أحمد بن طولون 15

 (15) يادوب "ابن طولون" خلص من صداع "ابن الصوفي" و"العُمري"، فجأة ظهرله ثائر جديد في الصعيد. راجل اسمه "سكن" وبيلقبوه "أبو روح". المرة دي الراجل ده كان مصري من بادية بحيرة إسكندرية، لَمّ حواليه طائفة كبيرة، وبدأ يقطع الطريق ويخوّف الناس، ورجع القلق والفزع اللي كان بيعمله "ابن الصوفي" في الناس، فكان لازم "ابن طولون" يتحرك.

أبو روح مكنش قائد نظامي من البداية، كان واحد من الأتباع المخلصين لـ"ابن الصوفي"، وتشرب منه فكر التمرد على الدولة الطولونية. بدأ "أبو روح" نشاطه بأعمال نهب وتخريب في مناطق الصعيد، مستغلاً حالة الاضطراب التي سببتها ثورة سيده "ابن الصوفي". حتى بعد هزيمة "ابن الصوفي" وسجنه، "أبو روح" مكنش من النوع اللي بيخاف أو يتعظ، أستمر في نهجه التخريبي، وحاول الحفاظ على ما تبقى من نفوذ حركة "ابن الصوفي" في المناطق البعيدة عن مركز الفسطاط.
"أحمد بن طولون" بعت له قائد جديد اسمه "يلبق الطرسوسي"، ومعاه جيش أغلبه من أهل طرسوس - كانت بتعتبر أهم "الثغور" الإسلامية تقع حالياً في جنوب تركيا - محاربين تقال وفرسان أشداء بس غُرب عن طبيعة أرض مصر، أما "أبو روح" فكان بيحارب على أرضه، فلاح أراري، خفيف الحركة، مكار، وعنده القدرة على التلاعب بخصمه واستدراجه، متربي في الريف وعارف مسالكه وحافظه حفرة حفرة.
لما الجيشين اتقابلوا، "أبو روح" اختار أرض المعركة بدهاء شديد، وقف رجاله في أرض حصيدة قمح. في الصيف، الأرض الطينية بعد الحصاد وتحت تأثير الشمس القوية بتعمل شقوق عميقة وواسعة زي الخنادق الصغيرة المخفية. بقايا سيقان القمح المقصوصة كانت بتغطي الشقوق دي، فالفارس بيتهيأ له إن الأرض مستوية وصالحة للجري، لكن الحقيقة كانت عكس كدة تماماً. الفلاحين زي "أبو روح" ورجالته عارفين المعلومة دي وواخدين على المشي والجري فيها، إنما الغريب أعمى ولو كان بصير، والطرسوسين كانوا غرباء.
أول ما بدأت المعركة، رجالة "أبو روح" عملوا نفسهم بيهربوا، وطبعا كانوا بيجروا ناحية أراضي حصيدة القمح. خيل "يلبق" وفرسانه خدتهم الحماسة وجريوا وراهم، وفجأة.. حوافر الخيل سقطت في الشقوق المستخبية. الخيل كبت على وشها، والفرسان وقعوا فوق بعض في مشهد كارثي. في اللحظة دي، لف "أبو روح" ورجاله ونزلوا فيهم تقتيل وهما مكومين على الأرض، واللي نجا منهم هرب في أقبح هزيمة.
"يلبق" رجع الفسطاط مهزوم ومكسور، فوجئ أن أخبار خدعة "أبو روح" وصلت للعوام في الفسطاط قبله، وأول ما ظهر في شوارع الفسطاط الناس أنفجرت ضحك تريقة ومألتة غوغاء عليه وعلى رجاله، ودي كانت أوجع ليهم من الهزيمة نفسها.
أهل الفسطاط شمتوا في "يلبق" رغم إن "أبو روح" كان مجرم وقطاع طرق وهارب من العدالة، يرجع لعدة نقط نفسية واجتماعية كانت مسيطرة على المجتمع.
"يلبق" كان من قادة "ابن طولون" المقربين، والناس كانت متعودة إن جيش "ابن طولون" لا يُقهر. فلما يرجع قائد بالحجم ده مهزوم – وكمان - مش من جيش نظامي، لكن من خدعة بسيطة، ده كسر الصورة الذهنية للبطولة، والناس بطبعها بتميل للسخرية لما تشوف القوي وهو بيقع في فخ ساذج.
