ملحمة كبريت 13 ابريل 1974م
زي النهاردة، يوم 13 أبريل سنة 1974، كانت الشمس بتغيب وهي شايفة مشهد يحير العقول.. مشهد النهاية اللي صنعت بداية أسطورة. في اليوم ده، كانت ملحمة كبريت بتكتب آخر سطر في كتاب الصمود الأسطوري اللي استمر 114 يوم تحت الحصار. تعالوا نرجع بالزمن، ونعيش ساعات الحسم..
الحكاية بتبدأ قبل الحرب بشوية، وتحديداً في يناير 1972. صدر أمر عسكري بتأسيس أول لواء برمائي في مصر، "اللواء 130 مشاة أسطول" بقيادة العقيد (محمود شعيب) في منطقة العامرية بالإسكندرية. اللواء ده كان خلطة خاصة جداً، اتكون من الكتيبة 602 والكتيبة 603. الجماعة دول كانوا قوات خاصة بمهام انتحارية.
المشكلة كانت في الإمكانيات، بس المصري لما بيشغل دماغه بيعمل معجزات. راحوا ورش القوات البحرية، ومسكوا مدرعات برمائية "توباز" ودبابات "T-76" خفيفة التدريع كانت موجودة أصلاً بس مش جاهزة. عملوا عليها تعديلات عبقرية عشان تقدر تقتحم المسطحات المائية لمسافات أطول وأعماق أكبر؛ زودوا تانكات وقود إضافية ورفعوا مستوي الشكمانات.
الغرض من اللواء ده كان جريء جداً، إنهم يسبقوا الكل، يرموا نفسهم في حضن العدو ورا خطوطه من خلال البحيرات المرة أو البحر، عشان يشلوا مراكز قيادته ويعطلوا تقدم احتياطاته في أول ساعات الحرب، عشان وصول الدبابات المصرية للضفة الشرقية كان هياخد من 6 لـ 8 ساعات لحد ما الكباري تتبني، فكان لازم يغطوا الفرق الزمني ده بنفسهم. وفعلاً، اتدربوا في يوليو 73 على السباحة في البحر لمسافة 30 كم بالمعدات عشان يهاجموا أهداف معادية.. تدريب انتحاري كلفهم استشهاد 3 أبطال وضياع مدرعتين في عرض البحر، بس صنع منهم مقاتلين ذوو قدرات خاصة.
تعالى بقى نبص على الخريطة، في حتة اسمها "كبريت" على الضفة الشرقية، في قطاع البحيرات المرة. المنطقة دي الإسرائيليين كانوا مطمنين ليها جداً، لأن عرض القناة هناك واسع بشكل يخوّف أي حد يفكر يعبر، وبالتالي متعملش فيها نقاط حصينة كتير، باستثناء "نقطة كبريت".
ليه النقطة دي بالذات؟ لأنها مضيق عرضه 800 متر بس بيربط بين البحيرات الكبرى والصغرى، وفي وسطها جزيرتين، يعني لو حد احتلها يقدر يعمل جسر يربط الشرق بالغرب بسهولة. الموقع ده كان كنز استراتيجي، فيه مركز عمليات القطاع الأوسط، ومتحصن بـ 30 ملجأ و17 حفرة دبابات ورشاشات، وفيه مخازن ذخيرة وأكل تكفي لقتال شهرين تحت حصار كامل. كانت نقطة مستفزة عسكرياً، اللي يسيطر عليها يقدر يخنق الممرات المؤدية لممرات "متلا" و "الجدي".
يوم 6 أكتوبر، الساعة 2 و5 دقايق الظهر. "اللواء 130" عبر من جنوب البحيرات المرة. مهمته كانت واضحة، يوصل لتقاطع طريق ممر الجدي ويمنع مدرعات العدو إنها تقرب من القناة. فضلوا يقاتلوا قتال الوحوش وعطلوا العدو فعلاً لحد نص ليل 6-7 أكتوبر. بس القصة الحقيقية بدأت مساء 8 أكتوبر، لما صدر الأمر لـ "الكتيبة 603" بقيادة المقدم البطل (إبراهيم عبد التواب) أنهم لازم يحتلوا نقطة كبريت الحصينة.
في صباح 9 أكتوبر، المقدم (إبراهيم عبد التواب) حط خططته. في العلم العسكري، الهجوم على نقطة محصنة محتاج نسبة 9 لـ 1 (يعني سرية تهاجم بلواء)، وهو معاه "كتيبة" بس. لكنه ميأسش عبقرية المقاتل المصري ظهرت في الحصار. نظم رجاله في هجوم من اتجاهين (الشرق والجنوب الشرقي)، وفتح نيران جهنم من كل الأسلحة المتوفرة، لحد ما الصاعقة المصرية اقتحمت النقطة، والإسرائيليين شافوا الموت بعينيهم وانسحبوا، ورفرف العلم المصري فوق "كبريت". ومن اللحظة دي، بدأت أطول وأغرب قصة صمود في تاريخ الحروب الحديثة.
