الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 30 الأخيرة

(30 الأخيرة) نهاية بطل

مصر كلها كانت فرحانة ومنورة، الزينات في كل شارع حارة وزقاق في القاهرة، والبشاير في القلعة، والدفوف بترن في أرجاء المحروسة وهي مستنية "المظفر" اللي كسر شوكة التتار ورجع للمسلمين هيبتهم. القلوب كانت طايرة من الفرحة، بس في الطريق لمصر، كان فيه قلوب تانية شايلة، ونفوس بتغلي زي المرجل.

قبل ما تبتدي قراءة الحلقة دي اتأكد أنك قريت الحلقة 29 عشان تفهم أكتر، لينك الحلقة اخر المقال. السلطان "قطز" وصل لبلدة القصير - حالياً قرية الجعافرة التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية - وقرر يستريح فيها مع شوية من خواصه وحرسه، وبعت بقية الجيش يسبقه على "الصالحية - حالياً هي الصالحية القديمة في محافظة الشرقية تبع مركز فاقوس قريبة من قرية الجعافرة - عشان يجهزوا "الدهليز السلطاني" ويستعدوا للموكب المهيب - الدهليز السلطاني عبارة عن خيمة كبيرة بس مكنش مجرد خيمة، ده كان قصر ملكي متنقل أو كارفان عملاق بمصطلحنا الحالي مصنوع من الحرير وخيوط الدهب، فيه غرف وصالونات ومطبخ، وبيمثل هيبة الدولة وعرش السلطان اللي بيتحرك مع الجيش في كل مكان - بس الجو مكنش هادي.

الجو كان مشحون، الغيوم اللي بين "قطز" و"بيبرس" غطت على شمس النصر، والخلاف القديم صحي من تاني بأنيابه، الاتنين بيتربصوا لبعض، كل واحد عينه على التاني، وكل واحد مجهز حذره وحيطته، تربص يقطع الأنفاس.

بس "ركن الدين بيبرس" قرر إنه مش هيستنى لما يوصلوا أسوار القاهرة وتتقفل عليه أبواب القلعة، قرر يسبق "قطز" وينفذ حكم أعدامه، قبل ما "قطز" ينفذه فيه في القاهرة. اتفق "بيبرس"  مع خشداشيته من المماليك البحرية، "بلبان الرشيدي"، و"بهادر المعزي"، و"بكتوت الجوكنداري"، و"بيدغان الركني"، و"الهاروني"، و"أنس الأصبهاني"، أمراء البحرية اللي جرحهم القديم لسه بينزف.

  يوم السبت 15 ذي القعدة 658 هجرية / 23 أكتوبر 1260 ميلادية، قربوا من القصير، في المنطقة اللي بين الغرابي والصالحية، "بيبرس" عمل مناورة ماكرة، انحرف عن الطريق بحجة الصيد، كأنه فارس بيسلي نفسه قبل دخول المحروسة، عشان يشتت الانتباه ويأخر السلطان عن باقي موكب الدهليز السلطاني - بيستدرجه يعني - ولما شبع من التمثيلية وخلص غرضه من الصيد، رجع وهو راسم الضحكة على وشه وقاصد الدهليز السلطاني، وهو ماشي جنب السلطان "سيف الدين قطز".

"بيبرس" بص ل"قطز" وقاله بطلب فيه الفرسان: "يا خوند.. طمعان في كرمك بـ (امرأة) من سبي التتار". "قطز" ابتسم وقاله: "أنعمنا لك بها يا ركن الدين".

"بيبرس" رد الابتسامة بابتسامة تانية، بس عينيه الزرقا ضاقت وهو بيمد إيده اليمين ببطء كأنه هيمسك إيد "قطز" يبوسها علامة شكر. "قطز" مد إيده بتلقائية السلطان المعتاد على كدة، لكن "بيبرس" قبض على إيد "قطز" بكل قوته، كأنه بيكبله بالحديد، بايده الشمال طلع خنجره من تحت عبايته وطعن بيها "قطز" في جنبه.

"قطز" صرخ صرخة ألم مكتومة وبص لعيون "بيبرس" بذهول، لكنه شاف فيهم غضب وانتقام وتصفية حساب قديم. وقبل ما عقل "قطز" يستوعب اللي حصل،  انقض "بكتوت الجوكنداري" وضرب السلطان بالسيف على كتفه ضربة بانت أثرها فوراً، ووراه "أنس الأصبهاني" خطف السلطان ورمى جسمه من فوق الفرس للأرض. "قطز" وقع على الرملة بعنف، الغبار بيطير حواليه.

