الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 28
(28) عيد التمكين.. دمشق في أحضان القاهرة من جديد
بعد ما غبار معركة عين جالوت هدي، و"قطز" سجد سجدة الشكر اللي بللت تراب فلسطين بدموعه، كانت مجرد البداية. التتار لسه ليهم ديول في دمشق وحمص وحلب، والأفاعي لسه في جحورها. السلطان "قطز" كان عارف كويس إن دمشق هي الجائزة الكبرى، وهي أول محطة لازم تتحرر، والمسافة بينه وبينها حوالي 150 كيلو متر جهة الشمال الشرقي، بس "قطز" قرر يبعت روحه لدمشق قبل ما يوصل بجسمه، قرر يبعت (رسالة البشارة).
دمشق في العشر الأواخر من رمضان سنة 658 هـ / 1260م، الحزن مخيم على حواريها، والناس ماشية في الشوارع وعينها في الأرض من ذل التتار. وفجأة، يوم الأحد 27 رمضان، والناس متجمعة في الجامع الأموي لصلاة الظهر، بيدخل عليهم رسول "قطز" (بشير النصر) وهو بينهج من طول الطريق، وفي إيده لفافة جلدية فيها البشارة. وده يعتبر أصل القنوات الأخبارية زمان.
البشير طلع المنبر، والجامع كله سكت وحبسوا أنفاسها برعب، ماهو اللي حاصل فيهم مكنش مخليهم يتفاءلوا خير. وبدأ البشير يقرأ رسالة السلطان المظفر "سيف الدين قطز" لأهل دمشق، قال بصوت جهوري هز الحيطان:"أما النصر الذي شهد الضرب بصحته، والطعن بنصيحته، فهو ان التتار خذلهم الله". أول ما الجملة دي اتقالت، والناس سمعتها كويس، الجامع اتزلزل بصيحات "الله أكبر" اللي اختلطت بشهقات العياط. الناس اللي كانت مكسورة، حست إن الروح ردت فيها تاني.
كمل البشير قراءة رسالة الفرح وقال: "استطالوا على الأيام وخاضوا بلاد الشام واستنجدوا بقبائلهم على الاسلام، وهذه عساكر الاسلام مستوطنة في مواطنها ما تزلزل لمؤمن قدم إلا وقدم ايمانه راسخة ولا ثبتت لأحد حجة إلا وكانت الجمعة ناسخة، ولا عقدت برجمة ناقوس إلا وحلها الأذان، ولا نطق كتاب إلا وأخرسه القرآن ولم تزل أخبار المسلمين تتنقل إلى الكفار، وأخبار الكفار تنتقل الى المسلمين، إلى أن خلط الصباح فضته بذهب الأصيل، وصار اليوم كأمس ونُسخت آية الليل بسورة الشمس إلى أن تراءت العين بالعين واضطرمت نار الحرب بين الفريقين، فلم تر الا ضربا يجعل البرق نضوا ويترك في بطن كل من المشركين شلوا، وقتل من المشركين كل جبار عنيد، ذلك بما قدمت أيديهم (وما ربُّك بظلام للعبيد)".
"قطز" في رسالته كان بيوصف معركته وكأنها لوحة، الصبح خلط فضته بذهب الأصيل، ويومنا نسخ ليلهم بسورة الشمس. العين شافت العين، والنار اشتعلت، وما شوفتوش إلا ضرب خلى البرق يختفي من قوته، وترك في بطن كل جبار من المشركين جثة هامدة، وده اللي قدمته إيديهم، وما ربك بظلام للعبيد.
وفي اللحظة اللي كانت فيها الرسالة بتتقري والناس بتهلل وتكبر بأقصى ما في حناجرهم من الفرح، التتار اللي في دمشق ركبهم خبطت في بعض، الرعب اللي زرعوه في قلوب الناس، رد في صدورهم أضعاف. صبيحة يوم البشارة ده، التتار هربوا من دمشق زي الفئران المذعورة جهة الشمال، لكن المسلمين مسبوهمش، خرجوا وراهم في الشوارع يطاردوهم، يقتلون ويأسرون ويستردوا أموالهم المنهوبة، والأهم من ده كله، إنهم فكوا أسر إخوانهم من إيد التتار قهرًا، بقوة الدراع وبقوة روحهم المعنوية اللي بقت للسما.
صرخات الفرح في دمشق جاوبتها صرخات النصر من القلعة المنصورة في القاهرة. المآذن بقت بتنادي على بعضها، والناس بتبكي من الفرحة إن ربنا جبر بخاطر الاسلام، وكبت أعداءه، وظهر دين الله وهم كارهون.
