أحمد بن طولون 10
(10) رجع "أحمد بن طولون" مصر، بعد ما "ماجور التركي" قضى على "عيسى بن شيخ" وأحلامه في الشام. رجع وهو مالي مركزه بجيش جرار، وآلات حربية، وحاشية وعساكر مماليك ملهومش أول من آخر، واللي مدفعش في أعدادهم وتنظيمهم فِلس من خزينة الدولة، كله من خزينة خِراج الخليفة. رجع وهو حاسس بالزهو والانتصار، على الرغم من أنه مدخلش الحرب ووقف في موقف المتفرج مش أكتر، الا أن فرحته بجيشه (عزوته الضخمة) اللي رجع بيه كامل متكامل كان مديله احساس الانتصار.
دخل بجيشه "دار الإمارة" اللي كان بيسكن فيها هو واللي قبله في مدينة العسكر وبابها بيفتح على الجامع. فوجئ أنها بقت ضيقة جداً ومبقتش تشيله هو ورجالته في الوضع الجديد. "ابن طولون" بذكائه وحسه الأمني، حس إن المكان ده مش حصين كفاية لواحد بطموحه، فقرر يسيب زحمة المدينة القديمة ويخرج لمكان براح ومنعزل.
اختار "ابن طولون" منطقة فسيحة جداً في الصحرا - حاليا ميدان صلاح الدين اللي كانت معروفة بالرميلة وقرة ميدان والمنشية والمناطق ورا جامع السلطان حسن تقريبا منطقة الخليفة والدرب الأحمر - وقتها كانت قبور قديمة لليهود والمسيحيين. أمر "ابن طولون" بحرث الأرض وتطهير المكان، وبدأ يبني قصر عظيم يحميه، من ضهره جبل المقطم، والمكان ده وقتها كان شبه مهجور.
وبين القصر ده وجبل يشكر – اللي اتبنى عليه الجامع الطولوني – "ابن طولون" حوّل السهل الممتد ما بينهم لميدان كبير ملوش مثيل، مشافش المصريين زيه قبل كدة، وصرف عليه وتأنق في بنائه تأنق مدهش. الميدان طبعا كان مشهور جداً – ما هو مفيش غيره - لدرجة إن القصر نفسه اتسمى باسمه، واللي رايح القصر يقول أنا رايح الميدان.
"أحمد بن طولون" أهتم بتخطيط القصر جداً، عشان كدة عمل للميدان أبواب كتير، كل باب له أستخدام معين. يعني عندك "باب الميدان" وده اللي كان بيدخل ويخرج منه معظم الجيش. و"باب الصوالجة" وده مخصص للعيبة والفرسان اللي كانوا بيلعبوا ويمعلوا مسابقات في الميدان، والصوالجة هي لعبة كانت مميزة وقتها وهي شبيهة بلعبة البولو، يلعب الفرسان بالكرة وهم على الخيول. و"باب الخاصة" وده كان ممنوع حد يدخل منه إلا المقربين جداً من "ابن طولون" يعنى الأهل والحاشية. و"باب الجبل" لأنه باصص ناحية جبل المقطم. و"باب الحرم" وده باب مخصص لدخول وخروج الحريم (زوجاته وبناته وجواريه) والعبيد الخصيان فقط. و"باب الدرمون" وده كان بيقعد عنده حاجب ضخم وشكله مرعب اسمه "الدرمون"، مهمته كانت يحاسب الغلمان السودان اللي بيعملوا مشاكل. و"باب دعناج" وده متسمي برده على اسم حاجب كان بيقعد هناك اسمه "دعناج". و"باب السَّاج" وده عشان الباب كان مصنوع من خشب السَّاج الفاخر. و"باب الصلاة" وده كان في الشارع الأعظم، و"ابن طولون" بيخرج منه مخصوص لصلاة الجمعة، واتعرف كمان بـ"باب السِّباع" لأن كان عليه تمثال "سبعين" (أسدين) مصنوعين من الجبس.
وفي شعبان سنة ٢٥٦ هـ /٨٧٠ م، القصر بالميدان كان خلص، يعني بعد سنتين بس من دخوله مصر. "ابن طولون" عمل لنفسه "مجلس" عالي في القصر فوق "باب السِّباع"، بيطل منه على الميدان يوم العرض العسكري أو يوم توزيع الصدقات على الفقراء والمحتاجين. وفي ليلة العيد كمان، كان "ابن طولون" يقعد في مجلسه العالي ويراقب المدينة والناس من فوق، يبص على الأولاد الصغيرين وشكلهم، ولو شاف حد حاله على قده أو لبسه مش قد كدة، يأمر له فوراً بفلوس ولبس عشان يتجمل ويفرح بالعيد. المجلس ده كان متنزه حقيقي، بيشوف منه البحر (النيل) وأبواب الفسطاط والدنيا كلها تحت رجليه، وهو قاعد فوق السِّباع.
