أحمد بن طولون 12

 (12) بعد ما الجامع كمل وبقى عنوان لعظمة "احمد بن طولون"، أحواله اتحسنت جداً وبقى في حتة تانية خالص. الجيش أصبح رمز لقوة "ابن طولون" لدرجة ان الاصطبلات بتاعته بقت مدينة جوة مدينة من كتر الخيل والعدّة، والجيش كبر وبقى مرعب، وصوته وهيبته بقوا بيسمعوا في كل مكان.

الخبر ده وصل لـ "ماجور التركي" في الشام، وأول ما عرف، الرعب دب في قلبه وهابه جداً. "ماجور" مكنش غبي، شاف وفهم أبعاد الموقف، عشان كدة قعد وكتب رسالة عاجلة لـ "الحضرة" (الخليفة في سامراء) قاله فيها: "أما بعد، فإنه قد اجتمع لأحمد بن طولون أكثر مما كان يجتمع لأحمد بن عيسى بن شيخ، والخوف منه أكثر، إذ كان فيه من الفضل ما ليس في أحمد بن شيخ". "أحمد بن طولون" دلوقتي بقى معاه قوة وجيش أكبر بكتير من اللي كان مع "ابن شيخ"، والخوف منه دلوقتي بقى أضعاف، لأن "ابن طولون" راجل صاحب فضل وعقل ودهاء، وده اللي بيخليه أخطر بكتير من "ابن شيخ" المتمرد.
"أحمد بن مدبر" كمان دخل على الخط ومفوتش الفرصة، وكتب هو و"شقير" صاحب البريد رسالة بنفس المعنى عشان يسخن الخليفة علي "أحمد بن طولون".
الخليفة "المعتمد"، لما قرأ الكلام ده، صدقه، وخصوصا أنه جاي من القائد اللي خلصه من المتمرد "عيسى بن شيخ"، فبالنسبة له كلام ثقة. الخليفة قرر يلعب مع "ابن طولون" لعبة "الشهد المر"، وهي إنك تقدم لخصمك هدية أو عرض مغري في الظاهر (زي الشهد)، عشان يغريه، لكن في باطنه فخ أو سم (مر) الغرض منه القضاء عليه. بعتله جواب بيقوله فيه بمنتهى اللطافة: "أما بعد فإنا رأينا أن نرد إليك أمر دارنا بالحضرة، وتدبير مملكتنا، فإذا قرأت كتابنا هذا فاستخلف على قصرك (مصرك) من أحببت، والبلد لك وباسمك، واشخص الينا لما ندبناك اليه، ورأيناك أهلا له، والسلام". إحنا قررنا إنك تكون جنبنا في سامراء عشان تدير أمور دارنا ومملكتنا كلها، فأول ما تقرأ الجواب ده، استخلف على مصر اللي إنت عاوزه، والبلد هتفضل باسمك برضه، بس تعالالنا بسرعة عشان إحنا شايفينك أهلاً للمنصب العظيم ده.
"احمد بن طولون" وهو بيقرأ الجواب، هو فهم مضمون الرسالة فوراً. عرف إن ده فخ معمول عشان يقع فيه. عاوزين يسحبوه من مملكته الحقيقية وقوته في مصر عشان يحطوه تحت عينهم في سامرا، أو يخلصوا منه خالص ويغتالوه.
فكر "ابن طولون" بعمق، ازاي يخلص نفسه من الورطة دي. قرر يرد بأسلوبه الهادي الدبلوماسي، ويلعبها سياسة. بعت كاتبه المخلص "أحمد بن محمد الواسطي" للوزير وقتها "الحسن بن مخلد" في سامرا بهدايا، شنط فلوس ودهب كتير ، ومعاهم كل حاجة غريبة وحلوة مصر بتنتجها زي قماش دِق تنيس ودمياط (أفخر أنواع الكتان وقتها)، وخيل وبغال مفيش في جمالها ولا قوتها. وكتبله يستأذنه أنه يسمح لزوجاته وأولاده يسيبوا سامرا، ويجوله على مصر، كأن غرضه الاساسي من الهدايا هو طلبه ده، مش أنه عاوزه يحنن الخليفة عليه.
