الشهيد ابراهيم الرفاعي
يوم 9 مارس 1969.. اليوم ده مكنش يوم عادي، ده كان اليوم اللي بكت فيه مصر بدموع محبوسة وهي بتودع الجنرال الذهبي الفريق "عبد المنعم رياض" (كتبت حكايته في كتابي أساطير حية). الخبر نزل على "إبراهيم الرفاعي" زي الصاعقة، "الفريق رياض" كان القدوة لكل ضباط وعساكر الجبهة، واستشهد وسط عساكره على الجبهة.
"الرفاعي" قرر أنه لازم ياخد بتار "الفريق رياض" في نفس اليوم بعد ساعات قليلة، والرد على مقتله لازم يكون قوي وعنيف عشان يبرد نارهم. "الرفاعي" جمع وحوشه الـ 30 وبص في عيونهم اللي كانت بتطق شرار، وقالهم بكل غضب: "العملية دي مش هتكون بضرب الرصاص.. النهاردة بالذات القتال بالسونكي وبس!".
قتال بالسوكي (السكينة اللي في أول البندقية) يعني قتال من مسافة صفر، يعني عينك في عين عدوك، يعني التحام وقتال بدني بغل وروح انتقام. "الرفاعي" مكنش عايز يكتفي بالقتل من بعيد، كان عايز ينتقم لكل مصري في "رياض".
المجموعة ركبوا الزوارق الصغيرة، المجاديف بتتحرك في صمت رهيب، الماية ساكنة، والقلوب بتدق دقات الحرب. عبروا القناة وشقوا طريقهم لحد ما وصلوا لـ "موقع المعدية رقم 6".. الموقع اللي خرجت منه القذيفة الغادرة اللي قتلت الفريق "رياض".
فجأة، وبدون أي انذار، الوحوش اقتحموا الموقع زي البركان. "الرفاعي" في المقدمة، ورجالته وراه، السونكي بيلمع في الضلمة، واليهود في الملاجئ مش فاهمين إيه اللي بيحصل. مكنش فيه صوت رصاص، كان فيه صوت نفس المقاتلين المصريين وهجماتهم اللي مابترحمش. في دقايق، تحول الموقع لمقبرة.. 44 جندي من جيش العدو، تمت إبادتهم بالكامل.
وقبل ما "الرفاعي" ورجالته ينسحبوا، عملوا الحركة اللي خلت العدو يلف حولين نفسه من الغيظ.. "الرفاعي" مسك العلم المصري، وثبته فوق حطام الموقع المدمر.
العلم ده فضل يرفرف فوق "المعدية رقم 6" المحتلة لمدة 3 شهور كاملة. 90 يوم واليهود باصين للعلم المصري وهو بيتحداهم من فوق أنقاض موقعهم، وهما مرعوبين يقربوا منه أو ينزلوه، لأنهم عارفين إن "أشباح الرفاعي" مستنيين أي حد يحاول يمد إيده.
العملية كانت قاسية لدرجة إن إسرائيل، قدمت احتجاج رسمية تاني يوم في مجلس الأمن، قالوا فيه: "المصريين مزقوا جثث جنودنا بوحشية!".
فجر يوم 5 أكتوبر 1973، السكون بيخيم على الجبهة، بس في مقر المجموعة 39 قتال، الوجوه مشدودة والعيون فيها لمعة غريبة. "الرفاعي" وأمرهم يرجعوا يلبسوا تاني الأفرول العسكري، ولبسوا شاراتهم ورتبهم، وثبتوا شعار "رأس النمر" على كتوفهم من تاني. صدر القرار أخيرا برجوع الحق لأصحابه، حان ميعاد يوم الحساب.
يوم 6 أكتوبر، مع دقة الساعة اتنين الضهر، الدنيا اتقلبت. "الرفاعي" كان في قلب المعركة، راكب طيارة هليكوبتر فوق القناة. أول طلقة مصرية "نوعية" تضرب في قلب سيناء المحتلة كانت من إيد "ابراهيم الرفاعي فجر بيها منشآت البترول اللي العدو كان بيسرقها عيني عينك في محطة بترول بلاعيم، وخلاها نار بتأكل فيهم، ورجع وهو بيخطط للي جاي.
في يوم 10 أكتوبر، "الرفاعي" ورجالته دخلوا مطار الطور بهدوء الأشباح، والطيارين الإسرائيليين كانوا قاعدين في استراحاتهم مطمنين. وبمنتهى الثبات، وبدم بارد وإتقان عسكري يدرّس، تمت تصفية كل الطيارين الإسرائيليين اللي في المطار، ودمروا طياراتهم وهي على الأرض. "الرفاعي" كان بيقصقص أجنحة العدو عشان ميعرفوش يطيروا فوق ولادنا.