بعد ما احتلوا النقطة، المقدم (إبراهيم عبد التواب) كان عنده بعد نظر؛ عارف إن العدو مش هيسكت. عشان كدة بدأ فوراً ينظم الدفاع، ويجمع الأسلحة والذخيرة اللي سابها الإسرائيليين، وزرع حقول ألغام مصرية قدام حقول الألغام الإسرائيلية. وفي 18 أكتوبر، السما غيمت بطيران ومدفعية العدو نزلوا بـ "النابالم" والفوسفور وقنابل الـ 2000 رطل عليهم. وفي لحظات النقطة اتهدمت، والمخازن اتحرقت، وانقطع الاتصال تماماً مع الفرقة السابعة.
الإمداد انقطع، والطريق البري اتقفل. العساكر الجوع والعطش نهش فيهم. الجيش قالك ايه؟ فتحوا رادياتير العربيات المدمرة وضربوا من الماية اللي فيها، ويلموا نقط الندى من على المعدات في الصبح. لحد ما عملوا معجزة ابتكارية. جابوا تانكات وقود من معدات محروقة، غسلوها كويس، وعملوا جهاز تقطير يدوي لمية البحيرات المرة. كانوا بيغلوا المية ويستقبلوا البخار في مواسير ويكثفوه بخيش مبلل. لحد ما كان بيطلعلهم فنجال مية واحد للفرد في اليوم. وبالنسبة للأكل، التعيين كان بيتقسم على 2، وبعدين 4، لحد ما وصل الرغيف الواحد بيتقسم على 8 أفراد. ومع ذلك، لما لاحظوا ان الطيران بطل ضرب قبل آخر ضوء بساعتين، المقدم (إبراهيم عبد التواب) قال لرجالته بلهجة واثقة: "استعدوا.. كدة هيبدأوا الهجوم البري". وفعلاً، في يوم 21 أكتوبر، لما الدبابات قربت من حقل الألغام، أعطى إشارة البدء بقنبلة مضيئة، وفجأة النقطة اللي كان العدو فاكرها خلاص ماتت من القصف فتحت نيرانها، ودمروا 17 دبابة ومدرعة إسرائيلية في يوم واحد، ورجع باقي العدو يجر ذيول الخيبة.
بينما كان أبطالنا في "كبريت" بيصنعوا ملحمة الصمود، كانت إسرائيل بتحاول تعمل بروباجندا عسكرية في منطقة الدفرسوار اللي اتعرفت بـ "الثغرة". (شارون) و (برن) حاولوا يفتحوا طريق للغرب. بس عشان يوصلوا، كان لازم يكسروا الجيش المصري في موقع "مزرعة الجلاء" أو اللي اتعرفت بـ "المزرعة الصينية".
هناك، "اللواء 16 مشاة مصري" عمل محرقة حرفية. (موشي ديان) وزير دفاع العدو، لما زار المكان ذُهل وقال: "مشهد مشفتهوش حتى في أفلام السينما.. آثار المذبحة والدخان المتصاعد دليل على المعركة الرهيبة". لواء (أمنون) الإسرائيلي داق الويل؛ قادة السرايا بتوعه اتقتلوا مرتين، القائد يموت، يجي بديله يموت وراه. الإسرائيليين وصفوا المعركة إنها معركة محترفين، وإن دباباتهم كانت بتتحرق وأطقمها بتهرب على رجليهم بحثاً عن مخرج تحت قصف المدفعية المصرية المركّز.
الحكاية اتنقلت من خندق "كبريت" لطاولة المفاوضات في "الكيلو 101". (السادات) وافق على وقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر، بس إسرائيل مالتزمتش ـ عادتها يعني ولا هتشتريها ـ وحاولت تحتل السويس والاسماعيلية عشان تضغط سياسياً، بس المقاومة الشعبية والجيش كسروا سنانهم. هتلاقوا في الصفحة برده حكاية بطولة وصمود شعب السويس العظيم.
هنا ظهر اللواء (عبد الغني الجمسي)، رئيس الوفد المصري، اللي كان بيواجه (أهارون ياريف) الإسرائيلي. اللواء (الجمسي) كان بيتحرك وهو عارف إن معاه أوراق ضغط تقيلة. منها صمود كبريت النقطة اللي العدو مش عارف ياخدها رغم الحصار بصمود الوحوش فيها. و"خطة شامل 2" خطة كانت جاهزة لتصفية الثغرة تماماً، وبشهادة (ديان) نفسه، مصر كان عندها وقتها 1700 دبابة و190 بطارية صواريخ سام محوطة قوات الثغرة.
