الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 21
أول ما خلصت مأساة ميافارقين، "هولاكو"عينه راحت على ماردين - جنوب شرق تركيا - وبصراحة، قادة المغول وقفوا مذهولين قدام عظمة تصميم المدينة دي؛ قلعتها كانت عالية جدا، حصونها مبنية بطريقة تخلي أي جيش في العالم يفكر ألف مرة قبل ما يقرب. وعشان كدة لجأوا لأسلوبهم القديم المضمون؛ بعتوا رسل لـ "الملك السعيد" صاحب ماردين، ومعاهم رسالة مليانة تهديد ووعيد وخراب مستعجل لو مفكرش يسلم.
لكن "الملك السعيد نجم الدين إيلغازي الأرتقي" مكنش من النوع اللي بيخاف. هو كان فاهم لعبتهم الخبيثة اللي بقوا مشهورين بيها، واللي كان فاهمها قبل الشهيد "الملك الكامل". "الملك السعيد" بص للرسل وقالهم بثبات: "كنت قد عزمت على الطاعة والحضور الى الملك، ولكن حيث انكم قد عاهدتم الاخرين، ثم قتلتموهم بعد ان اطمئنوا الى عهدكم وامانكم، فاني الآن لا أثق بكم، وأن القلعة بحمد الله تعالى مشحونة بالذخائر والأسلحة ومليئة برجال الترك وشجعان الكرد" ووضحلهم أن ماردين مش سهلة، القلعة بفضل الله مليانة ذخاير وسلاح، ومحميّة بأسود من رجال الترك وشجعان الكرد.
هولاكو ضرب حصار حديدي على ماردين، بس ماردين كانت بحصونها بجد لقمة ناشفة عليه وعلى رجاله. وفي الوقت اللي الحصار فيه شغال، "هولاكو" مقعدش ساكت، كان عارف ان حصار ماردين هيطول واحتمال كبير هيفشل، وعشان يداري على عجزه قصادها قال يدخل مدن تانية وميكسرش هيبته واسطورته، على ما يشوفله صرفة في ماردين. وفعلا قدر يستولى على آمد وحران والرها وسروج، ووقع في إيده عدد كبير من حصون إقليم الجزيرة.
"هولاكو" مع انتصاراته المتتالية دي، برده كان واقف عاجز قصاد حصون ماردين الحصينة، ولما لقى إن ماردين هتضيع وقته، قرر يعمل تأجيل لحساب ماردين، وقال لنفسه أخلص من الشام الأول وبعدين أرجع لماردين على مهلي. وبمنتهى الجبروت، أمر جيشه يعبر نهر الفرات، والوجهة المرة دي كانت حلب، قلب الشمال السوري.
بعد ما بغداد وقعت وحصل فيها اللي حصل، الرعب سكن قلب "الملك الناصر يوسف" صاحب حلب ودمشق، مكدبش خبر، بدل ما يجمع جيوشه، راح جري أعلن خضوعه التام لـ"هولاكو". وزي ما حكينا، هولاكو مكنش بيقبل بأنصاف الحلول، بعت للناصر وقاله: 'لو عاوزني أصدق طاعتك دي، تخرج لي بنفسك وتديني أمارة انك تجيب معاك 20 ألف عسكري، يساعدوا الجيوش المغولية.
وهنا حصلت الحيرة اللي بتدمر أي حاكم، "الناصر" كان جواه صراع؛ كلام "الملك الكامل" الثوري اللي شجعه على التمرد لسه بيرن في ودنه، والجُبن اللي متمكن منه لسه مكتفه. فضل يتكاسل ويقدم رجل ويأخر رجل. لكن "هولاكو" اعتبر إن عدم خروج "الناصر" بنفسه زي ما أمره، قلة قيمة لمقامه وتمرد صريح على أوامره. "هولاكو" بعت رسالة لـ"الملك الناصر" وكالعادة رص فيها أصناف العذاب والدمار والهلاك اللي هيصبها على الشام، قال له فيها: "الذي يعلم به الملك الناصر صاحب حلب، أنا قد فتحنا بغداد بسيف الله تعالى، وقتلنا فرسانها، وهدمنا بنيانها وأسرنا سكانها، كما قال تعالى في كتابه العزيز: (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)، واستحضرنا خليفتها وسألناه عن كلمات فكذب، فواقعه الندم واستوجب منا العدم وكان قد جمع ذخائر نفيسة، وكانت نفسه خسيسة، فجمع المال، ولم يعبأ بالرجال، وكان قد نما ذكره وعظم قدره ونحن نعوذ بالله من التمام والكمال:
إذا تم أمر دنا نقصه توق زوالا اذا قيل تم
اذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وكم من فتى بات في نعمة فلم يدر بالموت حتى هجم
إذا وقعت على كتابي هذا فسارع برجالك وأموالك، وفرسانك الى طاعة سلطان الارض، تأمن شره، وتنل خيره، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى* وأن سعيه سوف يرى* ثم يجزا الجزاء الأوفى)، ولا تعوق رسلنا عندك كما عوقت رسلنا من قبل، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وقد بلغنا أن تجار الشام وغيرهم انهزموا بحريمهم الى كروان سري، فإن كانوا في الجبال نسفناها وإن كانوا في الأرض خسفناها.