"قطز" على الأرض، بص ل"بيبرس" اللي واقف فوق راسه بحصانه النظرة الأخيرة فيها عتاب، وذهول، وانكسار. وفي لحظة البرق، "بهادر المعزي" رماه بسهم سكن في صدره وقضى عليه. وقع "المظفر" على رمال القصير.. السلطان اللي هز الدنيا مات في هدوء الصحراء.

المماليك البحرية مسحوا سيوفهم، ومشيوا بكل برود لـ "الدهليز السلطاني" في الصالحية.. مكنش فيه وقت للندم، ده كان وقت المشورة. قعدوا مع بعض، واتفقوا إن كبيرهم صاحب الطعنة الأولى هو اللي يمسك "اللجام"، وبايعوا كبيرهم "ركن الدين بيبرس" سلطان على مصر.

طب فين صديقه ودراعه اليمين "قلاوون الألفي" مشتركش معاهم لية؟. "بيبرس" كان الرأس المدبر، ومحتاج رجالته اللي قلبهم ميت قريبين منه في لحظة الصيد (المناورة). "قلاوون" في الوقت ده كان ليه وضع خاص؛ كان أمير ميسرة أو ماسك قيادة جزء من الجيش اللي سبق للصالحية. الخطة كانت محتاجة إن "قلاوون" يفضل جوه المعسكر في الصالحية عشان يسيطر على بقية الأمراء والجيش أول ما يوصل خبر موت "قطز". يعني "قلاوون" كان هو صمام الأمان اللي هيثبت الحكم ل"بيبرس" في الدهليز السلطاني، بينما "بيبرس" والكتيبة بينفذوا المهمة في الخلاء. 

"بيبرس" مكنش عايز يحط كل كروت البحرية التقيلة في مشهد الدم. "قلاوون" كان بيتمتع بهيبة واحترام حتى عند المعزية، فكان وجوده بعيد عن مسرح الجريمة بيعطيه فرصة إنه يلعب دور الوسيط أو اللي بيحتوي الموقف لما "بيبرس" يدخل الدهليز. ده تكتيك سياسي عالي جداً، يثبت أد ايه "بيبرس" مكنش قائد عسكري محترف وبس، ده كان سياسي أفعواني ماهر وده اللي أثبتته السنين بعد كدة. "بيبرس" نظم خطته وكمان رتب لكل أبعادها المستقبلية، مهد أنه يدخل ومعاه شاهد ملك له ثقل زي "قلاوون" يبارك خطوة سلطتنه.

نيجي نسأل سؤال تاني، منين "قطز" و "بيبرس" كل واحد كان متربص بالتاني، وكل واحد بيجهز للقضاء ع التاني، ومنين "قطز" أغفل احساسه ده وأمن أنه يخرج معاه ومع المماليك البحرية لوحدهم؟!

"قطز" بذكاء السلطان كان حاسس إن البحرية قنبلة موقوتة، فكان بيحاوط نفسه بخواصه ورجالته المعزية كأنه بيبني سور من البشر يحميه من غدرهم، وفي نفس الوقت كان "بيبرس" بيمارس دهاء الفرسان؛ فضل يساير السلطان ويمشي في ركابه بكل أدب وهدوء، كأنه بيطمنه إن الخلاف مات واندفن تحت حوافر الخيل، لحد ما خلى "قطز" يصدق إن هيبة النصر كفيلة بلجم النفوس.

المأساة هنا إن الحذر السلطاني اصطدم بجرأة الفارس اللي مبيخافش؛ "قطز" خرج معاهم لأنه مكنش ينفع يظهر خوفه قدام العساكر في لحظة مجده، و"بيبرس" استغل المسايرة دي عشان يقرب المسافة ويستنى لحظة الثقة اللي فيها تغلب الحيطة. كانت معركة صامتة أو حرب باردة، كل واحد فيها مستني التاني يرمش الأول، لحد ما جت اللحظة اللي رمال القصير شربت فيها السر اللي كان مستخبي ورا النظرات.

الحكاية مخلصتش عند موت "المظفر" فوق رمال القصير، الحقيقة المرة إن السلطة اتنقلت للقاتل قبل ما دم المقتول حتى يلحق ينشف على الأرض. الغريب في المشهد إن كبار أمراء المماليك لما وصلهم الخبر، ولا بأن عليهم أي أندهاش، ولا شافوا أي غضاضة في اللي حصل، وكأنهم كانوا مستنيين اللحظة دي وعاملين حسابها.

