الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 16
بعد ما غبار المعركة هدي، والقلعة قفلت أبوابها على جثة "أيبك"، كان لازم المماليك المعزية يثبتوا رجليهم بسرعة قبل ما المركب تغرق. والحل كان في "المنصور علي"، ابن أيبك، اللي اتنصب سلطان جديد عشان يسد الفراغ ويطفي نار الفتنة اللي كانت هتاكل القاهرة. الجيش اللي كان منقسم، والناس اللي كانت مرعوبة في الشوارع، الكل رضي بالأمر الواقع عشان يتجنبوا شبح الحرب الأهلية.
لكن في ركن بعيد من القصر، كانت فيه حرب من نوع تاني خالص بتتحضر. "شجر الدر" السلطانة الأسيرة، اتقادت لحد بلاط السلطان الصغير، وهناك لقت غريمتها وضرتها "أم علي" مستنياها. "أم علي" فضلت سبع سنين كاملة، شايلة في قلبها نار مبتبردش، سبع سنين من القهر والوحدة بعد ما "أيبك" سابها وهجر ابنها عشان خاطر "الست السلطانة". والنهاردة، الدنيا دارت، وبقت هي "أم السلطان" وصاحبة الكلمة العليا في الموقف.
فجأة، باب البرج الأحمر في قلعة الجبل اتفتح بضربة رِجل عنيفة هزت المكان، وخرجت "شجر الدر" منه وهي بتتدفع لبره بمهانة. مكنش عليها غير قميص بيت حرير أبيض، مبهدل ومقطع مبيسترش أكتر ما بيكشف، وسروال، وشعرها اللي ياما شال تيجان الألماظ بقى منكوش ومنطفي ومتقطع ومليان تراب.
وقفت قدامها جارية ضخمة، قفشتها من رقبتها، وبالإيد تانية لفت شعرها على صوابعها وبدأت تجرها وراها. ونزلت بيها سلالم القلعة الحجرية الناشفة. "شجر الدر" مكنتش قادرة حتى تصرخ، كانت بتتجر باستسلام، عينيها مبرقة من صدمة الذهول، وجسمها بيتخبط في كل درجة سلم بوجع وانكسار يقطع القلب. مكنتش مجرد ست بتتساق لموتها، دي كانت "سلطانة مصر" اللي الدنيا كلها كانت بتدعي لها في الجوامع، بتتجر من شعرها زي ذبيحة متهانة، وفي قمة ذلها.
خرجت من أبواب القلعة العالية، وهيبتها متداسة تحت الرجلين. هدومها الحرير اللي كانت رمز للسلطنة بقت مجرد قماش مقطع، لا هو ساتر جسمها ولا هو حاميها من عيون الناس. كانت بتجرها الجارية العملاقة، إيدها زي المرزبة، بتشدها بقسوة في شوارع القاهرة اللي بالأمس كانت بتهتف باسمها. ووراها زفة ستات مأجورين لسانهم لوحده كرابيج، نازلين فيها شتيمة وألفاظ خارجة سوقية، وإيديهم نازلة ضرب ولطم على وش "عصمة الدين"، والمصريين واقفين على جانبي الطريق بيتفرجوا وبيقلبوا ايديهم في بعض من حال الدنيا.
وعلى عتبة بيت "أيبك" في مناظر اللوق، خلصت الرحلة المهانة دي. "شجر الدر" اترمت في نص القاعة زي حتة خردة، جسمها بيترعش من الرعب والألم والمهانة، وعيونها تايهة بين الرخام البارد ووشوش مفيش في قلوبها رحمة. وفي صدر المكان، كانت قاعدة "أم علي"، الزوجة اللي اترمت سنيم بناء على أمر "شجر الدر" زمان، والنهاردة راجعة في إيدها كشف الحساب.
"سيبوها لي.." الكلمة طلعت من "أم علي" ببرود يقطع النفس. قامت "أم علي" ووقفت قصاد "شجر الدر" وقالتلها: قهرتيني، وخليتي جوزي طلقني وهجر ابنه، ولما رجعلي قتلتيه. وقامت ضرباها على وشها بحركة مفاجئة، وقعتها على الارض وراسها خبط في الرخام.
