الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4

(4) العبودية الثمن الباهظ للحرِية...

مصيبة التتار (المغول) اللي حلّت على الشرق موقفتش عند اسقاط وأنتهاك الدولة الخوارزمية وبس، الكارثة كان لها تَبِعات مَريرة بتكمل مسيرتها في مكان بتحصل فيه أغرب عملية تحوُّل في التاريخ. أصل القتل في المعركة ده سريع وخلصان، لكن المُرّ الحقيقي هو إنك تشوف النبيل بيتحول لسِلعة تُعرَض للبيع في وضح النهار، عزيز قوم ذَل، وأي ذُل يجي بعد عبودية يُهون. 

عادة كانت بلاد ماوراء النهر ( وسط آسيا وغربها) كانت أهم البلاد اللي بيجلبوا منها العبيد والجواري، وده بسبب القلق والحروب المستمرة بين القبائل فيها - زي ما وضحنا في الجزء التاني والتالت - وكان أغلب العبيد إن مكنش كلهم، من القبائل غير المسلمة، وكل ما كترت الحروب والدمار، أنتعش سوق النخاسة أو العبيد. وكان أشهر أو المنبع الرئيسي للعبيد هو سوق سمرقند بالتحديد.

في أوائل القرن السابع الهجري، بعد سقوط دولة خوارزم شاه، أستقبل سوق العبيد دفعات كتيرة من سبايل الحرب، أغلبهم غلمان وفتيات صغيرين. وفي اليوم ده أستقبل سوق أعز الناس مقاماً في الدولة الخوارزمية، أطفال الأسرة الحاكمة وفلذات أكبادهم، وغالبا دي كانت من المرات النادرة جدا اللي يتعرض في سوق العبيد، عبيد مسلمين، وده كان لظروف الحرب اللي حصلت في بلاد المسلمين هناك.

وقف الأمير "محمود بن ممدود" ابن أخت السلطان "جلال الدين خوارزم شاه"، وسط قرايبه من الأمراء والأميرات، وأبناء الوزراء ورجال الدولة المنكوبة، في صف طويل قصاد تجار العبيد. وتاجر العبيد زي أي تاجر قبل مايشيل بضاعته من تاجر الجُملة، لازم يقلب فيها كويس عشان يشوف هتنفع يتاجر فيها ولا معيوبة، وده بالنسبة للبضايع انما بالنسبة للبشر فهو قمة الإذلال وكسر للانسانية للطفل اللي هيتحول عَبد. ولما قرب التاجر من "محمود" وبدأ يشده من هدومه عشان يجرده منها ويعاينه زي أي سلعة، قاومه "محمود" مقاومة عنيفة وضربه، فاجتمع عليه زبانية التاجر فلاقوه غلام مش عادي، مخافش منهم وفضل يضرب فيهم ويقاوم، لحد ما عض ايد التاجر عضة كانت هتقطع كف ايده. رغم ألم التاجر وغضبه وسخطه من الغلام، إلا أنه قرر يشتريه فورا، عرف أنه هيكون عبد قوي، ومش بعيد يصبح مملوك. أشتراه تاجر العبيد من ضمن مجموعة كبيرة أختارهم بعناية، ولما أستقروا عنده بدأ يسميهم أسماء تانية غير أسمائهم الحقيقية. العادة دي بيعملها كل تجار العبيد كخطوة أولى بعد معاينتهم بطريقة غير أدمية، وده عشان ينسيهم أصلهم وأسمائهم وأهلهم خالص بتغيير الأسم، خصوصا أن أغلبهم صغار، والصغير ذاكرته ضعيفة هينسى بسرعة. كان تاجر العبيد بيشوف صفة مميزه في كل عبد، ويسميه بيها بلغتهم التركية، وطبعا لو عارض العبد تغيير أسمه أو قال أسمه الأصلي تاني، بيتعرض لأقسى أنواع الضرب والتعذيب - فاكر كونتا كينتي - لحد ما ينسى خالص أسمه ويعيش بأسمه الجديد غصب عنه.  فلما وقف التاجر قصاد "محمود" بص على الجرح في كف ايده، وأفتكر ألمه، وقاله: "أنت قطز"، وقطز بالمغولية يعني الكلب الشرس.

سافر تاجر العبيد ببضاعته يعرضهم في دمشق، وفي سوق العبيد في ساحة دمشق، كان "قطز" واقف معروض وسط صفوف العبيد، بقلب مكسور لكن بعينين مُتعالية رافضة الذُل، وقف "ابن الزعيم الحَمَوِيّ" تاجر كبير من تجار الرقيق الدمشقيين، يلف ويشوف أنواع وأصناف العبيد المطروحة اليوم ده في السوق. الراجل ده كان تاجر ذكي، يعرف يُميز الأصيل من بين الجموع، وازاي يقتنص المعادن النفيسة قبل ما حد تاني من التجار يشوفها. وقف "ابن الزعيم" قصاد "قطز"، تفحص قامته النحيلة بشعره الأشقر وشكله التركي الأصيل، شاف في عينيه لسه نار الكرامة اللي مطفتهاش العبودية. "ابن الزعيم" شاف في "قطز" بِذرة فارس، فتمت الصفقة، وأصبح الأمير السابق "محمود بن ممدود الخوارزمي" المعروف حاليا ب"قطز" مملوك في عُهدة "ابن الزعيم الحَمويَ الدمشقي".