أين النجاة ولا مناص لهاربٍ ولي البسيطان الثرى والماء
ذلت لهيبتنا الأسود وأصبحت في قبضتي الأمراء والوزراء"
"هولاكو"، وهو البوذي، متكلمش بلغته ولا بعقيدته، اتكلم بلغة اللي بيخاطبهم. استعان بآيات يعرف إن وقعها على قلوبهم أقسى من وقع الحديد، وقدّم نفسه كأنه أداة قدر لا يُرد. حكى عن خراب بغداد كأنه سنّة ماضية، وصوّر الخليفة بصورة الحاكم اللي جمع المال وضيّع الرجال، علشان يقول للسامعين اللي جرالكم نتيجة أفعالكم، مفيش ظالم غيركم. وبعدين لفّ التهديد في ثوب نصيحة بإن أسرعوا بالطاعة تنالوا الأمان، ولا ملجأ من بطشٍ يطاردكم في الجبال كما في السهول. كانت رسالة ترهيب مكسوّة بالوعظ، ودعوة للاستسلام متطعمة بلغة الدين، حرب نفسية تمهّد الطريق للجيوش قبل أن تبلغ الأسوار.
الرسالة اللي بعتها "هولاكو" كلها تهديد ووعيد، عشان ترهب "الملك الناصر" أكتر، لكن وعلى عكس اللى متوقعه "هولاكو"، الرسالة دي كانت القشة اللي قطمت ظهر البعير. "الناصر يوسف" كان متردد وخايف في الأول، فجأة الرسالة حركت الغيرة على ملكه، وكبريائه صحي، وراح رادد على "هولاكو" برسالة ماليها السباب والشتيمة، وكأنه بيقوله أعلى ما في خيلك اركبه.
وفي لحظة، "الناصر" قلب سياسته 180 درجة؛ أول ما عرف إن خيل المغول بدأت تخبط بحوافرها وهي بتعبر نهر الفرات، المرة دي بعت استغاثة، ولمين، اللي جه عليهم زمان وملقاش حد ينجده النهاردة غيرهم (المماليك). بعت رسوله الصاحب "كمال الدين بن العديم" على مصر، يستنجد بيهم ويقولهم الشام بتضيع، إيدنا في إيدكم قبل ما الطوفان يبلعنا كلنا.
تحول موقف "الملك الناصر يوسف" مكنش مجرد شجاعة مفاجئة، لكنه كان صحوة اليائس؛ فضل يراوغ ويقدم تنازلات وذل لـ"هولاكو" على أمل النجاة، لكنه اصطدم بحقيقتين مرّين، الأولى هي سادية "هولاكو" اللي رفض هداياه وأصر على إذلاله شخصياً بطلب خروجه ذليلاً، والتانية دروس الماضي اللي أثبتت إن المغول مابيرحموش المستسلم قبل المقاوم، فادرك إن السيف واصل لرقبته لا محالة. أول ما خيل المغول عدت الفرات ووصلت الشام، انهار رهان "الناصر" على الدبلوماسية، فقرر يقلب الطاولة ويحاول ينقذ نفسه بالتحالف مع عدوه اللدود (المماليك في مصر)، مفضلاً إنه يرمي نفسه في حضن ولاد دينه، وانا وابن عمي على الغريب. السلطان في مصر في الوقت ده كان "المظفر سيف الدين قطز"،اللي أول ما وصلتله رسالة "الملك الناصر" بعتله على جناح السرعة رد طمنه بذكاء وقاله انه جنبه وتحت أمره.