بس العبقرية الحقيقية ظهرت يومين 15 و16 أكتوبر. إسرائيل كانت بتعتمد على طائرات التجسس والأقمار الصناعية الأمريكية (SR-71) اللي بتصور دابة النملة على الأرض. "الرفاعي" كان عاوز يشوش على الأقمار الصناعية وطائرات التجسس، عشان ميرصدوش تحركات الجيش ومعداته، قام طلع بفكرة عبقرية برة الصندوق.
راح لـ آبار بترول الطور وفجرها بالكامل، بس المرة دي مكنش الهدف بس التدمير.. الهدف كان "الدخان". سحابة سوداء عملاقة، كثيفة جداً، غطت السما فوق الجبهة بالكامل. الدخان ده خلى كفاءة تصوير الأقمار الصناعية الأمريكية صفر، خلهالهم ضلمة.
أعتى جنرالات الحرب في العالم وقفوا مذهولين.إزاي عقيد مصري قدر بتكتيك بسيط زي ده إنه يعطل تكنولوجيا بمليارات الدولارات؟. "ابراهيم الرفاعي" بذكاء الفلاح المصري وقوة المقاتل العالمي، خلى تحركات جيشنا سر حربي محدش قادر يشوفه ولا يرصده.
في عز أيام الثغرة والوضع كان مشدود، والكل حاطط إيده على قلبه، "السادات" والمشير "أحمد إسماعيل" ملقوش حد كفء يرموه وسط النار في مهمة انتحارية أحسن من "ابراهيم الرفاعي". استدعوه وطلبوا منه يخلص من المعبر اللي عمله العدو. "الرفاعي" كالعادة حط خطته لنسف المعبر، ولما الضفادع البشرية معرفوش يوصلوا بسبب التحصينات، "الرفاعي" أخد رجالته وانطلق لقرية "نفيشة" و"سرابيوم" عشان يمنع العدو من دخول الإسماعيلية. كان رايح وهو عارف إنها معركة حياة أو موت.
الشمس كانت حامية، والغبار مالي الجو، و"الرفاعي" واقف فوق قاعدة صواريخ في مكان مكشوف تماماً. كان معلق 3 أجهزة لاسلكي في رقبته، كأنه مايسترو بيقود أوركسترا الموت، بيوجه كل المجموعات وبيرد على القيادة وبيصطاد دبابات العدو. "أبو الحسن" واحد من رجاله الأبطال قاله: "يا فندم انزل استخبى، المكان خطر"، لكن "الرفاعي" رفض بابتسامته الهادية، ويفضل واقف بجسمه عريان قدام الموت، لحد ما غدرت بيه شظية من قذيفة دبابة إسرائيلية واخترقت صدره الطاهر.
الجمعة 23 رمضان، 19 أكتوبر، "الرفاعي" كان صايم. ورغم المجهود جبار والحر قاتل، رفض يفطر، وأمر رجالته هما اللي يفطروا عشان يقدروا يكملوا المعركة، وفضل هو محتفظ بصيامه لربه.
لما وقع، الدنيا اسودت في عين رجالته. السائق "سليم" جري عليه بشجاعة تحت ضرب النار ومهموش، شاله وحطه في العربية وجري بيه تحت وابل من الرصاص. العربية غرزت في الرمل، والضرب نازل عليه زي المطر، بس "سليم" والرجالة مسبوش قائدهم، عافروا وطلعوا العربية لحد ما وصلوا لمستشفى الجلاء.
وهناك.. في لحظة الوداع، وقف الرفاق يبوسوا جبهته القبلة الأخيرة، واستلموا أماناته: ساعته، ومحفظته، ومسدسه.. الأغراض اللي شهدت على كل لحظة رعب عاشها العدو بسببه.أبطال مجموعته شالوه وبيحلفوا إن جسمه فضل دافي لمدة 3 أيام كاملة بعد الوفاة لحد ما رجعوا بيه ودفنوه. مش بس كدة، ده المستشفى والمكان كله اتملى بريحة مسك فايحة وجميلة، ريحة خلت كل اللي يقرب من جثمانه يعرف إن ده مش ميت عادي، ده شهيد حي عند ربه.
مات إبراهيم الرفاعي وهو عنده 42 سنة بس، بس في الـ 42 سنة دول، حفر اسمه فيهم بالذهب على جدران التاريخ. علمنا إن الكرامة تمنها غالي، وإن الإيمان واليقين بالله سر النجاة، والقلب الشجاع أقوى من أي أقمار صناعية وأي تكنولوجيا. رحل "النمر" وساب لنا حكايته اللي هنفضل نحكيها جيل ورا جيل، عشان مصر عمرها ما تنسى ولادها اللي فدوها بروحهم. رحم الله البطل أمير الشهداء "ابراهيم الرفاعي".
تعليقات
إرسال تعليق