"قطز" كان مميز عند "ابن الزعيم"، ربنا أدخل في قلبه محبته، عشان كده فضل محتفظ بيه في خدمته فترة من الزمن، ومرضاش يعرضه للبيع مع باقي العبيد، كان مخططله مكان أفضل. "قطز" في عين "ابن الزعيم" كان فارس نبيل، فلما يتباع لازم يتعرض لناس تقدر قيمته وتمنه صح، و"ابن الزعيم" كان عارف أن قيمة "قطز" مش في دمشق خالص، فسابه عنده وأحسن إقامته، لحد وقت رحلته لمصر.

 في يوم غضب "ابن الزعيم" من تصرف عمله "قطز"، وكنتيجة لنوبة غضبه، ضربه بالقلم على وشه ولعن والديه وجدوده، ولما خرج "ابن الزعيم" حس أنه زودها شوية مع "قطز"، فنده على الحاج "علي الفراش" المساعد بتاعه، وقاله: "ياحاج أستوصي بهذا المملوك، ولاطفه، وخذ بخاطره، وأطعمه، وأسقيه".

دخل الحاج "علي" لقى "قطز" قاعد متكوم على الأرض ومخبي وشه في دراعاته ونازل عياط بحرقة صعبة، طبطب عليه الحاج "علي" وقال: "ماهذا البكاء العظيم؟ من لطشة تعمل هذه العمايل؟ فلو وقع فيك جرح سيف أو نشاب كيف كنت تصنع؟". رفع "قطز" راسه وقال والدموع مغرقة وشه: "والله يا حاج ما بكائي وغيظي من لطشة، فإن السيوف والله ما تعمل في، وانما غيظي على لعنته لوالدي وأبي وجدي، وهم والله أخير من آبائه وجدوده". قال الحاج "علي": "ومن هو أبوك أنت، ومن جدك، وأنت مملوك تركي كافر ابن كافر". أحمر وش "قطز" وجسمه اتنفض وقال في حدة: "لاتقل كذا يا حاج، والله ما أنا الا مسلم ابن مسلم ابن مسلم الى عشرة جدود. أنا محمود بن ممدود ابن أخت خوارزم شاه، السلجوقي، ولابد ما أملك مصر وأكسر التتار". فضحك الحاج "علي" وطبطب على "قطز" وطيب خاطره، وهو ميعرفش الغيب، أنه هيجي اليوم اللي يقف فيه قصاد السلطان "قطز" بعد ما يحقق حلمه ونبوءته، وأخد بتاره، وكسر التتار في مصر.

والخطوة الأولى في تحقيق حلم "قطز" جت، لما أخده "ابن الزعيم" مع باقي العبيد المتنقيين ع الفرازة، وسافر بيهم على القاهرة، يعرضهم هناك في سوق المماليك، السوق اللي بيحضره أمراء المماليك وكبارهم، يشتروا مزيد من المماليك الصغيرين، عشان يمدوهم بعد التدريب، لخدمة جيش "الملك الصالح نجم الدين أيوب". وفي اليوم ده كان حاضر في السوق "عز الدين أيبك الجاشنكير التركماني"، يشتري غلمان جديدة يضمهم لمماليكه، فشاف الغلام الأشقر اللي نظراته كلها ذكاء وعزة وقوة، فأختاره وأشتراه، ولما سأله عن أسمه، قال: "أسمي قطز"، بس مقلش أنه "الصَّدُّ الأَخِيرُ".   

(يتبع)

مروة طلعت
15 / 11 / 2025 
#عايمة_في_بحر_الكتب
#الحكاواتية
#بتاعة_حواديت_تاريخ
#الصَّدُّ_الأَخِيرُ
#سيف_الدين_قطز
#عين_جالوت
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج6 و ج7 - ابن تغري بردي.
قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام - أبو الفدا.
السلوك لمعرفة دول الملوك - المقريزي ج1.
مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ج2 - ابن واصل.
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ممالك مصر والشام - ابن واصل.
سير أعلام النبلاء الطبقة 34 - الامام الذهبي.
حسن المحاضرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة - القلقشندي.
الدرة الزكية في أخبار الدولة التركية - ابن أيبك الداواداري.
السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل معركة عين جالوت - د/ قاسم عبده قاسم.
السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت - علي محمد الصلابي.
الأيوبيون والمماليك - د/ قاسم عبده قاسم.
عصر سلاطين المماليك - أ.د/ عطية القوصي.
المغول وعالم الإسلام - أ.د/ صبري عبد اللطيف سليم.
الحلقة الأولى
https://www.facebook.com/share/p/1JBArrBkeQ/
الحلقة الثانية
https://www.facebook.com/share/p/1K5LgdgDeT/
الحلقة الثالثة
https://www.facebook.com/share/p/17RLfrVUPe/






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

لاشين، لوسيفر شيرين هنائي