وهنا بقى، ظهر "ركن الدين بيبرس"، أسد الميدان اللي مبيشبعش من مطاردة الجناة الظلمة الفجرة. "بيبرس" خرج وخد وراه جماعة من الفرسان الشجعان، وفضلوا ورا فلول التتار يقطفوا رؤوسهم في كل حتة، طاردوهم من دمشق لحد ما وصلوا وراهم لأسوار حلب.
"هولاكو" في الوقت ده كان قاعد في خيمته الكبيرة، مستني أخبار "كتبغا" وهو كالعادة واثق إن العالم كله تحت طوعه. وفجأة، يدخل عليه الخبر الصاعقة "جيشك انهزم وكتبغا اتدبح في عين جالوت". الصدمة كانت زلزال هز كيانه، الموقف مكنش مجرد هزيمة عسكرية، ده كان عار أسود لطخ سمعة المغول اللي عملوا أسطورة حوالين نفسهم أنهم مش بيموتوا ولا ينكسروا أبدا.
"هولاكو" كان بيغلي، نار الانتقام كانت بتآكل في قلبه، وكان نفسه يطير بجناحاته لبلاد الشام عشان يمحو العار ده ويمسح المسلمين من على وش الأرض، بس تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. "هولاكو" اللي كان راعب الدنيا، لقى نفسه محبوس في مشاكله الشخصية. نار الفتنة ولعت في بيته وعشيرته، ولقى نفسه في حرب دروس مع ابن عمه "بركة خان" (زعيم القبيلة الذهبية) اللي وقفله بالمرصاد - اتكلمت عنه بالتفصيل في كتابي أسد المماليك - الخناقة بين أهل البيت المغولي شلت إيد "هولاكو" وخلته مش عارف يتحرك خطوة واحدة ناحية الغرب عشان يلحق جيشه اللي أتنسف في عين جالوت.
يوم 30 رمضان سنة 658 هـ، دمشق صاحية على غير عادتها، مفيش خوف، مفيش خنقة. الشوارع اتزينت بالورد والأقمشة الملونة، والناس (رجالة وستات وأطفال) خرجوا في زحام أسطوري، الكل واقف على طراطيف صوابعه مستني اللحظة اللي يلمحوا فيها خيل المماليك. وفجأة، ظهر السلطان "سيف الدين قطز" على حصانه، البطل المظفر اللي شايل النصر على سن سيفه. الاستقبال كان زلزال من الفرحة، صرخات "الله أكبر" كانت بتهز الجدران، والناس بتبكي وهي بتشوف عزة الإسلام بترجع لبيوتها تاني. الجيش المملوكي دخل دمشق بأخلاق الفرسان، مفيش نهب، مفيش ترويع، ولا حصل أي حاجة من اللي بيعملها المستعمرين لما بيدخلوا البلاد. الأمن استتب بسرعة عجيبة، النفوس هديت، والأعراض والأموال اتحفظت لكل اللي ساكنين، مسلمين ونصارى ويهود، العدل كان هو القانون.
"قطز" بذكائه وحزمه بدأ "ينضف البيت من جوه. أول حاجة عملها عزل "ابن الزكي"، القاضي اللي التتار عينوه وكان بيميل ليهم، وعين مكانه الرجل التقي "نجم الدين أبا بكر بن صدر الدين". وبدأ يفصل في القضايا والمخالفات اللي حصلت بين المسلمين والنصارى بكل دقة. "قطز" كان حريص إن مفيش مظلمة واحدة متمسش نصراني في بلاد المسلمين، رغم كل اللي عمله بعضهم في المسلمين وقت احتلال التتار، ودي كانت رسالة الإسلام الحقيقية.
تاني يوم على طول، كان عيد الفطر، بس ده مكنش أي عيد، ده كان عيد النصر والتمكين. الصلاة في الجامع الأموي كان ليها ريح الجنة، والناس بتسلم على بعضها وهي مش مصدقة إن الغمة انزاحت. "قطز" في وسط الفرحة والانتصار منسيش دوره كقائد ومحارب، في نفس الوقت اللي الناس بتعيد فيه، كان باعت "بيبرس" ورجالته يكمل مطاردة ديول التتار اللي هربانين.
