(17) لعبة الكراسي والمُحلل الصغير
المفروض "شجر الدر" كانت تتحاكم محاكمة رسمية، وتتسلم للسياف، وتخلص الحكاية بضربة سيف واحدة تليق بسلطانة حكمت مصر. لكن في كواليس قلعة الجبل، الحسابات مكنتش بتمشي بالمنطق ده. "شجر الدر" مكنتش مجرد قاتلة في قفص المحاكمة، دي كانت رمز سياسي كبير؛ المماليك الصالحية لسه شايفينها "ستهم" وصاحبة فضل، والمماليك المعزية عاوزين راسها بأي ثمن.
وهنا بيظهر ذكاء "سيف الدين قطز". "قطز" كان فاهم إن لو أمر بإعدامها، ممكن يفتح على نفسه أبواب جهنم من رفاق السلاح اللي لسه ليهم ولاء لبيت "الصالح نجم الدين أيوب". فقرر يلعبها صح، وده يحصل لما "شجر الدر" متموتش بقرار سياسي، لكن تموت بقرار التار.
رفع "قطز" إيده عن القضية، ولسان حاله بيقول إحنا ملناش دعوة، دي خناقة حريم مع بعضها. وسلمها تسليم أهالي لـ "ولي الدم" الحقيقي في نظر العرف وقتها وهو السلطان الصبي "المنصور علي" وأمه "أم علي". وكأن "قطز" كان عاوز يغسل إيده من دمها قدام الناس، ويرمي الحمل كله على الضرة اللي قلبها محروق، لكن في الحقيقة، بالنظرة من الزاوية الضيقة، هو اللي قاتلها.
المماليك المعزية وافقوا بمنتهى البساطة، وسمحوا لـ "أم علي" إنها تستلم غريمتها. وده ليه؟ لأنهم كانوا عاوزين يكسروا كبرياء الست اللي قعدت على العرش. الموت بالسيف فيه هيبة وشجاعة، لكن الموت بالقباقيب في ركن ضلمة على إيد الجواري فيه ذل وانكسار، وده كان المطلوب.
دخلت "شجر الدر" على "أم علي"، والجو كان مشحون بكهرباء سنين من الغيرة والقهر. "أم علي" مكنتش شايفة قدامها سلطانة، كانت شايفة خطافة رجالة سرقت منها جوزها، ورمتها منسية سبع سنين، ومجرمة يتمت ابنها. ولما المماليك المعزية سألوها طلباتك، ردت بكلمة واحدة لخصت كل السواد اللي في قلبها: "سيبوهالي.. دي كانت قهراني". وبالكلمة دي، "قطز" أخد اللي هو عاوزه (التخلص من شجر الدر بدون فتنة)، و"أم علي" أخدت اللي هي عاوزاه (تشفي غليلها بالدم والذل). واتفتحت أبواب الجحيم على "عصمة الدين" في مشهد نهايتها اللي حكيناه الحلقة اللي فاتت.
الحقيقة إن الدم اللي سال على رخام القصر مكنش مجرد انتقام نسائي، ده كان إعلان خلو رسمي لمنصب السلطان. ومن وسط الهيصة دي، بدأ يظهر وش السلطان الصبي "المنصور علي"، مش كقائد قوي، لكن كقطعة شطرنج حطها "سيف الدين قطز" بذكاء على الرقعة عشان يهدي اللعب ويثبت رجليه. وبكده، اتنقلت الحكاية من غرف الحريم وصوت القباقيب، لديوان الحكم وصوت المؤامرات السياسية.
تعيين "المنصور علي" -الصبي اللي عنده 15 سنة- على العرش، مكنش أبداً مسألة عاطفية ولا وفاء لذكرى أبوه "أيبك". الحكاية كلها كانت تكتيك سياسي من "سيف الدين قطز"عشان يكسب وقت. "قطز" كان عارف إن كبار المماليك كلهم عينهم على الكرسي، ولو ساب العرش فاضي، القلعة هتتحول لساحة دم بين الأمراء الطامعين. فكان الحل إنه يحط واجهة أو مُحلل شرعي للعرش، لحد ما الأمور تصفى له.
