أحمد بن طولون 13

 (13) في الوقت اللي كانت فيه العلاقة متوترة بين "أحمد بن طولون" وبين "أحمد بن مدبر" (مسؤول المالية والخراج)، ظهر في الصورة شخص اسمه "أحمد بن محمد بن هلال"، كان من أعيان مصر ووجهاء الناس فيها. الراجل ده كان ذكي جداً، عرف إزاي يتذلل ويتقرب من "ابن طولون"، لدرجة إن بقى ليه مكانة ومركز نبيل كبير في مصر، بعد ما كسب محبة "ابن طولون". "ابن هلال" انتهز الفرصة دي وطلب من "ابن طولون" طلب جريء أنه يكتب للخلافة يطلب له منصب الخراج مكان "ابن مدبر".

"ابن طولون"، ولأنه أصلاً مش طايق "ابن مدبر" وعاوز يقصققص ريشه، وافق فوراً، وكتب رسالة لـ "يارجوخ" (اللي ابن طولون نائبه على مصر) وللوزير "الحسن بن مخلد" في سامراء بيزكّي فيها "ابن هلال" لمنصب المالية والخراج. وفعلاً، اللعبة نجحت وجت الأوامر، من الحضرة، بتولية "ابن هلال" الخراج وعزل "ابن مدبر". "ابن طولون" حس إن يده بقت هي العليا، وأستخف بـ"ابن مدبر" وسعى في القضاء عليه نهائي زي ما عمل في "شقير" قبله، فقبض عليه وحدد إقامته في بيته في ظروف سيئة جداً تليق بخصم مكسور.
لكن الرياح المرة دي لم تأتي بما تشتهي السفن الطولونية.. "إبراهيم بن مدبر" أخو "أحمد بن مدبر" بعد هروبه من الزنج في الموصل، وصل بغداد، وقعد فيها في حماية الخليفة "المعتمد"، وبما أنهم كانوا أصدقاء زمان،فكان مقرب للخليفة "المعتمد"، فلما عرف أن أخوه أتعزل، واتحط تحت ضرس "ابن طولون"، هاج وثار، ومسك ودن الخليفة مسكنة وتذلل، لحد ما الخليفة "المعتمد" اضطر يرجع "ابن مدبر" للخراج في مصر تاني. ولما وصل جواب الخليفة لـ"ابن طولون" بالأمر ده، فاضطر بمرارة إنه يطلقه ويسلمه الخراج من تاني. "ابن مدبر" رجع وهو مغلول من "ابن هلال" اللي كان عاوز ياخد مكانه، بس مقدرش يلمسه ولا يسيء ليه، لأن "ابن هلال" محتمي في ضهر "ابن طولون"، و"ابن مدبر" أصلاً مرعوب من "ابن طولون".
"ابن مدبر" قعد مع نفسه وفكر، لقى نفسه عايش في رعب حقيقي من "ابن طولون"، وحس إن حياته في خطر ومش هيأمن مكرة أبداً. فبعت رسالة سرية لأخوه "إبراهيم بن مدبر" وقاله: "تلطف لي في التخلص من أحمد بن طولون والخروج عنه"، يعني اتصرف وخرجني من مصر بأي طريقة بدل ما يخلص عليّا.
وفعلاً في سنة 258 هـ / 872 م، أخوه نجح وجاب له قرار بتولية جُند فلسطين والأردن ودمشق - الحاكم العسكري والمدني للإقليم ده كله - وجه مكانه في خراج مصر واحد اسمه "أبو تراب أحمد بن شجاع" ابن أخت الوزير "الحسن بن مخلد".
وعلى الرغم من أن الخليفة هو اللي أمر بخروجه من مصر، "ابن مدبر" كان حاسس أنه ممكن ما يخرجش بسلام من فم الأسد، من كتر مشاعر الغل والكراهية اللي بينه وبين "ابن طولون". استخدم الحيلة واللطافة؛ قبل ما يخرج من مصر وهب لـ"ابن طولون" ضياع (أراضي زراعية) فخمة جداً كان بيملكها في مصر، وراح لـ"ابن طولون" يطلب منه ايد بنته "فحلة" لابنه "أبو الجيش". الغريب أن "أحمد بن طولون" وافق ورحب بمصاهرته لـ"أحمد بن مدبر" بعد كل ده.
