أحمد بن طولون 16

 (16) في سنة 263هـ / 876م. الخليفة "المعتمد" كان مستعجل على خراج مصر، فحب يضغط على "أحمد بن طولون" عشان يبعت الأموال والخراج اللي عنده. الخليفة بعت "أحمد بن محمد بن شجاع" المعروف بـ"أبو أيوب"، عشان يستلم الخراج، وكتب رسالة لـ"ابن طولون" يستعجله في حمل الأموال.

لكن "ابن طولون" رد عليه برد فيه مكر؛ قاله: "إنه لا يستتر ما أحمله من الأموال عن الأولياء، ولا يخفى عن الموالي والمطالبين به، وفيه تأخير كبير من أرزاقهم، ولا يتهيأ أيضا إدرار الحمل والمتابعة به والخراج الى غيرهم". يعني يا أمير المؤمنين، الفلوس اللي بحملها دي مش مستخبية عن حد، والناس والمطالبين بحقوقهم عارفينها كويس، وتأخيرها بيعطل أرزاقهم، فمش هينفع أبعت الخراج وأسيب الناس اللي محتاجاه هنا.
"ابن طولون" كان بيبتدي يبني شرعيته داخل مصر عن طريق كسب ولاء الجيش والموظفين، فكان رده للخليفة إن أهل البيت أولى بزاده، وخروج الفلوس من مصر دلوقت هيعمل فتنة وقلق بين الناس اللي مستنية رواتبها، وده كان مبرر دبلوماسي قوي عشان يخلي الفلوس تحت إيده ويتحكم في صرفها بنفسه.
الخليفة لما لقى الرد كدة، حس أن "ابن طولون" هيعمل نفس حركة "ابن شيخ" قبله. قرر يغير الخطة وبعت "نفيس الخادم" ومعاه وفد يضم "صالح بن أحمد" قاضي ثغور الشام، و" محمد بن محمد الجذوعي" قاضي مدينة واسط، ومعاهم تقليد رسمي لـ"ابن طولون" بمسؤولية الخراج والمعونة في مصر والشام، بشرط إنه يبعتله الفلوس والملابس والمنسوجات وكل اللي جرى عليه العرف في الخراج.
"أحمد بن طولون" حب يطمن الخليفة من ناحيته وينيمه تاني في العسل، بعتله شيوخ مصر وأعيانها ووجوهها في موكب للعراق. مهمتهم كانت إنهم يروحوا يشكروا في سيرته قدام الخليفة ويقولوا قد إيه هو ضابط البلد، وأحسن واحد حكم مصر. ولأنه راجل عُقر ومش سهل، بعت معاهم جواسيس، وفد المشايخ والأعيان ميعرفوش عنهم حاجة، عشان يسجلوا كل كلمة وتصرف بيعمله ويقوله كل واحد فيهم. ولما الموكب رجع والتقارير جاتله إن الكل كان مخلص ومحدش غدر بيه، فرح بيهم جداً وأكرمهم ومحبته ليهم زادت.
"ابن طولون" عَيّن "أبو أيوب" على الخراج، التعيين ده تبع "ابن طولون" نفسه مش الخليفة، وعَيّن "عبد الله بن دشومة" مراقب عليه، وحط فوقيهم "نعيم أبو الذؤيب" عين تراقب الاتنين. أما الأملاك فمسكها لواحد اسمه "سليمان بن ثابت" المعروف بـ"أبو ريشة".
لكن "ابن دشومة" ده كان قصة لوحده؛ كان راجل داهية وواسع الحيلة، بس كان إيده ناشفة وبخيل جداً. مش بس بخيل في الفلوس، ده كان بخيل حتى في الشكر والكلمة الحلوة والتقدير للي يستحق، كان شايف بجهله إن الثناء ده مجرد حيلة عشان الناس تاخد منه مصلحة. انسان بالطبع والأخلاق دي طبيعي الناس تكرهه جداً، وبقوا يدعوا عليه بسبب بخله ونفسه الوحشة وطبعه الغليظ.
في عز الصراع ده، لما الخليفة "المعتمد" طلب من "ابن طولون" رد الخراج وزوده بخراج الثغور الشامية، "ابن طولون" ترفع عن إنه ياخد أي مكاسب شخصية أو يلمس فلوس الجبايات اللي كانت بتتجمع بتعسف وظلم من الفلاحين. رفضها تماماً وأمر بإسقاطها، وكتب بمنع المُلتزمين (جامعي الضرايب) إنهم يفسخوا عقود المزارعين أو يضغطوا عليهم عشان يدفعوا، وهدد أي مُلتزم، تهديد شديد وصارم، إنه ياخد أي رشوة أو جباية لنفسه.