والموضوع ده من بعد "قطز" أصبح سِلو المماليك من بعده، أبتكر لعبة كراسي موسيقية سياسية، عجبتهم، فأصبحت متكررة كتير في عصرهم. المماليك أصلا مبيأمنوش بوراثة العرش؛ طبيعتهم العسكرية وشعورهم إنهم كلهم مماليك زي بعض، خلت أي أمير كبير فيهم يشوف نفسه أحق بالكرسي من غيره. القاعدة عندهم كانت "الحكم لمن غلب" اللي يقدر يوقع التاني ويفرض سيطرته هو اللي هياخد العرش، شريعة غاب البقاء للأقوى.
وعشان كدة، لما مات "أيبك"، "قطز" مكنش عاوز يتهور ويدخل في صدام مباشر مع المنافسين وهو لسه معندوش الشرعية الكاملة. فمسك العصاية من النص؛ ساب للسلطان الصغير اللقب واللبس والدعاء على المنابر، وأخد هو في إيده كل مفاتيح السلطة الفعلية.
لكن السلطة مابتخلاش من المؤامرات والفتن. فجأة، بدأت الإشاعات تملا سماء القاهرة إن السلطان الصبي "المنصور علي" عاوز يخلع "قطز"؛ مملوك أبوه والراجل اللي شاله وحطه على الكرسي. طبعا دي حركة مش هتعدي بالساهل. الأمراء الكبار اتجمعوا في بيت واحد منهم، وقعدوا يتكلموا لحد ما قدروا "يصلحوا" النفوس بين الولد وبين نائبه "قطز".
الصلح في قاموس "قطز" معناه تثبيت أقدام؛ السلطان الصبي خلع على "قطز" خلع ملكية وطيب خاطره، وبدل ما "قطز" يتشال، المكانة بتاعته توطدت أكتر، وبقى هو الآمر والناهي بجد، والكل فهم إن النائب هو السلطان الحقيقي، وإن السلطان مجرد صورة بيحكم "قطز" من وراها.
في الوقت اللي كانت فيه القاهرة بتغلي من فتن المماليك اللي مش عاوزة تهدا، كان "سيف الدين قطز" عينه في وسط راسه، مبيفوتش هفوة. "المغيث عمر" الأيوبي، صاحب الكرك، حاول يغزو مصر مرتين في سنة 655 هـ / 1257م، والمرة دي مكنش لوحده، كان معاه المماليك البحرية اللي هربوا من "أيبك" زمان - لمزيد من التفاصيل اقرا كتابي أسد المماليك - لكن "قطز" بشجاعته المعهودة خرج بالجيش وهزمهم، وقدر يقضي على الحلم الأيوبي في استرداد مصر تماما.
"قطز" مكتفاش بالنصر في الميدان؛ لأنه مبيأمنش لغدر الداخل. بعد ما رجع من كسر "المغيث عمر"، بدأ ينضف البلد داخليا. قبض على كل المماليك اللي كانوا بيميلوا لـ"المغيث عمر"، وعرفهم من خلال بصاصينه اللي محزم يهم البلد، أمثال الامير "عز الدين ايبك الرومي الصالحي" - طبعا ده تشابه أسماء مش أكتر - والامير "سيف بلبان الكافوري الصالحي الأشرفي"، والامير "بدر الدين بكتوت الأشرفي"، والامير "بدر الدين بلغان الأشرفي" وغيرهم، وفي حركة حازمة أمر بقطع رقابيهم كلهم في يوم واحد، واستولى على أموالهم عشان يقوي خزنة الدولة. الحركة دي خلت قامة "قطز" السياسية تطول وتوصل للسحاب، وبقى الكل يخاف منه ويخشاه. ساعتها بس، طبقا لشريع الغاب المملوكي، كل مماليك الداخل سلمت ليه وأمنت أنه هو الأقوى، والأحق بالعرش. وأنا هنا بشد خط تحت كلمة مماليك الداخل، عشان المماليك البحرية اللي في الشام وعلى رسهم "بيبرس البندقداري" مكنوش من مماليك الداخل.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في التناقض اللي بيقطع القلب؛ الدولة بقت عاملة زي سفينة في وسط إعصار، وقبطانها الرسمي "المنصور علي" مجرد صبي مش فاهم حاجة. تخيل الدولة بتنهار، وأخبار وحشية التتار بتقرب وصوت طبول حربهم بيتردد على الحدود، والسلطان الصبي قاعد في القلعة يقضي وقته في ركوب الحمير والتنزه، وبيلعب بالحمام مع الخدم في الجناين!