حتى "أتابك العسكر" -اللي هو القائد العام للجيش- لما وصله المماليك البحرية سأل ببرود: "مين اللي قتله؟".. ولما عرف إن "بيبرس" هو صاحب الضربة والكلمة، بص له وقاله بكل بساطة: "يا خوند.. اتفضل اجلس أنت في مرتبة السلطنة". كدة بكل بساطة، مات الملك عاش الملك.

عرش الدولة بقى مكافأة للي خلص على السلطان. ومن يوميها أصبح مبدأ السلطنة المملوكية "الحكم لمن غلب"، وإن اللي يقدر يقتل السلطان، يتصقفله ويتقله اسم الله عليه اسم الله عليه، ويصبح هو الأحق إنه يقعد مكانه.

بس المماليك المعزية -رجالة قطز وأستاذ أيبك- ماسكتوش بسهولة. أول ما "بيبرس" دخل القاهرة وبدأ يثبت رجله، حاولوا يغتالوه ويخلصوا منه، بس "بيبرس" مكنش فريسة سهلة. بضربة واحدة كنس اللي حاول يلمسه؛ اللي اتقتل اتقتل، واللي اتسجن اتسجن، والباقي اتنفى بره مصر والشام خالص.

كل اللي حصل ده، من أول دم القصير لحد سجون القاهرة، بيقول كلمة واحدة بس: إن مقتل "قطز" مكنش صدفة ولا خناقة على ولاية حلب وبس.. ده كان "تار بايت" وعداء قديم ومستحكم بين المماليك البحرية والمماليك المعزية. بركان فضل يغلي سنين، وانفجر في اللحظة اللي صيانة الإسلام فيها مابقتش محتاجة اتحادهم.

السلطان اللي الدنيا كلها كانت بتترعش من اسمه، والسيف اللي كسر أسطورة التتار، بقى فجأة ملقي بالعراء تحت شمس الصحراء في القصير. مفيش موكب ملكي، ولا حرس شرفي. شوية من اللي فضلوا مخلصين لخدمته هما اللي واروا جثمانه في مكانه، ودفنوه في رمال القصير غريب في أرضه.

"قطز" اللي حكم مصر 11 شهر و 17 يوم بس، غير فيها تاريخ العالم كله، ملقاش في لحظتها غير القبر المجهول ده. لكن بعد فترة، اتشال جسد "قطز" واتنقل للقاهرة، على حسب رواية المقريزي، واندفن قريب من زاوية الشيخ "تقي الدين" قبل ما تتبني وتتعمر، لحد ما جه "الحاج الظاهري" ونقله لمقره الأخير في القرافة جنب زاوية "ابن عبود"..كأن جسده كان بيدور على ونس وسط الصالحين بعد غدر الفرسان.

المفارقة إن السلطان "قطز" اتقتل وهو راجع بنصره الكبير، و"بيبرس" اتوج سلطان في نفس مكان الجريمة.. والناس في القاهرة؟. القاهرة كانت قايدة شموعها ومجهزة زينتها ومستنية البطل اللي حماهم من التتار. البيوت كانت مليانة فرحة ومسرات بكسرة التتار، ومحدش كان يعرف إن "المظفر" بقى تحت التراب.

أول ما طلع النهار، والناس صاحية مستنية الموكب، نادى المنادي في الشوارع بالصدمة: "ترحموا على الملك المظفر.. وادعوا لسلطانكم الملك القاهر ركن الدين بيبرس".

لكن قبل ما اليوم يخلص، "بيبرس" غير لقبه من "القاهر" لـ "الملك الظاهر".. وكأن التاريخ عايز يطوي صفحة الدم بلقب جديد يبدأ بيه عهده. أما عن نتائج مقتل "قطز" بالنسبة للمماليك والبيت الايوبي والتتار والصليبيين وعموم المصريين والشوام، كل ده بالتفاصيل موجود في كتابي "أسد المماليك الظاهر بيبرس البندقداري".

رحم الله الملك المظفر "سيف الدين قطز"، الفارس اللي عاش ومات عشان وطنه.. وغفر الله للملك الظاهر "ركن الدين بيبرس"، القائد اللي مكنش فيه حد يقدر يكمل المشوار غيره رغم وجع البداية.

