أحمد بن طولون 14

 (14) كانت سنة 255 هـ / 868 م، سنة مش عادية في تاريخ مصر؛ فجأة ظهر راجل علوي أسمه "أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن طباطبا" لكنه معروف بين الناس بـ"بُغا الكبير"، خرج وظهر بين برقة والإسكندرية، في حتة اسمها البدربين، جمع رجالته ومؤيدينه منها، ونزل على صعيد مصر عشان يغزوها ويقطعها من مصر ومن مُلك "ابن طولون".

النسب العلوي كان بيستخدم في الفترة دي كغطاء شرعي لحشد المؤيدين المايلين لآل البيت، رغبة في انتزاع السلطة من الدولة العباسية أو ممثليها في الأقاليم زي "أحمد بن طولون". ثورة "العلوي" كانت جزء من سلسلة ثورات الطالبين أو العلويين اللي ظهروا في الوقت ده؛ كانوا بيستغلوا حالة الاضطراب السياسي لتأسيس نفوذ مستقل في المناطق البعيدة عن مركز الخلافة.
"ابن طولون" مكنش من النوع اللي بيستنى لما النار تاكل البيت؛ فورا جهز حملة بقيادة قائد من رجاله الأشداء اسمه "بهم بن الحسين". التقوا في معركة حامية، "بهم" كان فيها زي الإعصار، قدر يكسر شوكة الثورة دي، وانتهت المعركة بقتل "العلوي" وفصل رأسه. أصحابه لما شافوا زعيمهم أتقتل، اتهزموا وهربوا في كل حتة، وكأن الثورة دي كانت مجرد زوبعة في فنجان ذكاء "ابن طولون".
في السنة اللي بعدها 256هـ/ 869م، ظهر راجل تاني من نسل "سيدنا علي" كرم الله وجهه، واسمه "ابراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن علي بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب"، والناس كانت بتلقبه "ابن الصوفي". ده بقى دخل إسنا – مدينة في الأقصر - بالنهب والخراب، وعاث في الأرض فساد.
"ابن الصوفي" مكنش مجرد ثائر عادي، ده كان بيتحرك بدافع تأسيس دولة أو استعادة ما يراه حق آل البيت في الخلافة. في الوقت ده، كانت الدولة العباسية بتمر بمرحلة ضعف، فكان أي حد من سلالة "علي بن أبي طالب" كرم الله وجهه، بيلاقي أرض خصبة جداً إنه يجمع الناس حواليه تحت شعار "القرب من آل النبي". هو مكنش خارج يفسد لمجرد الإفساد في الأول، لكنه كان بيدور على سلطة ونفوذ في قلب الصعيد المصري البعيد عن عيون الخلافة.
لما المؤرخين وصفوا أفعال "ابن الصوفي" بالفساد، هما كانوا بيقصدوا الفساد السياسي والأمني اللي نتج عن ثورته. عشان يمول جيشه ويصرف على أتباعه، بدأ ينهب القوافل ويعطل مصالح الناس، وده اللي خلى أهل أسوان يستغيثوا منه. المعارك اللي دخلها في الصعيد وأسوان تسببت في قتل كتير من المسلمين. المشكلة الأكبر إن الناس كانت بتتعاطف معاه بسبب نسبه، فلما شافوا أفعاله بتخالف أخلاق جده علي بن أبي طالب، كان الصدمة كبيرة، وده اللي خلى التاريخ يذكره بلهجة فيها لوم شديد.
"ابن طولون" بعت له قائد اسمه "غبن يزداد"، بس المرة دي الحظ مكنش مع الطولونيين. "ابن الصوفي" غدر بيه وأسره، وقطع إيده ورجله وصلبه. لما الخبر وصل للفسطاط، "ابن طولون" دمه غلي، وبعت "بهم بن الحسين" تاني للقضاء على "ابن الصوفي". اتقابلوا عند نواحي أخميم، وهناك "بهم" ورّاه الويل. هزم جيش "ابن الصوفي" هزيمة منكرة، ونهب كل اللي معاه، وقتل عدد مهول من رجاله لحد ما ضاعت هيبته وقوته وانكسر تماماً.