"ابن طولون" بعد ما بنى قصره المنيف وميدانه الأسطوري، مكنش عاوز يعيش لوحده في برج عاجي؛ فجمع أصحابه وقادة جيشه وغلمانه، وقالهم كل واحد فيكم يختار حتة أرض حواليا ويخططها ويبنيها لنفسه ولجماعته. وفعلاً، كل طائفة أخدت "قطيعة" (يعني حتة أرض مقطوعة ليهم) يبنوا فيها بيوتهم، ومن هنا جه الاسم التاريخي اللي لسه بنردده لحد النهاردة: "القطائع".
القطائع كانت عبارة عن "قطيعة للنوبة" لوحدهم، و"قطيعة للروم" لوحدهم، والقادة الكبار بنوا في مواقع متفرقة حوالين القصر. المكان اتحول في وقت قياسي لمدينة مبهرة تفتح النفس؛ شوارع منظمة، وحارات ضيقة وجميلة، ومبقاش ناقصهم فيها حاجة. بنوا طواحين للغلال، وحمامات عامة للراحة، وأفران بتطلع ريحة العيش الطازة كل يوم في كل مكان.
أما بقى "الأسواق" فدي كانت حكاية تانية خالص من التنظيم الفني. هتلاقي "سوق العَيَّارين" (معايرة المكاييل والموازين) وده كان عنوان الفخامة، بيجمع العطارين بروايحهم اللي ترد الروح، والبزّازين (تجار القماش والحرير). وفيه "سوق الفاميين" (تحريف لكلمة الفواكهي أو الفوّامي، وفي لغة أهل زمان خاصة في مصر والشام كانت بتطلق على البقّال) وده كان سوق "الأكيلة" اللي فيه الجزارين والبقالين والشوايين، لدرجة إن الدكاكين اللي فيه كانت أحسن وأكبر من اللي موجودة في الفسطاط القديمة نفسها. وفيه "سوق الطباخين" وده كان مجمع الخبازين والحلوانيين، سوق كله روايح تجوع الشبعان.
كل صنعة وحرفة كان ليها سوق عامر وشغال ليل نهار. والجميل إن المباني دي فضلت تمتد وتكبر وتفرش في الأرض لحد ما وصلت لمدينة "العسكر" ومدينة "الفسطاط"، والمدن التلاتة شبكوا في بعض وبقوا بلد واحدة كبيرة وعامرة بالخير، مفيش فواصل بين مبانيها.
"القطائع" حدودها دلوقتي في عصرنا الحالي كانت شرقها القلعة، وشمالها بيمشي مع "شارع الصليبة"، ومن غربها بتوصل لحدود "المشهد الزينبي" (جامع السيدة زينب)، وجنوبها مدينة العسكر (منطقة زينهم والمدبح).
"أحمد بن طولون" لما بنى مدينة "القطائع"، أهتم يعمل فيها مشاريع اصلاحية على أعلى مستوى. عمل قناطر للمياه في جنوب شرق القطائع، وده كان مشروع عظيم فضل واقف صامد لحد النهارده، لسه تقدر تشوف بعض العقود بتاعته. الفكرة كانت إن المياة تمشي في العيون وتوصل لحد القطائع عشان الناس تلاقي المياة في المدينة بسهولة، وكان الهدف منها إن العاصمة الجديدة تكون مجهزة بكل اللي السكان محتاجينه.
إنما الغريب بقى القصص اللي اتقالت عن سبب بناء القناطر دي. مؤرخين مصر الإسلامية، كالعادة، بيحبوا يزودوا التوابل، ويكتبوا أحيانا مع القصة الحقيقية الحكايات والحواديت الشعبية اللي ألفها الناس. قالوا إن الناصحين قالوا ل"أحمد بن طولون" إنه يجيب المياة من عين اسمها "عين أبي خليد" للمدينة، إنما هو رفض وقال لا، العين دي الناس هتفضل تذكرها بأسم "أبو خليد"، وأنا عايز أعمل حاجة تتسمى بأسمي أنا. وبدل ما يعتمد على عين أبي خليد، راح للشرق وبنى القناطر دي اللي سماها المؤرخين "السقاية".
القناطر دي كانت حاجة تشبه القناطر الرومانية اللي معمولة بتقنية رفع المياه، وكان شكلها في منتهى العظمة وبتجمع بين المتانة والجمال. المشروع كان ضخم واحتاج فلوس كتيرة ومجهود كبير جدا. وحتى الشعراء في العصر ده، غنوا عنها في قصايدهم عشان يمدحوا الدولة الطولونية وإنجازاتها، زي "سعيد القاص" اللي قال فيها:
بناء لو آن الجن جاءت بمثله... قليل لقد جاءت بمستفظع نكر.