بالنسبة لـ"ابن مدبر" المصاهرة دي كانت تذكرة تأمين على حياته يتقي بيها مكر "ابن طولون". انما بالنسبة لـ"أحمد بن طولون" المصاهرة دي كانت تعتبر معاهدة سلام إجبارية، "ابن مدبر" مكنش مجرد خصم مهزوم، ده كان رايح يمسك ولايات الشام (فلسطين والأردن ودمشق). فالمصاهرة دي كانت فرامل تخليه يفكر ألف مرة قبل ما يستخدم منصبه الجديد في الشام عشان يضايق "ابن طولون" أو يقطع طرقه مع الخلافة. وبقبول "ابن طولون" للضياع والأراضي جليلة المقدار اللي وهبها له كفدية لخروجه، "ابن طولون" سيطر فعلياً على أهم ممتلكاته في مصر، وحولها من موارد كانت ممكن تمول مؤامراته لموارد بتقوي دولته الجديدة.
الجواز ده كان الخاتم اللي اتقفلت بيه صفحة "ابن مدبر" في مصر للأبد بسلام، وأعطى الفرصة لـ"ابن طولون" يتفرغ تماماً لبناء شبكتة المالية الخاصة مع تجار سامراء عشان يضمن استقلاله الفعلي. وبعد كتب كتاب "أبو الجيش بن أحمد بن مدبر" على "فحلة بنت أحمد بن طولون"، خرج "ابن مدبر" من مصر في موكب تشريف، و"ابن طولون" بنفسه خرج يودعه ويوصله كأنهم أحباب، والاتنين عارفين إنها كانت تمثيلية للوداع بسلام. وبكدة، قفل "ابن طولون" الباب قدام أي واشي في الخلافة يحاول يصوره كحاكم متمرد أو باطش. ظهر قدام الخليفة بصورة الحاكم الشهم اللي بيصون الود حتى مع خصومه.
وبعد ما "ابن مدبر" مشي، ابن طولون ملقاش أنسب من "مَعْمَر الجوهري" عشان يستميله.. مَعْمَر ده كان راجل من التجار التقال وله كلمة مسموعة في مصر وبغداد. "ابن طولون" خد منه جوابات وتوصيات لأخوه في بغداد ولتجار كبار في سامراء (زي حدري وجباب الجوهريين)، واتفق معاهم إنهم يدفعوا لنائب "ابن طولون" في سامراء أي مبالغ يحتاجها، ولو احتاج ضمانات يضمنوه، وهو يسدد لهم التعويض ده من خيرات مصر. طب ليه "ابن طولون" عمل كدة؟.
"ابن طولون" كان بيبني شبكة أمان" مالية وسياسية في قلب سامراء، عشان يضمن إن مهما حصل من قلاقل فوق، رجاله هناك يكونوا مسنودين بالمال والجاه.
في قلب سامراء، "عُش الدبابير" ومقر الخلافة، كان لـ"ابن طولون" عين ساهرة ويد أمينة، وهو خليفته "طيفور التركي"، اللي كان معروف عنه أنه راجل جلد، شهم، وثقة، ومصحصح لكل نفس بيترسم في القصر.
اللعبة كانت بتبدأ لما "الموفق" - الرجل القوي والحاكم الحقيقي في قصر الخلافة - يتزنق في فلوس هو أو رجاله، فكان يقول للقادة بتوعه: "مصر خزانة السلطان وفيها أمواله، فليخرج إليها أحدكم".. يعني اللي عاوز يملى جيوبه، يروح مصر ويخلصنا من "ابن طولون".
هنا يجي دور "طيفور"، أول ما يشم خبر إن فيه قائد عينه زاغت على مصر، يروح فوراً للتجار اللي "ابن طولون" مظبطهم، بواسطة مَعْمَر الجوهري وياخد منهم "الشنطة"؛ آلاف الدنانير الذهب. ويركب خيله ويروح للقائد ده في بيته، وبكل شياكة يقوله: "أخوك أبو العباس احمد بن طولون كتب إلي يقرأ عليك السلام، ويشكو شوقه اليك، ووحشته منك، ويقول لك يا أخي وسيدي، لبعد الطريق، وخوف العوائق، امتنعت أن أحمل إليك من هدايا مصر، فتطول ببسط عذري في ذلك، واصرف هذه الدنانير فيما تحتاج اليه، ولا تُخلني من مكاتبتك واخبارك وأحوالك وحوائجك، فإني أسر بذلك". أخوك أبو العباس أحمد بن طولون بيقرأ عليك السلام، وبيشكي لك شوقه، وبيقولك يا أخي وسيدي، الطريق بعيد والعوائق كتير فمقدرتش أبعت هدايا مصر اللي تليق بمقامك، فاقبل مني المبلغ البسيط ده اصرفه في حوائجك، ومتحرمنيش من أخبارك وطلباتك. والمبلغ عادة بيكون من ١٠٠٠ لـ ٣٠٠٠ دينار على حسب مقدار القائد.