المصريين عندهم روح فكاهة وسخرية (مألتة) – التنمر والسخرية زمان عندنا كان أسمها خفة دم يمكن دمنا تقل دلوقتي عن زمان عشان كدة مبقناش نستحملها - واللي وجع "يلبق" ورجالته إن الهزيمة مكنتش عسكرية بشرف، دي كانت غفلة. إن جيش كامل يقع في شقوق أرض حصيدة قمح دي بالنسبة للعوام كانت مادة خام للتريقة؛ فكانوا شايفين إنهم "اتضحك عليهم" بأسلوب بدائي، وده اللي خلى الضحك أوجع من طعنات السيوف.
أحياناً القادة اللي بيحققوا انتصارات سريعة بتبان عليهم نبرة استعلاء على الناس. العوام لما بيحسوا بتمنظُر القائد عليهم، بيستنوا له غلطة عشان يشمتوا فيه. "يلبق" كان بيمثل السطوة، فكانت شماتة الناس فيه نوع من أنواع تصفية الحسابات النفسية مع السلطة اللي بتبان أحياناً إنها مبتغلطش.
أحياناً المجرم أو الثائر اللي بيقدر يهرب من السلطة بذكاء بيتحول في عيون العوام لبطل شعبي، ولنا في خُط الصعيد وأدهم الشرقاوي خير مثال. الناس مش حباً في إجرامه، لكن إعجاباً بقدرته على تغفيل نظام السلطة القوي.
المهم أن "ابن طولون" سكت شوية لحد ما "أبو روح" ظهر تاني بس في الفيوم. المرة دي "ابن طولون" محطش كل البيض في سلة واحدة؛ بعت قائد اسمه "ابن جيفويه" من طريق الواحات عشان يسبق "أبو روح" ويقفل عليه فم البرية - طريق الهروب من الصعيد للصحراء الشرقية - وفي نفس الوقت، بعت القائد "شعبة بن خركام" يواجهه وجهاً لوجه.
رجالة "أبو روح" افتكروا إن "شعبة" هيقع في نفس الفخ، فوقفوا له في أرض حصاد القمح تاني. لكن "شعبة" المرة دي كان مصحصح، وذاكر الفخ اللي حصل قبل كدة كويس، وجيشه معدي فيها كان بينادي ويحذر رجالته ويقولهم خدوا حذركم من الشقوق. لما "أبو روح" لقى إن اللعبة اتكشفت، هرب هو ورجاله، بس سهام جيش "شعبة" كانت أسرع منهم؛ قتلت منهم كتير وأسروا الباقي.
"أبو روح" جرى ناحية الواحات، المهرب الوحيد له، لكنه اتفاجئ بـ "ابن جيفويه" سادّد عليه الطريق. "أبو روح" لقى نفسه محاصر، فبعت يطلب الأمان. "ابن جيفويه" افتكر إن الراجل جاي يسلم نفسه برغبته – مكنش فيه وسائل اتصال حديثة تبلغه باللي حصل بشكل سريع - ميعرفش إنه هربان من "شعبة"، فأمنه.
لما الخبر وصل لـ"ابن طولون"، غِضب غَضب شديد على "ابن جيفويه"، لأنه ضيع عليه فرصة القضاء النهائي على عدو كان في ايده. وعقوبة له، منعه يرجع الفسطاط وحبسه في الريف شهور طويلة، ودي عقوبة فظيعة لشخص متعود على بغددة القصور في المدن، فجأة يتحول الفرش الناعم والسجاد العجمي والطيلسان، لخُص وحصيرة وقلة.
وسط الأسرى، كان فيه راجل "مخزومي" معروف إنه نحس وسيء الحظ. واثباتاً لسوء حظه أن "ابن طولون" كان في قمة غضبه بسبب "ابن جيفويه"، فأمر بضرب المخزومي بالسوط وشهر بيه على جمل، فمات في الطريق وفضل مرمي عند رأس الجسر فترة - هي المنطقة اللي مودية للجسر اللي كان يربط الفسطاط بجزيرة الروضة ومنها إلى الجيزة حاليا قريبة من مصر القديمة وفم الخليج - وكان فيه كمان "منجم يهودي"، ابن طولون سأله بسخرية: "أرأيت هذا في نجومك؟". المنجم رد بيأس: "نعم قد رأيته، ونصحت له فلم يقبل نصيحتي". "ابن طولون" مبلعش الكلام، وأمر بقطع إيديه ورجليه وصلبه حي قدام جثة المخزومي لحد ما مات.