"هولاكو" لما عرف باللي عمله "الناصر"، وقف مذهول، حس إنه غلط في حساباته. سياسة التشدد والغل اللي عامل بيها "الناصر"، بدل ما تكسره، رمته في أحضان المماليك في مصر، وده كان كابوس لـ"هولاكو" إن الجبهتين يتوحدوا. "هولاكو" حاول يصلح غلطته بخبث؛ فراح باعت فرقة سريعة لـ"الملك الناصر في دمشق، تلحقه قبل ما يتحد مع المماليك.
بس الخطة دي كانت البنزين اللي أشعل فكرة التحالف بين الأيوبيين والمماليك أكتر. والمقريزي بيحكي لنا ويقول أن السلطان "قطز" في مصر أول ما عرف إن المغول بعتوا فرقة لـ"الناصر" عشان يثبتوه، بعت رسالة لـ"الناصر يوسف" يحلف له فيها بأغلظ الأيمان أنه لا طمعان في ملكه ولا هيقاومه، وقاله أنا نائب عنك في ديار مصر.، إحنا إيد واحدة ضد المغول، وختم رسالته وقال: "وإن أخترتني خدمتك، وإن أخترت قدمت ومن معي من العسكر نجدة لك على القادم عليك، فإن كنت لا تأمن حضوري سيرت إليك العساكر صحبة من تختار". "قطز" في اللحظة دي أثبت إنه رجل دولة من الطراز الأول، عرف يمتص الخلاف مع "الناصر" ويطمن قلبه عشان الهدف الأكبر.
الجيش الأساسي للمغول وصل تحت أسوار حلب، ومعاهم "هولاكو" بنفسه، والمنظر كان يرعب؛ المغول مكنوش لوحدهم، ده انضم ليهم الأرمن بقيادة الملك "هيثوم"، والفرنج بقيادة الملك "بوهمند السادس"، المغول اتحالفوا مع الصليبيين عشان يكسروا الشام. الخبر نزل على الناس في حلب كأنه صاعقة، والمدينة وقتها كان بيحكمها "الملك المعظم توران شاه" - عم الناصر يوسف - بالنيابة عن "الملك الناصر". الناس كتيرة من كتر الرعب سابوا بيوتهم وهربوا على دمشق، والهمّ بقى تقيل جداً على اللي فضلوا جوه المدينة.
"هولاكو"، مكنش عاوز يضيع وقته وجهده في حصار مدينة حصينة زي حلب، فبعت رسالة لـ"توران شاه"، قاله فيها إحنا مش قصدينكوا ولا أهل المدينة، إحنا قصدنا "الملك الناصر" وعساكره.، إيه رأيك تسيبنا ندخل فرقة عسكرية مغولية صغيرة في المدينة وفرقة تانية في القلعة، وإحنا نسيبكم بأمان ونروح لـ"الناصر". لو هزمنا جيش "الناصر"، يبقى البلاد بقت بتاعتنا وإنتوا حقنتوا دمكم، ولو انكسرنا إحنا، ابقوا اطردوا الفرقتين بتوعنا أو اقتلوهم يا سيدي براحتكم.
طبعاً ده كان استسلام مُقنّع وخدعة مكشوفة، بس "توران شاه" مكنش من النوع اللي بيطاطي راسه. رد عليه وقاله: "ليس لكم عندنا إلا السيف". وبدأ توران شاه يحوّل حلب لأسطورة في الحصانة؛ رمّم الأسوار، قوّى القلعة المنيعة، ونصب الآلات الدفاعية والمنجنيقيات في كل ركن، لحد ما المدينة بقت جاهزة للقتال والدفاع.
وفي العشرة الأواخر من شهر ذي الحجة سنة 657 هـ / نوفمبر 1259م، المغول بدأوا يتحركوا فعلاً، ونزلوا بتقلهم على قرية اسمها سلمية وفردوا جيشهم لحد قرية حيلان والحاري في ضواحي حلب. "توران شاه" حب يجس نبض العدو، فخرج عسكر المسلمين ومعاهم حشد كبير من العوام والناس البسيطة اللي عاوزة تدافع عن بيوتها. أول ما وصلوا وشافوا جيش المغول وهو مستعد وعددهم ضخم مغطي الأرض في القرى دي، العسكر اتصدموا من كترتهم الرهيبة. أدرك المسلمين إن المواجهة المفتوحة بره الأسوار انتحار، فلفوا ورجعوا المدينة بسرعة. "توران شاه" أمر جنوده بحسم أن اقفلوا الأبواب، التحصن جوه حلب هو الحل، ومحدش يخرج يقابلهم بره السور مهما حصل.
