ابن طولون" أمر بضربه بالسياط لحد ما مات تحت إيده.
أما التاني فكان "أحمد بن عيسى الصغُّدي"، وده كان من أقرب الناس لـ"ابن طولون" ومغرقه بفضله وإحسانه، لكنه طلع خاين عض الايد اللي اتمدتله بالمعروف ومعملش معاه حساب للعيش والملح. "ابن طولون" أمر بضربه بالسياط، وحلق شعره ولحيته، ودي كانت تعتبر منتهى الإهانة وقتها، وطاف بيه في شوارع البلد كلها عشان يبقى عبرة، وبعدين رماه في سجن المُطبق – سجن تحت الارض زي سجن فيلم أمير الانتقام - عشان يقضي بقية عمره يندم على كفرانه للجميل.
(يتبع)
مروة طلعت
8/5/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ #أحمد_بن_طولون #تاريخ_مصر #سيد_الديار #القطائع #السيرة_الطولونية
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.
تعليقات
إرسال تعليق