لما "بهم" رجع الفسطاط منتصر، "ابن طولون" استقبله استقبال الأبطال. خلع عليه أفخم الثياب، وأهداه طوق دهب تقيل جداً، وجرّ قدامه خيول عربية أصيلة. لدرجة إن "بهم" من كتر فخره بالطوق ده، مكنش بيركب خيله في الأعياد إلا وهو لابسه عشان الناس كلها تعرف إنه سيف "ابن طولون" اللي مبيغمدش.
في العصور الإسلامية القديمة، الخِلعة كانت بروتوكول رسمي عالي المستوى، جاية من إن الخليفة أو الأمير بيخلع (بيشيل) توب من ثيابه الخاصة وبيلبسه للقائد كنوع من التكريم الشخصي والتقدير. فمعناها السياسي هو هنا أن القائد ده بيمثلني، وتحت رعايتي الكاملة، ورضايا عنه ملوش حدود. والخِلعة كانت بتبقى من الحرير أو الديباج ومطرزة بخيوط الدهب والفضة، وساعات بيبقى مكتوب عليها اسم الأمير. بالنسبة للطوق أو السوار كان بيبقى علامة على الانتصار والفتح، كأنه وسام الجمهورية بتاع زمان.
أما "ابن الصوفي"، فهرب واستخبى في الواحات فترة، وبعدين طمع تاني وظهر في الأشمونيين – حالياً في مركز ملوي بمحافظة المنيا – "ابن طولون" بعت له قائد تالت اسمه "ابن أبي المغيث". لما أتحرك "ابن أبي المغيث" بجيشه، فوجئ أن "ابن الصوفي" ساب الأشمونيين وطلع جري على أعالي الصعيد. مش عشان يهرب من "ابن طولون"، ده راح يحارب ثائر جديد ظهر هناك وادعى إنه من نسل "سيدنا عمر بن الخطاب" واسمه "عبد الله بن عبد الحميد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب"، ومعروف بأسم "أبا عبد الرحمن العُمري".
الحكاية بدأت لما قبائل البجة استقوت واستباحت حرمة المسلمين في الصعيد. في زمان "ابن طولون"، كانت منطقة صحراء مصر الشرقية وسلاسل جبال البحر الأحمر دي هي مفتاح الكنوز لأن فيها مناجم الذهب والزمرد زي منطقة العلاقي. قبائل البجة هم قبائل عربية وأفريقية كانوا معروفين بقوتهم وصلابتهم، وكانوا فرسان إبل من الطراز الأول. كانوا بيتحركوا في الصحراء بسرعة البرق، وده اللي كان بيخلي أي جيش نظامي يعمل لهم ألف حساب لأنهم عارفين دروب الجبال والممرات الضيقة اللي مبيعرفهاش غيرهم.
في يوم عيد، الناس فرحانة ولابسين جديد ومجتمعين في المصلى بيكبروا تكبيرات العيد، وفجأة تظهر جمال قبائل البجة زي الإعصار، بيقودهم راجل أعور ضخم جداً، هجموا على الناس في عز صلاتهم، قتلوا ونهبوا ورجعوا لبلادهم سالمين ولا كأنهم عملوا حاجة.
الموقف ده حرك حمية رجل من نسل "الفاروق عمر بن الخطاب"، وهو "أبو عبد الرحمن العُمري". غار على دينه وعلى الناس، وقرر إنه يربي قبائل البجة دول. خرجلهم وعملهم كمين في طريقهم، وأول ما ظهروا كعادتهم عشان يهجموا، نزل فيهم تقتيل، وخلص على رئيسهم الأعور ده هو وكل اللي معاه.
الحركة دي خلت "ابن طولون" وكل اللي حكموا مصر من بعده لغايت وقتنا ده، يوقفوا جنود من الجيش عند سفح الجبل ناحية موضع "الحبش" في كل عيد، عشان يحموا الناس وهما بيصلوا لحد ما يخلصوا ويرجعوا بيوتهم بسلام.