"هولاكو" قسم جيشه ووزعهم على أبواب حلب عشان يقطعوا عنها كل شئ؛ "أرقتو نويان" وقف بفرقة عند باب اليهود في الشمال، و"سنجاق" وقف بجيشه عند باب دمشق في الجنوب، أما "هولاكو" نفسه فكان واقف بجبروته عند باب أنطاكيا حلفاؤه في الغرب.
أول ما المغول وصلوا لأسفل الجبل، رجالة حلب من حماسهم نزلوا فرقة من جيش المسلمين عشان تشتبك معاهم وتصدهم. المغول هنا لعبوا لعبتهم المشهورة؛ المكر والخديعة. أول ما شافوا المسلمين، بدأوا ينسحبوا لورا بتمثيلية متقنة عشان يسحبوهم بعيد عن حصون البلد. جيش حلب، انخدع وطاردهم ساعة من النهار وهمّ فاكرين إن المغول بيهربوا. وفجأة المغول لفوا عليهم، وخرجت الكمائن المستخبية من كل ناحية. جيش حلب لقوا نفسهم وقوا في الفخ، فبدأوا ينسحبوا بسرعة ناحية المدينة والعدو وراهم مش سايبهم. لما وصلوا لـ جبل بانقوسا كان فيه فرقة تانية من جيش حلب، فاندمجوا مع بعض وانطلقوا كلهم في سباق مع الموت ناحية أبواب المدينة، والمغول وراهم زي ضلهم.
المضايقة زادت، والضغط بقى انفجار. المغول ركزوا هجومهم من جهة الجنوب، وفي لحظة غفلة ووجع، قدروا يقتحموا المدينة. أول ما دخلوا كانوا زي نذير الموت مكنش فيه رحمة ولا تفرقة، قتلوا كل اللي كانوا في السكة من جنود وأهل البلد. المدينة وقعت، لكن القلعة فضلت زي الأسد الجريح، صامدة ورافضة تقع، وفضلت تقاوم لوحدها شهر كامل من بعد سقوط المدينة.
6 أيام كاملة وحلب غرقانة في الدم والنهب. المغول غدروا بأهلها كالعادة؛ دبحوا خلق كتير، نهبوا الدور، وسبوا الستات والأطفال. الشوارع مكنش فيها مكان تمشي فيه، كانت مفروشة بجثث القتلى وبحر دم. بعد ما "هولاكو" شبع دم، أمر برفع السيف ونادوا بالأمان للي لسه عايش. بس يا ريتهم ماتوا؛ المسلمين اللي نجوا من الدبح، اتساقوا عبيد واتباعوا في أسواق قليقلة وفي مواني الصليبيين في الشام، ويقال إن عدد الستات والأطفال اللي اتأسروا من حلب لوحدها عدى الـ 100 ألف.
وسط الغمة دي، مكنش فيه طوق نجاة إلا أماكن محدودة جداً الناس استخبت فيها بفرمانات (أوامر حماية) كانت معاهم؛ زي دار "شهاب الدين بن عمرون"، ودار "نجم الدين" أخو مردكين، ودار "البازياد، ودار "علم الدين قيصر الموصلي، والخانقاه بتاعة "زين الدين الصوفي"، وكنيسة اليهود. الأماكن دي بس هي اللي سلمت من الدبح، ويقال إن اللي نجوا جواها كانوا أكتر من 50 ألف نفس، واقفين ورا الأبواب بيسمعوا صرخات أهاليهم وجيرانهم وهم بيدبحوا.
المغول شددوا الحصار على القلعة، وضيقوا الخناق لمدة شهر كامل، والمنجنيقيات مكنتش بتسكت ليل نهار. بس الدمار الحقيقي مكنش من حجر المنجنيق، الدمار كان من السوس اللي نخر في عصب القلعة. التاريخ بيقول إن فيه خيانة حصلت جوه جيش "توران شاه"؛ ناس ضعاف النفوس فتحوا خطوط مع المغول، وعرفوهم مواطن الضعف في التحصينات، وفضلوا يكسروا في مقاديف العساكر وينشروا اليأس بينهم. وبسبب الخيانة دي، القلعة اللي كان المفروض تفضل سنين صامدة، وقعت في إيد المغول بكل سهولة رغم حصانتها.