مصر كانت بتواجه خطر بيمحي حضارات، وحاكمها بيفكر في الحمامة اللي طارت، وهو ده اللي خلى القلق يفترس نفوس الناس في شوارع القاهرة. الكل كان بيسأل إزاي عيل صغير هيوقف وحوش التتار؟، ولما كان الحمام طاير في سماء القلعة بسلام زائف، كانت غربان التتار تحجب ضوء الشمس عن بغداد، إيذاناً بخراب مشافتوش الأرض قبل كدة. وده كان السبب في الخطوة اللي كان "قطز" بيرتب لها، الخطوة اللي هتغير تاريخ المنطقة كلها.
(يتبع)مروة طلعت
7/ 2 / 2026
#عايمة_في_بحر_الكتب
#الحكاواتية
#بتاعة_حواديت_تاريخ
#الصَّدُّ_الأَخِيرُ
#سيف_الدين_قطز
#عين_جالوت
المصادر:
1- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج6 و ج7 - ابن تغري بردي.
2- قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام - أبو الفدا.
3- السلوك لمعرفة دول الملوك - المقريزي ج1.
4- بدائع الزهور في وقائع الدهور - ابن ياس.
5- مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ج2 - ابن واصل.
6- مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ممالك مصر والشام - ابن واصل.
7- سير أعلام النبلاء الطبقة 34 - الامام الذهبي.
8- حسن المحاضرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة - القلقشندي.
9- الدرة الزكية في أخبار الدولة التركية - ابن أيبك الداواداري.
10- مرآة الزمان في تاريخ الأعيان جزء 8 - سبط ابن الجوزي.
11- السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل معركة عين جالوت - د/ قاسم عبده قاسم.
12- السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت - علي محمد الصلابي.
13- الأيوبيون والمماليك - د/ قاسم عبده قاسم.
14- مصر في عهد بناة القاهرة - إبراهيم شعوط.
15- عصر سلاطين المماليك - أ.د/ عطية القوصي.
16- المغول وعالم الإسلام - أ.د/ صبري عبد اللطيف سليم.
17- الجواري والغلمان في مصر - نجوى كمال.
18- شجر الدر قاهرة الملوك - نور الدين خليل.
19- شجر الدر - د/ يحيى الشامي.
20- المماليك - د/ السيد الباز العريني.
21- المغول - د/ السيد الباز العريني.
22- دراسات عن المماليك في مصر - ديفيد آيالون - ترجمة علي السيد علي.
23- المغول والعالم الإسلامي من الغزو الي اعتناق الإسلام - بيتر جاكسون- ترجمة منى زهير الشايب.
الحلقة الأولى
https://www.facebook.com/share/p/1JBArrBkeQ/
الحلقة الثانية
https://www.facebook.com/share/p/1K5LgdgDeT/
الحلقة الثالثة
https://www.facebook.com/share/p/17RLfrVUPe/
الحلقة الرابعة
https://www.facebook.com/share/p/14NhEcbjNX4/
الحلقة الخامسة
https://www.facebook.com/share/p/17cfVTo4hB/
الحلقة السادسة
https://www.facebook.com/share/p/1YzExTrJaL/
الحلقة السابعة
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=859551993083872&id=100070872365801&mibextid=Nif5oz
الحلقة التامنة
https://www.facebook.com/share/p/1Cwuj2woVQ/
الحلقة التاسعة
https://www.facebook.com/share/p/17cs8aERyz/
الحلقة العاشرة
https://www.facebook.com/share/p/1H3WKXtxQb/
الحلقة الحادية عشر
https://www.facebook.com/share/p/1GdgjCgXjV/
الحلقة الثانية عشر
https://www.facebook.com/share/p/1Z7Cj9Xcx3/
الحلقة الثالثة عشر
https://www.facebook.com/share/p/1E6FgNHsdv/
الحلقة الرابعة عشر
https://www.facebook.com/share/p/18FiSSP5Gc/
الحلقة الخامسة عشر
https://www.facebook.com/share/p/1HA1x7h7hK/
الحلقة السادسة عشر
https://www.facebook.com/share/p/1Ke2w7bzR2/
تعليقات
إرسال تعليق