"العُمري" مسكتش لحد كدة، كمل ودخل بلاد البجة نفسها، قتل فيهم مقتلة عظيمة وضيق عليهم الأرض، وبقى شوكة في حلوقهم. لدرجة إنهم من كتر رعبهم منه، دفعوا له الجزية عشان يتقوا شره، وهما عمرهم ما دفعوها لحد قبله أبداً. "العُمري" كان راجل حقاني؛ مبيأذيش حد، لا مسلم ولامسيحي ولا يهودي، وكان مسالم للنوبة عشان العهد اللي بينهم. بس ملك النوبة "المريسي" بدأه بالعداوة، فكان الرد قاسي؛ العُمري مسح بيه الأرض، حرّق مدائنه وسبى منهم عدد ملوش آخر. لدرجة إن رجالة "العُمري" كانوا بيشتروا الجبنة والبيض من البقال بنوبي أو نوبية من كتر ما كانوا كتير عندهم.
في وسط المعمعة دي، التقى "العُمري" مع "ابن الصوفي"، ودارت بينهم معركة طاحنة، انتهت بهزيمة "ابن الصوفي". لكن يموت الزمار وصوابعه بتلعب، هرب "ابن الصوفي" ناحية أسوان وعاث فيها فساد، فالناس بعتوا مراسيل وجوابات تستنجد بـ "ابن طولون".
"ابن طولون"، بعت فوراً لـ "بهم بن الحسين" (رجل المهام الصعبة) وقاله اطلع وراه مطرح ما يروح. "ابن الصوفي" لما شم خبر إن "بهم" والجيش الطولوني وراه، أترعب، وهرب لـ "عيذاب" - كانت أهم ميناء على البحر الأحمر في العصور الوسطى، ومكانها دلوقتي منطقة حلايب في أقصى جنوب شرق مصر - وركب البحر لمكة، ورجالته اتفرقوا عنه.
لكن الحظ محالفوش؛ صاحب مكة عرفه وقبض عليه وحبسه، وبعدين شحنه لـ "ابن طولون" في مصر. "ابن طولون" عشان يكسر شوكته قدام الناس، أمر يجرسوه ويشهّروا بيه على جمل في شوارع الفسطاط، والعيال تجري وراه ويحدفوه بالطماطم والبيض والطوب.
وبعد ما خلص رحلة التجريسة، "ابن طولون" رماه في السجن، فقعد في السجن مدة. لكن سبحان مغير الأحوال، "ابن الصوفي" أظهر التوبة والندم، فـ "ابن طولون" بشهامته المعتادة خرجه من السجن وأحسن إليه. وخرج "ابن الصوفي" من مصر خالص، وسافر للمدينة المنورة وفضل فيها لحد ما مات، وانطوت صفحته اللي كانت عاملة قلق في الصعيد.
"عبد الرحمن العُمري"كان لسة موجود وصيته سمع وملى الأرض وبقى هو اللي كاسر شوكة البجة والنوبة. "أحمد بن طولون" بدأ يقلق منه،هو أيوة بيحب القوة، بس خاف إن شوكته تزيد زيادة عن اللزوم وتخرج عن السيطرة لو أهمل أمره. فقرر يبعت له جيش بقيادة واحد من قواده اسمه "شعبة بن خركام البابكي".
لما الجيش قرب، "العُمري" كان هادي جداً، وقال لرجاله: "لا تعجلوا فإن هذا رجل أعجمي، وأنا أخاطبه بنفسي وأنظر ما عنده". قالهم استنوا، الراجل ده أعجمي وأنا هخرج أكلمه بنفسي وأشوف مصلحته إيه. وفعلاً، خرج ونادى على عسكر "شعبة" إنه عاوز يقابل الأمير قبل ما السلاح يتكلم.