طب ايه مصير "أبو روح" نفسه؟. أحياناً المؤرخين بيتعمدوا تجاهل ذكر نهاية بعض المتمردين لو كانت النهاية دي مش نصر عسكري واضح، أو لو المتمرد مات في طي النسيان في الصحراء.
مخلصناش من فتنة "أبو روح" في الصعيد، إلا وأهل برقة هاجوا وعملوا قلق – برقة في ليبيا حالياً انما زمان كانت من ضمن حدود مصر - "ابن طولون" كعادته مابيتساهلش في أمن حدوده، فجهز جيش عظيم بقيادة "أبا الأسود الغطريف" و"يزبك الفرغاني"، وبعت معاهم كمان مراكب مشحونة رجالة وسلاح ومنجنيقات، وبعت وراهم جيش تاني بقيادة غلامه "لؤلؤ"، ولما "لؤلؤ" اتحرك، أتبعه بجيش تالت بقيادة "شعبة بن خركام".
"ابن طولون" شرحلهم خطته ونبه عليهم بشوية تعليمت: توقفوا، ساندوا بعض، اعرضوا الأمان الأول، واعتذروا بالمعذرة، ومحدش يستعجل، لو استجابوا يبقى تمام، لو رفضوا يبقى مفيش غير السيف.
برقة كان ليها حصن منيع جداً. وحسب خطة "ابن طولون" القادة اتوزعوا؛ "يزبك" وقف على باب، و"لؤلؤ" على باب تاني، ونفذوا أوامر ابن طولون باللين والرفق. لكن أهل الحصن غرهم اللين ده وافتكروه ضعف. وفي عز الليل، فتحوا الباب اللي عليه "الغطريف" وهجموا على عسكره فجأة.
"الغطريف" كان ومعاه قائدين واحد اسمه "دعباش" والتاني "ابن لفروخ"، لما فوجئوا بهجوم اهل حصن برقة عليهم، الهجوم لهاهم واتسرعوا ودخلوا المعركة بصدور مكشوفة طمعاً في النصر السريع، وانتهى الأمر بقتلهم هما التلاتة، "الغطريف" مات في قلب المعركة ببسالة، وبعد موته عسكره بقى من غير رئيس، فضموا نفسهم لجيش "لؤلؤ" على الباب التاني.
"لؤلؤ" كتب لمولاه يحكي له الغدر اللي حصل. "ابن طولون" رد عليه بكلمات حاسمة: "قد أحسنتم في توقفكم، وأنتم الآن تُنصرون بمشيئة الله وعونه". "لؤلؤ" قرأ الرسالة وبدأ يجهز للثأر؛ رتب عسكره، ونصب المنجنيقات، وبدأ يضرب الحصن بحجارة وسهام زي المطر. أهل برقة لما شافوا الموت بعينيهم، صاحوا وطلبوا الأمان وفتحوا الباب. "لؤلؤ" دخل عليهم دخول الفاتحين، وقبض على رؤسائهم؛ فيه اللي اتضرب بالسوط، وفيه اللي اتقطعت إيديهم، وفيه اللي اتصلبوا عشان يكونوا عبرة.
بعد ما الفتح تم، وصل "شعبة بن خركام"، فـ "لؤلؤ" سلمه البلد ورجع هو على الفسطاط ومعاه موكب الأسرى. ولما وصل "لؤلؤ" الجيزة، "ابن طولون" بعث له استقبال ملكي؛ أهداه خلع فخمة وطوقين دهب تقال جداً. "لؤلؤ" لبس الخلع والطوقين، ودخل الفسطاط والأسرى بيمشوا قدامه في طواف مهيب في شوارع البلد. المنظر ده خلى رهبة "أحمد بن طولون" تسكن في قلوب الصغير والكبير، لدرجة إن الأهالي كانوا بيخوفوا الأطفال باسمه (لو مشربتش اللبن هقول لابن طولون) من كتر هيبته وقوته اللي هزت الأركان.
(يتبع)
مروة طلعت
4/5/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.


تعليقات