"هولاكو" دخل القلعة وهو مغلول من حلب وصمودها، قرر يمسح ملامحها من على الأرض. هدم أسوار المدينة، وحرق الجوامع والمساجد، وقطع البساتين، وهدم البيوت، لحد ما حلب اللي كانت أزهى مدن الشام بقت بلد موحشة، ريحة الموت فيها بتسبق أي حاجة تانية. وفي وسط الخراب ده، خرج الملك "توران شاه" للمغول، المقريزي بيحكي إن هولاكو ملمسوش ولا آذاه عشان كُبر سنه. بس الحقيقة المرة بتبان بين السطور؛ "توران شاه" كان طالع إما بجراح بالغة نهشت في جسمه وقت الدفاع عن بلده، أو مريض مرض ملوش علاج من كتر الحزن والقهر، والدليل على كدة، إن الملك المعظم "توران شاه" مكملش أيام قليلة وفاضت روحه لبارئها، يعني كان كدة كدة ميت عشان كدة "هولاكو" سابه يموت لوحده. وانطوت صفحة حلب بدموع ودم أهلها، وبقت دمشق هي اللي عليها الدور.. وهي شايفة دخان حلب بيغطي السما.
هولاكو ملقاش فرصة أحسن من كدة عشان يكافئ شلة الحبايب اللي وقفوا معاه وهو بيدمر حلب. جاب الملك "هيثوم الأول" ملك أرمينية الصغرى، والملك "بوهمند السادس" الصليبي أمير أنطاكية، وفرق عليهم الغنايم. ملقاش أحسن من أموال المسلمين يديهم منها، مش بس كدة؛ ده رجع لملك الأرمن كل الأقاليم والقصور اللي كان حكام حلب المسلمين أخدوها منه زمان. أما "بوهمند'"، فرجع له كل الأراضي اللي المسلمين كانوا اقتطعوها من إمارته، كأن هولاكو بيعيد رسم الخريطة على مزاجه وبيمحي أي نصر حققه المسلمين قبل كدة.
"هيثوم" الأرمني من كتر الفرحة والغل اللي مالي قلبه، حب يحتفل بطريقته الخسيسة؛ ولع النار في الجامع الكبير بحلب، وكأنه بينتقم من كل تاريخ المدينة الإسلامي. وبكدة، وقعت حلب في إيد المغول، و"هولاكو" عمل اللي عجز عنه الأباطرة البيزنطيين والصليبيين طول سنين الحرب. حطم الحصن العظيم اللي كان دايماً حامي حِمى المسلمين، وحول المدينة اللي كانت أزهى مدن الشام لمكان خرب يائس، وحط عليها حاكم من طرفه عشان يضمن سيطرته عليها.
سقوط حلب، اللي كانت هي قلب حركة الجهاد، عمل زلزال من الفزع في نفوس المسلمين في كل الشام. وبدل ما الناس تتوحد، حصل العكس؛ الأمراء بدأوا يتسابقوا ويروحوا لـ"هولاكو" في حلب عشان يبوسوا إيده ويعلنوا الولاء. ومنهم "الملك الأشرف موسى الأيوبي" صاحب حمص؛ راح لـ"هولاكو" وهو شايل كرهه لقريبه "الناصر يوسف" اللي كان انتزع منه حمص قبل كدة. "هولاكو" لعب على الوتر ده، وراح مرجع له حمص تاني، بس المرة دي كانت إقطاعية للمغول، يعني بقى شغال عند "هولاكو" بلقبه وبملكه.
وفي وسط كل الذل ده، فضلت حامية مدينة حارم صامدة، ورفضوا يسلموا المدينة للمغول وقالوا بكرامة مش هنسلم إلا لقائد حامية حلب. "هولاكو"، الغرور كان عامي عينه، اعتبر الكلمة دي إهانة شخصية ليه ونقص من هيبته. أمر بدبح أهل حارم كلهم عن آخرهم، وسبى ستاتهم وأطفالهم، وبعدين كمل جريمته ودبح رجال الحامية كلهم عشان يوري الكل إن اللي بيفكر يتشرط عليه، ملوش عنده غير السيف.