القائد من دول في الأول يتحرج ويخجل إنه ياخد الفلوس، بس "طيفور" يفضل وراه بكلامه المعسول لحد ما يلين وياخدها. و"ابن طولون" يكبر في نظره جداً، ويتحول من عدو لـ أخ كريم وشهم. ساعتها لو الخليفة أو "الموفق" قالوله روح مصر، يبدأ يتقاعس ويتحجج بِبُعد الطريق، ولو كان هو اللي طالب الولاية، ينسحب تماماً ويغير الموضوع.
بس اللعبة ما تخلصش كدة، ده كان فيه خطة بديلة بتتعمل بالتوازي. التجار اللي "ابن طولون" مربط معاهم عن طريق "مَعْمَر" يروحوا لنفس القائد ده، ويطالبوه بفلوسهم القديمة اللي عنده بلهجة حادة، ويقولوله: "أنت قد عزمت على الخروج إلى مصر وهو بلد لا تُرجى فيه سلامة من يخرج إليه، لأن من قصده إنما يقصده مائة الف عنان. فمن سمع هذا ولو لم يكن حصل له مال". إحنا عرفنا إنك ناوي تخرج لمصر.. بس خلي بالك، مصر دي بلد مبيسلمش اللي يروح لها قاصد حكمها، ده "ابن طولون" بيقابله بـ ١٠٠ ألف فارس بخيولهم، يعني لو رحت هتموت أنت وأصحابك ويضيع مالك، ده لو سلمت نفسك أصلاً، فأحنا عاوزين منك فلوسنا، نضمنها قبل ما تموت.
القائد المسكين يترعب، الرشوة الشيك اللي خدها من "طيفور" كتفته أخلاقياً، والكلام اللي سمعه من التجار عن الـ١٠٠ ألف فارس رعبه. فيحلف لهم والله ما أنا خارج لمصر. فيردوا عليه بخبث: "جوزيت ليس تحصل إلا على فساد ما بينك وبين أحمد بن طولون، وقتل أصحابك وذهاب مالك، إن سَلمت نفسك، فيزداد بذلك امتناعا". إنت كدة كسبت نفسك، لأنك لو رحت مش هتحصل إلا على وقيعة وعداوة بينك وبين "ابن طولون" وهلاك جندك.
"ابن طولون" كان فاهم إن الرشوة لوحدها مش كفاية، لكن الرشوة مع الرعب هي اللي بتصنع الولاء أو الانسحاب الكامل. لو "ابن طولون" اكتفى بالرشوة بس، الخصوم ممكن يفهموا إنها ضعف منه بيحاول يشتري بيه سكوتهم. لكن لما يدخل التجار في الموضوع ويحكوا عن قوة جيشه، هو كدة بيوصله رسالة إنه قوي جداً بس بيختار إنه يكون كريم جداً، وليك مطلق الحرية انت حابب تتعامل مع أنهي وش، "ابن طولون" الكريم ولا المرعب، وده قمة الدهاء. "ابن طولون" كان حاطط قادة سامراء بين فكي كماشة؛ فك الكرم والفلوس، وفك الرعب والتهديد بقوته العسكرية.. وبكدة، مكنش حد بيجرؤ يفكر في مصر، والكل كان بيشيلها من حساباته لأنه عرف إنها بلد صعبة المنال ومحدش يقدر عليها طول ما "ابن طولون" حاكمها.
"ابن طولون" قدر يشتري أمان واستقرار مصر من غير ما يرفع سيف واحد في سامراء.. الدهاء ده هو اللي خلاه يعمر كل السنين دي رغم أنوف الحاقدين.
(يتبع)
مروة طلعت
30/4/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.
مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – د/ سعاد ماهر محمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4