"بيبرس" كنس مدن الشام مدينة مدينة، طار ورا المغول في أعالي الشام لحد ما حصلهم في حمص. التتار هناك من الرعب رموا متاعهم وحاجتهم وهربوا بجلدهم، وسابوا الأسرى المسلمين يرجعوا لأهلهم. حاولوا يهربوا ناحية الساحل، لكن "بيبرس" وفرسانه كانوا ليهم بالمرصاد، قتلوهم وأسروا منهم أعداد مهولة.
وفي ظرف أسابيع قليلة، كانت بلاد الشام كلها نضيفة زي الفل من دنس التتار. ساعتها "قطز" أعلن توحيد مصر والشام من جديد في دولة واحدة، بعد 10 سنين من الفرقة والوجع، من يوم وفاة "الملك الصالح نجم الدين أيوب"، رجعت القاهرة ودمشق إيد واحدة تحت زعامة السلطان المظفر "سيف الدين قطز". المنابر في كل حتة، من مصر لفلسطين لمدن الفرات، كانت بتدعي لـ "قطز"، والناس عاشت أيام من أسعد أيام حياتها، أيام كان فيها الحلم حقيقة، والكسرة نصر.
"قطز" محققش نصر عسكري وبس، كان عايز أمان واستقرار يخلي الشام حيطة سد قدام أي خطر جاي. وعشان يرجع مصر وهو مطمن، بدأ يوزع الأدوار بدقة الجراح. قعد السلطان وحواليه الأمراء، وبدأ يوزع الإقطاعات (الأراضي والمسئوليات) على رجالة الأشداء، الأمراء الصالحية والمعزية اللي شالوا معاه الحمل، عشان يضمن إن اللي هيحمي الأرض هم الأجدر بحمايتها.
وعلى دمشق، قلب الشام، عين النائب بتاعه الأمير "علم الدين سنجر الحلبي"، ومعاه الساعد الأيمن الأمير "أبو الهيجاء الكردي". وبذكاء سياسي فذ، "قطز"، رجّع ملوك الأيوبيين (أصحاب العروش الصغيرة) لكراسيهم، بس المرة دي كانوا ملوك تابعين لسلطان مصر المملوكي، يعني وحدة حقيقية تحت راية واحدة.
لكن السؤال ليه "قطز" مرجعش الشام كلها لحكم المماليك مباشرة؟ ليه رجّع ملوك الأيوبيين لكراسيهم وعروشهم الصغيرة؟ الحقيقة إن "قطز" هنا كشف عن وجه سياسي عبقري ملوش نظير. هو مكنش بيدور على منصب يوزعه، كان بيدور على وطن يلمه من التشتت. "قطز" كان قاري المشهد صح؛ الشام لسه بتميل عاطفياً للبيت الأيوبي، وأي تغيير جذري في الوجوه كان ممكن يفتح باب للقلاقل والمؤامرات وهو لسه بينضف الأرض من ريحة التتار. بذكاء طبق مبدأ الاحتواء؛ رجعهم لكراسيهم بس المرة دي بأمره هو، فخلّاهم مدينين ليه بالولاء التام بدل ما يبقوا خناجر في ضهره. سحب منهم حجة التمرد، وفي نفس الوقت استغل شرعيتهم القديمة عشان يهدي الشارع الشامي ويضمن جبهة داخلية صلبة زي الحديد.
وهنا كمان حصلت لقطة ذكية جداً، الأمير "الأشرف موسى" حاكم حمص، اللي كان "هولاكو" عينه نائباً عنه، بعت لـ"قطز" يطلب الأمان.. تفتكر قطز عمل فيه إيه؟ بقلب السلطان الواثق، أداله الأمان وثبته على عرشه. لكن هل "قطز" كان ساذج وهو بيدي الأمان لواحد كان نائب "هولاكو" زي "الأشرف موسى"؟ "قطز" مكنش واثق في الشخص، لكنه كان واثق في قوة الدولة اللي بناها. "قطز" كان عايز يبعت رسالة لكل الأمراء المترددين يقولهم حضن الوطن يسع كل اللي يرجع لعقله، وبكدة فكك جبهة التتار من جوه، وخلّى أي حد بيفكر يخون يحس إن الرجوع للحق له باب مفتوح.
ومن ناحية تانية، "قطز" بذكائه مكنش عايز يضيع وقت جيشه في حصار مدن جانبية وهو وراه مهمة أكبر وهي تطهير الشام بالكامل. هو ثبّت "الأشرف موسى" في حمص، بس حاصره بكماشة من رجاله المخلصين؛ يعني كان أمان تحت المراقبة اللصيقة. "قطز" حب يكسر كبرياء "هولاكو" بالذات، لما يخلي نائبه الشخصي يروح يترجى سلطان مصر عشان يسامحه، ودي في حد ذاتها كانت هزيمة نفسية للمغول أشد من وقع السيوف.