(تمت بحمد الله)
مروة طلعت
29 / 3 / 2026
#عايمة_في_بحر_الكتب
#الحكاواتية
#بتاعة_حواديت_تاريخ
#الصَّدُّ_الأَخِيرُ
#سيف_الدين_قطز
#عين_جالوت
المصادر:
1- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج6 و ج7 - ابن تغري بردي.
2- قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام - أبو الفدا.
3- السلوك لمعرفة دول الملوك - المقريزي ج1.
4- بدائع الزهور في وقائع الدهور - ابن ياس.
5- مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ج2 - ابن واصل.
6- مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ممالك مصر والشام - ابن واصل.
7- سير أعلام النبلاء الطبقة 34 - الامام الذهبي.
8- حسن المحاضرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة - الإمام السيوطي.
9- الدرة الزكية في أخبار الدولة التركية - ابن أيبك الداواداري.
10- مرآة الزمان في تاريخ الأعيان جزء 8 - سبط ابن الجوزي.
11- السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل معركة عين جالوت - د/ قاسم عبده قاسم.
12- السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت - علي محمد الصلابي.
13- الأيوبيون والمماليك - د/ قاسم عبده قاسم.
14- مصر في عهد بناة القاهرة - إبراهيم شعوط.
15- عصر سلاطين المماليك - أ.د/ عطية القوصي.
16- المغول وعالم الإسلام - أ.د/ صبري عبد اللطيف سليم.
17- الجواري والغلمان في مصر - نجوى كمال.
18- شجر الدر قاهرة الملوك - نور الدين خليل.
19- شجر الدر - د/ يحيى الشامي.
20- المماليك - د/ السيد الباز العريني.
21- المغول - د/ السيد الباز العريني.
22- دراسات عن المماليك في مصر - ديفيد آيالون - ترجمة علي السيد علي.
23- المغول والعالم الإسلامي من الغزو الي اعتناق الإسلام - بيتر جاكسون- ترجمة منى زهير الشايب.
الحلقة الأولى
https://www.facebook.com/share/p/1JBArrBkeQ/
الحلقة الثانية
https://www.facebook.com/share/p/1K5LgdgDeT/
الحلقة الثالثة
https://www.facebook.com/share/p/17RLfrVUPe/
الحلقة الرابعة
https://www.facebook.com/share/p/14NhEcbjNX4/
الحلقة الخامسة
https://www.facebook.com/share/p/17cfVTo4hB/
الحلقة السادسة
https://www.facebook.com/share/p/1YzExTrJaL/
الحلقة السابعة
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=859551993083872&id=100070872365801&mibextid=Nif5oz
الحلقة التامنة
https://www.facebook.com/share/p/1Cwuj2woVQ/
الحلقة التاسعة
https://www.facebook.com/share/p/17cs8aERyz/
الحلقة العاشرة
https://www.facebook.com/share/p/1H3WKXtxQb/
الحلقة الحادية عشر
https://www.facebook.com/share/p/1GdgjCgXjV/
الحلقة الثانية عشر
https://www.facebook.com/share/p/1Z7Cj9Xcx3/
الحلقة الثالثة عشر
https://www.facebook.com/share/p/1E6FgNHsdv/
الحلقة الرابعة عشر
https://www.facebook.com/share/p/18FiSSP5Gc/
الحلقة الخامسة عشر
https://www.facebook.com/share/p/1HA1x7h7hK/
الحلقة السادسة عشر
https://www.facebook.com/share/p/1Ke2w7bzR2/
الحلقة السابعة عشر
https://www.facebook.com/share/p/1HQmmEytRg/
الحلقة الثامنة عشر
https://www.facebook.com/share/p/1DhRyS2vSn/
الحلقة التاسعة عشر
https://www.facebook.com/share/p/182rZjjbno/
الحلقة العشرون
https://www.facebook.com/share/p/1DPt69Qwq5/
الحلقة الحادية والعشرون
https://www.facebook.com/share/p/1AojbHKm61/
الحلقة الثانية والعشرون
https://www.facebook.com/share/p/1DZ272iu6V/
الحلقة الثالثة والعشرون
https://www.facebook.com/share/p/1Dk8MnMv8w/
الحلقة الرابعة والعشرون
https://www.facebook.com/share/p/1E6dEQywxp/
الحلقة الخامسة والعشرون
https://www.facebook.com/share/p/189qftaxCu/
الحلقة السادسة والعشرون
https://www.facebook.com/share/p/186J7rnkgz/
الحلقة السابعة والعشرون
https://www.facebook.com/share/p/1GV7oAbbw7/
الحلقة الثامنة والعشرون
https://www.facebook.com/share/p/1DDD
3tLdDs/
الحلقة التاسعة والعشرون
https://www.facebook.com/share/p/18bdVx9eqa/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 4