وفي نفس الوقت، بعت لحماه "يارجوخ" – والي مصر الأصلي واللي ابن طولون نائب له فيها - رسالة وحكاله على اللعبة اللي بتتلعب عليه، ورسالة الخليفة، وحملّه هو كمان مال ومتاع عشان يظبط الدنيا من ناحيته. "أحمد بن طولون" كان ماشي بمبدأ أطعم الفم تستحي العين.
أول ما الفلوس والهدايا وصلت للوزير "الحسن بن مخلد" وشاف العز ده كله، رمى كلام "ماجور" و"ابن مدبر" من ورا ضهره، وبص لـ"الواسطي" وقاله: "لن نُزعجه عن عمله، ولا يُقبل فيه قول ساع سعى فيه". مش هنزعجه أبداً عن عمله في مصر، ولا هنسمع فيه كلام أي حد بيحاول يوقع بينه وبين الخليفة.
"احمد بن طولون" مسبش خيط واحد مقطوع؛ ركب وراح بنفسه لـ "يارجوخ"، وطلب منه بشكل شخصي إنه يساعده في رجوع زوجاته وأولاده لمصر، وإن ابنه "العباس" يفضل متثبت في مكانه ومنصبه كنائب لأبيه. "يارجوخ" طبعاً وافق – "ابن طولون" جوز بنته و"العباس" حفيده والاتنين على قلبه زي العسل - وقام هو والوزير "الحسن بن مخلد" اللي خلاص بقى في جيب "ابن طولون" بعد الهدايا والفلوس، وراحوا سوا للخليفة "المعتمد".
"أحمد بن طولون" لما دخل مصر أول مرة كان واخد معاه من أهله ابنه البكري "العباس" فقط، أما زوجاته وباقي أولاده فكانوا في سامرا مع حماتهم "قاسم"، وده كان شرط أساسي من شروط القادة الترك على كل النوايب وهم مسافرين لولايتهم، كنوع من أخذ الحيطة ولوي الدراع في حالة الخيانة. ولما الخليفة بعت يطلب من "ابن طولون" يسيب مصر ويروح سامرا، "ابن طولون" فهم إن فيه محاولة لاحتجاز أسرته أو الضغط عليه بيهم لو هو راح لوحده. فطلبه إنه يبعت زوجاته وأولاده مع "الواسطي" كان هدفه جمع الشمل في الفسطاط بعيد عن إيد الخليفة والوزير في سامرا. هو عاوز ولاده كلهم يكونوا تحت عينه وفي أمانه في مصر، مش مجرد رهاين في قصور سامرا.
"ابن طولون" كان بيخطط للاستقلال التام، وعارف إن وجود أي حد من أهله في سامرا معناه إن الخليفة ماسك عليه ذلة، وحاطه تحت ضرسه. فطلبه ده كان حركة استباقية عشان يصفي أي وجود لعيلته في عاصمة الخلافة، ولما تيجي ساعة المواجهة في مصر، يكون مطمن.
"ابن طولون" كان بينضف علاقاته بسامرا تماماً، خصوصا بعد حركة الخليفة الأخيرة، اللي تعتبر القشاية اللي قضت على فترة المهادنة والنفس الطويل. بيبعت فلوس وهدايا عشان يسكت الوزير، وفي نفس الوقت بيسحب كل غالي عليه من هناك عشان لما يقفل باب مصر في وشهم، ميبقاش سايب وراه حاجة يندم عليها أو يتهدد بيها.
هناك في حضرة الخليفة، "الحسن بن مخلد" و "يارجوخ" بدأوا يمارسوا سحرهم السياسي؛ قعدوا يشكروا في "ابن طولون"، وصغّروا جداً من حجم الرسايل اللي بعتها "ماجور" و"ابن مدبر" وكمان "شقير" صاحب البريد. قالوا للخليفة يا مولاي ده كلام مبالغ فيه، وابن طولون ده راجل مخلص وبيخدمك، طب مش فاكر لما طلبته يواجه "بن شيخ" طلع بجيشه ومترددش ينفذ أوامرك، يبقى هيتمرد عليك ازاي وهو خادمك المطيع، لحد ما الخليفة اقتنع وأصدر أمره بتثبيت يد "ابن طولون" في حكم مصر.