"هولاكو" بعد ما خلص مأموريته في حلب وحران، ملقاش قدامه غير إنه يرجع يخلص حسابه القديم مع ماردين اللي كانت واقفة لقمة ناشفة في زوره. الحصار رجع تاني وأشد من الأول، والمنجنيقيات المغولية بدأت تضرب في صخر القلعة العالي. لكن في وسط المعمعة دي، دخل عدو جديد محدش عمل له حساب (الوباء). المرض انتشر في القلعة زي النار في الهشيم، وحصد أرواح أغلب السكان والجنود، وكان من ضحاياه "الملك السعيد" ملك ماردين، اللي مات وهو لسه معتز بكرامته ومسلمش القلعة لـ"هولاكو".
بعد موته، مسك الحكم ابنه "الملك المظفر"، والظروف كانت أقوى منه؛ قلعة نص أهلها ماتوا من المرض والباقي مستني دوره. هنا بدأت لغة المصالح والمفاوضات تشتغل. "هولاكو" بعت واحد من كبار أمراء المغول اسمه "كوهداي" عشان يتفاوض مع "المظفر"، و"كوهداي" فجأة أعلن إسلامه على إيد الملك المظفر مش بس كدة، ده "الملك المظفر" جوزه أخته.
إسلام "كوهداي" في الغالب مكنش هداية ربانية مفاجئة، بقدر ما كان تمثيلية سياسية بامتياز؛ فالمغول في الوقت ده كانوا أساتذة في استخدام الخديعة لفتح الحصون اللي بتستعصي عليهم عسكرياً. "كوهداي" اختار يعلن إسلامه في عز أزمة ماردين والوباء عشان يكسر الحاجز النفسي عند "الملك المظفر" ويحسسه إن المغول بقوا إخواتنا، فيسهل عملية تسليم القلعة بالذوق.
"الملك المظفر" لقى إن مفيش مفر من المواجهة المباشرة مع "هولاكو"، فقرر يروح له بنفسه في شهر رمضان من نفس السنة. خد هداياه وكنوزه وراح لمعسكر "هولاكو". و"هولاكو" اللي كان بيحب يشوف الملوك وهي جاية لحد عنده طوعاً'، استقبله وأكرمه، وقال له: "بلغني أن أولاد صاحب الموصل هربوا الى مصر، وأنا أعلم أن أصحابهم كانوا سبب ذلك، فاترك أصحابك الذين رافقوك عندي، فإني لا آمن أن يحرفوك عني، ويرغبوك في النزوح عن بلادك الى مصر، وإذا ما دخلت البلاد فاصطحبهم معي". فوافقه "الملك المظغر" ورجع ماردين، وقبل ما يوصل بعتله "هولاكو" رسله في الطريق يقولوله لف وارجع تاني "هولاكو" عاوزك، رجع "الملك المظفر" تاني من نص السكة وعينه الشمال بترف وخايف من السبب اللي خلاه يرجعه تاني من نص السكة. لما وصل "هولاكو" قاله: "إن أصحابك أخبروني أن لك باطنا مع صاحب مصر، وقد رأيت أن يكون عندك من جهتي من يمنعك من التسلل اليهم". قرر "هولاكو" يعين الأمير (أحمد بغا)، عشان يراقب "الملك المظفر" ويمنعه من الهروب لمصر.
وعشان يحط "الملك المظفر"في عبه، كبّر إمارة المظفر وضم له نصيبين والخابور ومنطقة كبيرة من ديار بكر ومعاهم ميافارقين وآمد، حتى المناجم اللي المغول سيطروا عليها زي قرقيسيا أداها له، بس بشرط؛ المغول يفضلوا حاطين إيدهم على المعابر والمداخل. وفوق ده كله، أمره بهدم أبراج قلعة ماردين.، يعني بيخليه ملك على ورق في بلد من غير حماية ولا كرامة ولا أسوار.
أول ما "المظفر" خرج من المعسكر وماشي في طريقه لماردين، "هولاكو" كشف عن وشه الحقيقي؛ أمر بضرب رقاب السبعين راجل اللي "المظفر" سابهم عنده، سبعين أمير من كبار دولة ماردين اتدبحوا بدم بارد، مكنش ليهم ذنب غير إن "هولاكو" عاوز يقص جناح "الملك المظفر"، ويخلي ماردين مجرد ولاية مغولية تابعة؛ تضرب العملة باسمه، وتدفع له الجزية، وتدعمه بالجيوش، وتدعي له على المنابر.
وبكدة، هولاكو قفل الدايرة على منطقة ديار بكر بالكامل، وحولها لمركز عمليات ينطلق منه عشان يكمل مشواره ويهد جبهة العالم الإسلامي.. وعينه المرة دي على دمشق.
تعليقات
إرسال تعليق