بمنتهى الرقي السياسي، قطز طبّق مبدأ "عفا الله عما سلف" عشان يلم الشمل، لكن عينه كانت بتراقب كل دبة نملة. هو مكنش بيثق في القلوب، كان بيثق في النظام اللي فرضه على الأرض، ودرس لكل اللي غاب عنهم الطريق إن العودة للحق فضيلة.. طالما السيف المملوكي صاحي وموجود.
وكمان بعت للملك "المظفر علاء الدين علي بن بدر الدين لؤلؤ" صاحب سنجار عشان يكون نائب السلطان في "حلب" الشهباء - ودي كانت غلطة كبيرة هنفهم معناها الحلقة الجاية ان شاء اله - ووزع الأراضي اللي حوالين حلب على الأمراء المخلصين ليه، عشان ميبقاش فيه ثغرة واحدة للمغول.
"قطز" مسبش تفصيلة صغيرة إلا ورتبها.. "الملك المنصور" في حماة وبارين، رجعله المعرّة اللي كانت ضايعة منه من سنة 635 هـ، وفي المقابل خد منه سلمية وأداها لأمير العرب "شرف الدين عيسى بن مهنا". أما الساحل وغزة، فسلمهم لواحد من الأبطال اللي سابوا "الملك الناصر" وانضموا لقطز في القاهرة وحاربوا معاه بقلب في عين جالوت، وهو الأمير "شمس الدين آقوش البرلي العزيزي".
وسط كل ده، كان لازم يكون فيه حزم يرهب الخونة. قطز أمر بشنق "حسين الكردي الطبرادار" اللي كان دليل التتار على مكان "الملك الناصر يوسف" خيانة زي دي مكنش ينفع تمر، فكان جزاؤه الأعدام عشان الكل يعرف إن اللي يخون أهله ملوش مكان في عصر النصر.
وبكدة، وفي بضعة أسابيع، رجع الأمن والاستقرار للشام بعد ما كان المغول حولوه لغابة. وفي يوم 26 شوال سنة 658 هـ / 4 أكتوبر 1260م، السلطان "سيف الدين قطز" ركب خيله، ووراه جيشه الظافر، وخرج من دمشق مودع اهلها واتجه الى مصر المحروسة اللي مستنية بطلها بفارغ الصبر عشان تكحل عينيها بنور النصر.
خرج "قطز" وهو بيبص لأسوار دمشق للمرة الأخيرة، مكنش يعرف إن الطريق لمصر مخبي له مفاجأة تانية خالص، وإن الفرحة اللي في عيون الناس بلقاه، هتبقى هي هي الدموع اللي هتودعه.. بس المرة دي، دمشق ومصر هيفضلوا إيد واحدة لسنين طويلة جداً.
أما "هولاكو" ملقاش قدامه غير إنه يبعت رسالة لـ "الخان الأعظم" في "قراقوم"، بيحكي له بكسرة نفس عن اللي عمله سلطان مصر في رجالة المغول ببلاد الشام. الخان الأعظم حب يطبطب على جرح "هولاكو" ويرفع معنويات جيوشه المنهارة، فأصدر مرسوم ملكي بيوهبه فيه كل البلاد اللي من أول نهر جيحون - بينبع من جبال البامير العالية (في أفغانستان وطاجيكستان) ويصب في بحر آرال (اللي كان بيتسمى بحر خوارزم) - لحد بلاد الشام، كان بيوزع تورته هو مبيملكهاش أصلاً، والغرض من ده كله تشجيعه إنه يلم نفسه ويرجع يحارب المماليك تاني.
وفعلاً، "هولاكو" بدأ يجمع شتات نفسه ويستعد، والحلم القديم بضم مصر والشام كان لسه بيراوده.. بس القدر كان أسرع منه بكتير. ملك الموت مدهوش وقت يكمل خطته، وفي سنة 663 هـ / 1265م، مات "هولاكو" بكسرته وحسرته، من غير ما يحقق حلمه، وفضل "نصر عين جالوت" هو الغصة اللي وقفت في زوره لحد ما فارق الحياة، وفضلت مصر والشام عصية عليه وعلى كل اللي جه وراه.
(يتبع)
تعليقات
إرسال تعليق