وفي سنة 259 هجرية / 874 ميلادي، "أحمد بن طولون" بنى "بيمارستان العوام"، أو مستشفى العوام، واللي كانت فكرة متقدمة جدا عن وقتها. مش زي ما ناس فاكرة إن كلمة بيمارستان معناها مستشفى المجانين - الناس اشتقت منها كلمة موريستان بمعنى جنون - ده كان مستشفى شامل لكل أنواع الأمراض والمرضى. للأسف معندناش أي بقايا أو خرائط للمستشفى، والمؤرخين اللي كتبوا عنه مذكروش أي تفاصيل عن تصميمه، إنما اللي نعرفه من كلامهم إنه كان حاجة عظيمة جدا.
"أحمد بن طولون" حط شرط واضح إن المستشفى ما يعالجش لا جنود ولا مماليك، خاصة للعوام وعلاجهم بالمجان، وعمل فيهم حمامين عامين، واحد للرجال والتاني للستات - حمامات شعبية زي حمام اينال اللي في شارع المعز وحمام التلات - وكل ده كان ببلاش لكل العوام سواء مسلم أو مسيحى أو يهودي.
والأغرب بقى هو النظام اللي كان شغال بيه البيمارستان، خدمة سوبر لوكس ولا خدمة فنادقنا الفايف ستارز. المريض أول ما يدخل، يغير هدومه ويستلم هدوم جديدة يلبسها خاصة بالبيمارستان، ويستلموا هدومه وفلوسه وأي متعلقات كانت معاه وهو داخل، وكل حاجة بتتسجل في الأمانات. والمريض كان بيتقدم له العلاج والأكل من غير ما يدفع ولا فِلس. ولما يبقى قريب من الشفا، وعشان يتأكدوا أن صحته رجعتله وبقى تمام، يقدموا له فرخة وشوربة ورغيف، لو قدر ياكلهم ويخلصهم بالكامل، يبقى هو كده تمام ويخرج من المستشفى ويرجع له هدومه وفلوسه ومتعلقاته كاملة.
"أحمد بن طولون" كان بيهتم جداً بالمستشفى لدرجة إنه كان بيروح يزورها بنفسه كل يوم الجمعة بعد الصلاة، يشوف بنفسه الأدوية ويتأكد أن مفيش أي نواقص، ويسأل على الأطباء ويسمع منهم، ويزور المرضى ويخفف عنهم ويهتم بيهم، ويحاول يطمنهم ويدخل السعادة على قلوبهم، يعني حاجة أخر دلع.
مع الوقت، "دار الإمارة" القديمة اللي بناها "صالح بن علي" (القائد اللي طارد آخر خلفاء بني أمية في مصر) في مدينة العسكر بقت مهجورة ومالهاش حس، والناس أهملوها تماماً. المعمار والروح كلها اتنقلت لـ"القطائع"؛ الحركة والبيع والشراء والبيوت الجديدة خلت الناس حرفياً ينسوا إن كان فيه حاجة اسمها مدينة "العسكر" وبقت كلها اسمها "القطائع". المدن انصهرت في بعضها، و"القطائع" بقت هي العاصمة قلب مصر النابض اللي الكل بيحلم يسكن فيه.
وفضلت القطائع صامدة وعامرة، على الرغم إن العباسيين لما رجعوا مصر – بعد سقوط الطولونيين - حاولوا يخربوا فيها وينتقموا من أي أثر ل"ابن طولون"، إلا إنها فضلت برضه واقفة على رجليها.
مرت السنين، وجات "الشدة العظمى" (الشدة المستنصرية) في عهد الخليفة الفاطمي "المستنصر بالله". السبع سنين العجاف دول (من ٤٥٧ لـ ٤٦٤ هجرية) أكلوا الأخضر واليابس. الجوع والخراب وصلوا للقطائع، والمدينة اللي كانت بتضج بالحياة، اتهدت تماماً ورجعت تاني أرض فضاء زي ما كانت في الأول، الأسواق والحمامات والبيوت كلها دابت في تراب الزمن، مفيش فيها غير الأنقاض والتراب حتى الذكريات قدر الزمن يمحيها.
لكن وسط كل الخراب ده، ووسط كل اللي راح، فضل فيه بطل واحد رافض يقع، حارس وفيّ لذكرى "أحمد بن طولون".. جامع "ابن طولون". هو الأثر الوحيد اللي فضل صامد وشامخ بيحكي للناس إن هنا كانت فيه مدينة اسمها "القطائع"، وإن هنا كان فيه حاجة اسمها "الدولة الطولونية". وفضل الجامع على عهده مع "احمد بن طولون" عاش قرون لا يغرق ولا يحترق.
(يتبع)
مروة طلعت
24/4/2026
#عايمة_في_بحر_الكتب #الحكاواتية #بتاعة_حواديت_تاريخ #أحمد_بن_طولون #تاريخ_مصر #سيد_الديار #القطائع #السيرة_الطولونية
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
سير أعلام النبلاء – الطبقة 14 و 15 – الإمام الذهبي.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
تاريخ ووصف الجامع الطولوني – محمود عكوش.

تعليقات
إرسال تعليق