إسرائيل كانت بتماطل، وعاوزة مصر تنسحب من شرق القناة بالكامل، بس اللواء (الجمسي) كان صامد زي أبطال كبريت. لحد ما (كيسنجر) وافق بالدبلوماسية، وتم توقيع "اتفاقية النقط الست" في 11 نوفمبر، اللي أجبرت إسرائيل لأول مرة إنها تسمح بدخول إمدادات غير عسكرية للسويس والجيش الثالث.
ليه "كبريت" كانت "شوكة" في زور إسرائيل؟ ليه إسرائيل كانت نفسها تخلص من "كبريت"؟. إسرائيل في الغرب كانت مزنوقة في ممر واحد بس عند الدفرسوار عرضه 7 كم، والممر ده كان تحت رحمة المدفعية المصرية. لو قدروا ياخدوا "كبريت"، هيفتحوا لنفسهم منفذ تاني، ممر جديد آمن وبعيد عن مدى المدفعية المصرية، وكانوا يقدروا يردموا الحتة دي بالحجارة والرمل (لأن التيار هناك صفر) ويعملوا جسر ثابت يوصلهم بقلب سيناء ويأمن قواتهم في الجنوب. "كبريت" كانت هي رمانة الميزان. طول ما هي في ايد المصريين، إسرائيل هتفضل مخنوقة ومحاصرة في الثغرة، وما تقدرش تفرض شروطها السياسية. عشان كدة، صمود أبطال الكتيبة 603 هو اللي كتّف إسرائيل سياسياً وعسكرياً، على الرغم أنهم مقطوع عنهم الاتصال و ميعرفوش حاصل ايه برا، ولا عندهم خبر بالمفاوضات، بس هي الروح المصرية العاشقة لتراب بلدها. شرف المصري يموت واقف على أرضه.
يوم 14 يناير 1974، المقدم البطل (إبراهيم عبد التواب) وهو وسط عساكره، بيوزع عليهم الأمل قبل الأكل، أصابته شظية غادرة في ظهره، واستشهد وهو صايم "صيام الأبطال". العساكر والظباط كلهم بكون وكان يوم صعب جدا عليهم، فقدان بطل الصمود المقدم (إبراهيم عبد التواب)، لكن طبيعة الموقف، وشرف العسكرية، وأخلاقهم لوطنهم، فارض عليهم يطلعوا من أحزانهم ويرتبوا صفوفهم بسرعة، عشان كدة تولى مكانه الرائد (سعد الدسوقي). إسرائيل كانت فاكرة إن بموت القائد، الروح المعنوية للجنود هتبقى في الأرض، ويتملكهم اليأس ويتسلموا بس العكس هو اللي حصل، الصمود أتحول لقضية ثأر. وأحنا صعايدة بقى ومبنسيبش تارنا.
وفي نفس الوقت، (هنري كيسنجر) كان بيجري رحلات مكوكية بين أسوان والقدس. إسرائيل عرفت إن "خطة شامل 2" اللي حطاها مصر لو اتنفذت هتمسح قواتهم من الغرب، فوافقوا على فض الاشتباك الأول في 18 يناير 1974.
يوم 20 يناير، دخل أول إمداد رسمي من الأمم المتحدة لـ "كبريت". ويوم 27 يناير، الدبابات الإسرائيلية انسحبت تماماً من حوالين النقطة. وفي 13 فبراير، سلم الأبطال النقطة لزمايلهم من الجيش الثالث، ورجعوا "العامرية" في موكب مهيب، شايلين علم مصر اللي متنازلوش عنه لحظة واحدة رغم إنهم عاشوا الموت يومياً لمدة شهور.
ملحمة "كبريت" هي قصة كل "مصري" اللي بيتحول لوحش لما أرضه بتناديه. العسكري اللي كان بيشرب فنجال مية مرّة في اليوم، هو اللي كان بيسند ضهر المفاوض في الكيلو 101. لولا "صبر" الكتيبة 603، ولولا شجاعة المقدم الشهيد (إبراهيم عبد التواب)، ولولا دهاء اللواء (الجمسي)، كان زمان تاريخ الثغرة اتكتب بأقلام تانية.
دي مش مجرد ذكرى، "ملحمة كبريت" هتفضل محفورة في وجدان كل واحد بيعرف معنى الأرض والعرض. أحكوها لأولادكم و أترحموا على الشهداء. عاش أبطالنا اللي بيثبتوا في كل زمان إن "المصري" هو المعجزة اللي مالهاش تفسير.
مروة طلعت
13 / 4 / 2026
المصادر:
مذكرات حرب اكتوبر للفريق سعد الشاذلي (دار بحوث الشرق الاوسط الامريكية- الطبعة الرابعة).
مذكرات حرب اكتوبر للمشير محمد عبد الغني الجمسي (دار بحوث الشرق الاوسط الامريكية- طبعة 2012 ).
مذكرات موشي ديان (دار الخلود للنشر و التوزيع- الطبعة الاولي).
المعارك الحربية على الجبهة المصرية لللواء جمال حماد.
تعليقات
إرسال تعليق