"أحمد بن طولون" كان رقيب على نفسه بشكل عجيب. لو حس إنه أساء لحد أو ظلم حد، كان بيطلع وراها صدقات كتيرة جداً، ويفضل يتضرع لربنا ويطلب منه الغفران. "أحمد بن طولون" كان كل خصاله كانت محمودة، لكن كان عنده عيب صعب في شخصيته – كل ابن أدم خطاء – كان حاد المزاج سريع الغضب، ولما بيغلط لسانه بيفلت، كان لسانه مبرد أصعب من الكرابيج. وبيقول المؤرخ "ابن تغري بردي" أن "ابن طولون" لما تولى مصر والشام، سفك دماء كتير وعسف بالناس، لدرجة إنه يقال إن فيه 18 ألف واحد ماتوا في سجنه. شخصية غريبة وعجيبة بجد.
قبل ما "ابن طولون" يقرر يسقط المرافق (الجبايات الإضافية) في مصر، حب يجس نبض المستشارين بتوعه، فنادى "عبد الله بن دشومة" وطلب رأيه. "ابن دشومة" طلب منه الأمان الأول قبل ما يتكلم، ولما "ابن طولون" أمنه، بدأ يرمي سمّه في العسل.
"ابن دشومة" قاله: "أيها الأمير إن الدنيا والآخرة ضرتان، فالحازم من لم يخلط إحداهما مع الأخرى، والمفرط من خلط بينهما، فيتلف أعماله ويبطل سعيه، وأفعال الأمير أيده الله أفعال الخيرة، وتوكله توكل الزهاد، وليس مثله ركب خطة لم يحكمها، ولو كنا نثق بالنصر دائما طول العمر، لما كان شئ آخر عندنا من التضييق على أنفسنا في العاجل بعمارة الآجل، ولكن الانسان قصير العمر، كثير المصائب، مدفوع الى الآفات، فترك الإنسان ما قد أمكنه وحصل في يده تضييع، ولعل الذي حماه نفسه يكون سعادة لمن يأتي بعده، فيفوز ذلك بما قد حرمه هو، ويجتمع للأمير أيده الله مما قد عزم على إسقاطه من المرافق في السنة بمصر دون غيرها مائة الف دينار، وإن فسخ ضياع الأمراء والمتقبلين في هذه السنة، لأنها سنة ظمإ توجب الفسخ، وألزمت القصبة، الاثنين زاد مال البلد وتوفر توفراً عظيماً ينضاف الى مال المرافق، فضبط به الأمير أيده الله أمر دنياه، وهذه طريقة خدمة الدنيا، وإحكام أمور الرياسة والسياسة فيها، وكل ما عدل إليه الأمير أيده الله من غير ذلك فهو مفسد لدنياه، وهذا رأيي والأمير أيده الله أعلى عيناً وما يراه".
"ابن دشومة" قاله الدنيا والآخرة زي الضراير، والشاطر اللي مبيخلطش بينهم. أنت أفعالك أفعال ناس خيّرة وتوكلك توكل زهاد، بس السياسة والدنيا ليهم حسبة تانية. إحنا مش ضامنين نعيش قد إيه، والواحد لما يسيب اللي في إيده النهاردة، ممكن يضيعه ويبقى سعادة لغيره اللي هييجي بعده. "ابن دشومة" كان بيحاول يقنع "ابن طولون" بلغة الأرقام؛ قاله إن الجبايات دي لوحدها بتدخل مية ألف دينار في السنة. وبما إن السنة دي سنة جفاف، فمن حقك تفسخ عقود المزارعين، وتلزمهم بدفع مبالغ إضافية، وبكدة مال البلد هيزيد زيادة عظيمة وتظبط أمور رياستك وسياسك، وأي طريق تاني غير كدة يبقى الدنيا هتبوظ.
"ابن طولون" سمع الكلام ده وفكره انشغل جداً، وفضل طول الليل بيفكر في الكلام والمية ألف دينار وفي سياسة الدنيا اللي وصفها "ابن دشومة". وأخيراً نام بعد ما النوم عصاه من كتر التفكير، شاف في منامه "رؤيا" قلبت الموازين؛ شاف واحد من إخوانه الزهاد زمان اللي كان يعرفهم في "طرسوس"، وكان توفاه الله، الزاهد قاله في المنام: "ليس ما أشار به عليك من استشرته في أمر الارتفاق والفسخ برأي تحمد عاقبته فلا تقبله، ومن ترك شيئاً لله عز وجل عوضه الله عنه، فأمض ما كنت عزمت عليه". الزاهد قاله من دار الحق أن كلام المستشار بتاعك ده مش رأي محمود العاقبة، أوعى تقبله اللي بيترك شيء لله ربنا بيعوضه خير عنه، كمل اللي كنت ناوي عليه وأوعى تسمع كلامه.