وقف "العُمري" و "شعبة" قصاد بعض، بحيث كل واحد يسمع التاني، وبدأ "العُمري" يتكلم بكل رزانة وقاله: "إن الأمير أحمد بن طولون لم يبلغه خبري على حقيقته، وقدموه عليه في أمري، إني لم أخرج أبغي فسادا، ويدلك على ذلك أني لم أوذ مسلما ولا معاهدا، وإنما خرجت في طلب أعداء المسلمين حتى كفانا الله أمرهم، فاكفف يدك عن القتال حتى أكتب إلى الأمير، أعزه الله، وأكشف له خبري، وتكتب أنت أيضا، فإن قبل عذري ولم تثقل عليه وطأتي وأمن جانبي، كتب إليك بالكف والانصراف عني، فانصرفت معذورا مشكورا، وإن أمرك غير ذلك امتثلت أمره غير ملوم". قاله الأمير أحمد بن طولون موصلوش خبري صح، والناس نقلوا له صورة غلط عني.. أنا مخرجتش عشان أفسد في الأرض، وبدليل إني مأذيتش لا مسلم ولا معاهد، أنا خرجت ورا أعداء المسلمين لحد ما ربنا كفانا شرهم، وعرض عليه عرض عقلاني جداً وقاله استنى متبدأش قتال، وأنا هكتب للأمير أوضح له الحقيقة، وأنت كمان اكتب له، ولو قبل عذري هتنسحب مشكور، ولو أمرك بحاجة تانية أنا همتثل لأمره.
لكن "شعبة" ده كان دماغه ناشفة مش راجل سياسي زي أميره، رد عليه بكل غطرسة وقاله: "لست أنا فيجاً لك أحمل كتابك، ما بيني وبينك إلا السيف" يعني أنا مش ساعي بريد عندك عشان أشيل جوابك.. مفيش بيني وبينك غير السيف. "العُمري" اتغاظ من الأسلوب وراح مهزأه وقاله: "ما أنت بحمد الله شعبة الرجال، بل أنت بلعبة النساء أشبه، وما هذا الفعل الشئ والخلق القبيح إلا لمن هو كذلك". يعني إنت ملكش في طباع الفرسان ولا شموخ الرجال، وتصرفك ده لا يصدر إلا عن إنسان تافه وضعيف الشخصية. ورجع لرجاله وقالهم الراجل ده جاهل وأحمق.. توكلوا على الله.
وهجموا عليه هجمة رجل واحد، و"شعبة" وقواته اتهزموا أقبح هزيمة ورجعوا الفسطاط مكسورين. لما "شعبة" حكى لـ"ابن طولون" اللي حصل،لامه بشدة وقاله: " أخطأت وأسأت، كنت قد أمهلته، وكتبت إلينا بخبره على صحته، لنرى فيه رأينا، لكنك بغيت عليه فنُصر عليك". قاله أنت غلطت وأسأت.. كان لازم تمهله وتكتب لنا الحقيقة، لكنك جيت عليه وظلمته، وعشان كدة هو اللي اتنصر عليك.
"ابن طولون" ساب موضوع "العُمري" فترة، لأنه حس أن مفيش منه خطر كبير، وهديت الأمور كام شهر. لحد ما في يوم، دخل على "ابن طولون" غُلامين بيدعوا إنهم من غلمان "العُمري"، ومعاهم مفاجأة، جايبين رأس "العُمري" في إيديهم. "ابن طولون" اتصدم، وجاب جماعة من أهل الصعيد اللي يعرفوا "العُمري" عز المعرفة، وأول ما شافوا الرأس شهدوا إنها فعلاً رأس "أبو عبد الرحمن العُمري" من غير شك.
هنا بقى ظهر الجانب الأخلاقي في شخصية "ابن طولون"؛ بص للغلامين وسألهم: "كان صاحبكما مسيئا إليكما؟"، قالا: "لا"، قال: "هل يمنعكما رزقكما؟"، قالا: "لا"، قال: "فركب بحضرتكما إثما استحللتما به قتله؟"، قالا: "لا"، قال: "فلم قتلتماه؟"، قالا: "لأرنا أردنا بذلك الحظوة عند الأمير والقرب منه"، فقال: "ذاك والله أبعد لكما مني ومن الله عز وجل".
وأمر بضرب أعناقهم وصلب جثثهم عشان يكونوا عبرة لأي خاين. أما رأس "العُمري" سليل الفاروق، فأمر إنها تتغسل وتتكفن وتتطيب وتتدفن بكل احترام وتكريم يليق بنسبه وبطولاته.
(يتبع)
مروة طلعت
3/5/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4