الوزير و"يارجوخ" بعتوا الخبر السعيد لـ"ابن طولون"، وكمان سمحوا لزوجاته وأولاده بالرجوع لمصر مع كاتبه "الواسطي"، وكمان "الحسن بن مخلد" بعتله جواب شكر على هداياه. لما الجواب وصل لـ"ابن طولون"، الفرحة مكانتش سيعاه، حلم الاستقلال والأمان بقى حقيقة، فقام في ساعتها وطلع صدقات ضخمة جداً للفقراء والمحتاجين شكر لربنا. "ابن طولون" كان عارف إن اللي ينجيه من مكر البشر هو شكر رب البشر، فطلع صدقات مخرجهاش والي قبله، عشان يثبت أقدام النصر اللي حققه.
بس اللعبة مخلصتش هنا، الوزير "الحسن بن مخلد" من كتر ما عينه اتملت بكرم "ابن طولون"، مترددش "ابن طولون" يطلب منه يبعتله الجوابات اللي كان بيبعتها "بن مدبر" و"شقير" وصاحب البريد، عشان يعرف بالتحديد كانوا بيقولوا عليه ايه، كان قصده إنه يكشفله أوراقه.
"ابن طولون" بذكاءه المعهود، عرف إنه ملك قلب وعين الوزير. والوزير عمل فعلا زي ما توقع "ابن طولون"، كشف المستور، وبعت لـ"ابن طولون" الجوابات الأصلية المكتوبة بخط ايديهم، اللي كانت بتروح لسامرا. بعتله جواب "شقير" صاحب البريد اللي كان كاتب فيه: "ان أحمد بن طولون على التغلب على مصر والعصيان بها"، وبعتله كمان جوابات "ابن مدبر" اللي بتقول نفس الكلام.
بعد ما "أحمد بن طولون" مسك في إيده جوابات خيانة "شقير" لسامراء، قرر إنه لازم يدوقه من نفس الكاس، بس بحرفنة. بعت لـ"شقير" وأمره يحضر فوراً للقصر في القطائع، وأمره إنه يخرج من بيته في الفسطاط ويجي مشي على رجليه.
وأمر الحرس إنهم يتعتعوه في الطريق، يعني يزقوه ويجروه ويخلوه يجري غصب عنه طول السكة. "شقير" كان راجل بدين ومرفه، يعني جسمه تقيل ومش واخد على الشقا ولا المشي، و"ابن طولون" كان عارف النقطة دي كويس جداً، وكان قاصد إن يتعبه ويهد حيله، عشان التعب هو اللي يخلص عليه لوحده.
"شقير" وصل القصر وهو بيفرفر وبيطلع في الروح، مش قادر ياخد نفسه، وقلبه بيدق من كتر الجري والتعب. كان بيجر رجله جر، وكل خطوة كانت كأنها جبل فوق صدره، لحد ما وصل القصر وهو مش شايف قدامه من الزغللة والتعب، وأول ما وقف قدام "ابن طولون"، مكنش قادر يقف يصلب طوله، يقع والحراس توقفه غصب عنه. "ابن طولون" أمر بإحضار السياط والعُقابين (الخشبتين اللي بيتربط فيهم الواحد عشان يتجلد)، وفعلاً ربطوا "شقير" فيهم وشدوا جسمه عليهم جامد بكل قسوة، بس مضربوش ولا عملوا فيه حاجة، سبوه متعلق كدة وقفلوا عليه الباب ومشيوا.
"شقير" قعد يستغيث ويصرخ ساعة كاملة، لحد ما "شقير" قوته انهدت تماماً، وجسمه ارتخي، ووشه ظهر عليه علامات الموت. ساعتها "ابن طولون" قالهم يفكوه ويرجعوه بيته راكب مش ماشي زي ما حضر.
رجع "شقير" لبيته وهو شبه جثة، ومعداش وقت طويل لحد ما مات في آخر النهار. "ابن طولون" عشان ينفي عن نفسه تهمة قتله – ما هو اتعلم من حركات القادة الترك في سامرا - بعت العدول (الشهود) لبيت "شقير"، وأمرهم يعروه ويكشفوا على جسمه عشان يتأكدوا إنه مات لوحده محدش لمسه، مفيش في جسمه علامات ضرب ولا جرح واحد، وإن أجله هو اللي انتهى.
ومن اللحظة دي كان خلاص المارد فك قيوده، وساعة الصفر للمواجهة الكبيرة قربت..
(يتبع)
مروة طلعت
27/4/2026
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4