أول ما الفجر شقشق، "ابن طولون" مكدبش خبر، وأصدر الأوامر فوراً لكل الدواوين بإسقاط المرافق ومنع الفسخ على المزارعين، ومضى الرسائل رسمي. بعدها نادى "ابن دشومة" وقاله على قراره النهائي، فـ"ابن دشومة" رد عليه بلهجة فيها خبث: "قد أشار عليك رجىن أحدهما في اليقظة، والآخر ميت في النوم، وأنت للحي أوجد، وبضمانه أوثق". يعني أنت كدة استشرت اتنين، واحد حي في اليقظة (اللي هو أنا) وواحد ميت في النوم، والمفروض الحي كلامه أوثق. "ابن طولون" بصرامته المعهودة قاله: "دعنا من هذا فلست أقبل منك". "ابن طولون" نهره وقاله أسكت ملكش فيه.
"أحمد بن طولون" كان ممكن يملأ خزاينه ببساطة، لكنه اختار إنه ينام وهو مطمن إن مفيش فلاح هيدعي عليه بسبب سنة جفاف لا يد له فيها.
وتاني يوم، ركب "أحمد بن طولون" خيله وطلع يصطاد في الصحرا وهو مرتاح البال، بعد ما رمى حمل تقيل من على كتافه واختار عمارة الآجل على عمارة العاجل. في رحلة الصيد حصلت حاجة مكنتش على البال؛ وهو ماشي في وسط الرمل، فجأة فرس واحد من غلمانه غرزت رجليه في الرمل بكل قوتها، والفرس كب على وشه، وراح الغلام وقع من على ضهره. "ابن طولون" نزل من على فرسه، وراح يشوف في إيه، ولما طلعوا رجل الفرس من الرمل، لقى مكانها فتحة أو فتق في الأرض. وبمجرد ما حفروا وكشفوا عنها، الكل شهق، لقوا قصادهم كنز كبير مدفون تحت الرمل، كنز قيمته وصلت لألف ألف دينار (مليون دينار ذهب يعني أكتر من 4 طن ذهب خالص)، والكنز ده كانت الناس بتحكي عنه بس مكنش معروف مكانه فين بالظبط. غالباً كانت مقبرة فرعونية والله أعلم.
"أحمد بن طولون" فضل واقف قدام دهب الكنز سرحان ومذهول، كل اللي جه في باله ساعتها "ابن دشومة" اللي كان عاوز يحرمه من البركة دي عشان مية ألف دينار، في حين إن ربنا عوضه بمليون دينار ومعاهم حب الناس ودعواتهم.
خبر الكنز اللي لَقاه في الرمل شاع وملى الدنيا، "ابن طولون" بذكائه المعهود مَحبش يخلي للوشاة عليه طريق. بَدل ما يِخفي المال ويتهموه في بغداد بإنه بيختلس أموال الخلافة، قرر يِلعبها سياسة صح؛ بَعث فوراً للخليفة 'المعتمد' يِبلغه بالخبر ويِستأذنه يِصرف المليون دينار دول في طرق الخير والبر. طبعاً الحركة دي مَكنتش مجرد استئذان، دي كانت ضربة معلم قَفل بيها باب الفتنة وأخد بيها غطاء شرعي يخلي الفلوس تحت إيده بعلم الخليفة. "المعتمد" رد عليه بالموافقة وقاله اصرفها في وجوه البر. ومن دهب الكنز، بنى "ابن طولون" البيمارستان اللي حكينا عليها قبل كدة. تخلص بقى الحكاية هنا، ده ربنا كافأه تاني ولقى في الجبل كنزعظيم تاني، بنى منه "جامع ابن طولون" اللي لسه شاهد على عظمته لحد النهاردة. وبقية الفلوس دي كلها خصصها للصدقات وأعمال الخير اللي مكنتش تتحصى من كترها، وكان بيعمل ده بنية قوية جداً وحب شديد لفعل الخير.
لما "ابن طولون" رجع من الصحراء للفسطاط والكنز معاه، جاب "ابن دشومة" ووقفه قدام الدهب ده كله وقاله بصرامة تهز الجبال: " بئس الصاحب والمستشار أنت، هذا اول بركة مشورة الميت في النوم، ولولا أنني أمنتك لضربت عنقك". ومن اللحظة دي، "ابن دشومة" مكانته ضاعت تماماً عند "ابن طولون". ومع الوقت، بدأت توصل أخبار وشكاوي من الناس إن "ابن دشومة" ظالم وبياخد رشاوي خلت الناس تضج وتشتكي من كتر الضغط. "ابن طولون" مسمحش بالظلم ده، أمر بالقبض عليه ومصادرة كل أمواله وحبسه، وفضل في السجن لحد ما مات فيه.
(يتبع)
مروة طلعت
5/5/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4