وبإشارة واحدة من إيدها، الجواري اتحركوا زي شياطين الإنس. مطلعوش خناجر ولا جابوا حبال مشانق، لكن كل واحدة وطت وقلعت القبقاب الخشب التقيل من رجلها. نزلت أول ضربة قبقاب غشيم كسر مناخير السلطانة. الدم انفجر غطى الرخام الأبيض ووشها الأبيض الجميل، اللي كان بيعشقه الملك الصالح "نجم الدين أيوب". صرخت صرخة مكتومة، لكن "أم علي" قامت من مكانها، وعيونها فيها غل سنين، وزعقت في الجواري: "لا مش عاوزه ضرب في الراس ولا الضلوع، أنا عاوزه ألمها يطول، عاوزه الوجع ياخد وقته، عاوزه أشفي غليلي فيها لحد آخر نفس".
واتحول المشهد لحفلة تعذيب بشعة. ضرب متواصل بالقباقيب على كتافها ورجليها وضهرها، وجع مخليها تتمنى لحظة الموت تيجي وترحمها. "شجر الدر" كانت بتزحف بوجع وصرختها بتتحشرج في زورها. عيونها اللي حكمت الشرق انطفت ورا ستارة من الدم والموت. رجعت "أم علي" لمكانها بكل برود، تعدل طرحتها وتتفرج على آخر تشنجات الجسم اللي انهار، وصوت "القباقيب" لسه شغال في القاعة، بيعلن نهاية أسطورة بدأت بتاج مرصع بالألماظ.. وانتهت تحت رجلين الجواري.
لحظة الانتقام اللي "أم علي" رسمتها في خيالها آلاف المرات أتحققت، كانت عاوزه إذلال من جنس العمل، سقتها مرارة قهرتها وذلها في السبع سنين في ساعتين زمن، ودوقتها نفس ألم "أيبك" وهي بتقتله. المقريزي بيوصف المشهد المرعب ده وبيقول:"فضربها الجواري بالقباقيب الى ان ماتت، وألقوها من سور القلعة الى الخندق، وليس عليها سوى سروال وقميص، فبقيت في الخندق اياما واخذ بعض اراذل العامة تكة سراويلها ثم دفنت بعد أيام بتربيتها، وقد نتنت وحملت في قفة". وقال عنها الامام الذهبي: "ودفنت بتربتها بقرب قبر السيدة نفيسة. وقيل: انها اودعت اموالا كثيرة فذهبت، وكانت حسنة السيرة هناك، لكن هلكت بالغيرة". نهاية صادمة ل"ست" وصفها "ابن العماد" وقال: "كانت بارعة الحسن، ذات ذكاء وعقل ودهاء، نالت من السعادة أعلى المراتب، بحيث انها خطب لها على المنابر، وملكوها عليهم اياما، فلم يتم ذلك، وتملك المعز ايبك فتزوج بها وكانت ربما تحكم عليه، وكانت تركية ذات شهامة واقدام وجرأة وآل امرها الى ان قتلت".
والغريب في الحكاية، إن "أم علي" كانت نادرة نَدر يوم ما تخلص من "شجر الدر"، هتأكل مصر كلها حلويات. ولما الجريمة تمت، والنشوة سكرتها، استعجلت الطباخين عشان يوفوا النَدر في نفس اليوم. ولما لقوا الوقت مش هيسعفهم يعملوا حلويات بكميات كبيرة في الوقت القليل ده، "أم علي" اخترعت لهم وصفة سريعة؛ جابوا عيش سخن، وغرقوه في اللبن والعسل، ورشوا عليه لوز وزبيب وصنوبر. بقى العبيد والجواري يلفوا بالطواجن دي، يخبطوا ع البيوت، ويقدموها للمارة في الشوارع، ومفيش على لسانهم غير "نَدر أم علي". الناس كلت وحلت، ومن يومها والطبق ده بقى هو الطبق الرسمي في بيوتنا، وشلنا اسم صاحبة النَدر الدموي وحطناه على صنف الحلو، وبقت طاجن "أم علي" هي الأكلة اللي اتولدت من رحم أغرب وأقسى قصة غيرة وانتقام في تاريخ المحروسة.
بعد ما "شجر الدر" بقت مجرد ذكرى، صمم المماليك المعزية وعلى رأسهم "سيف الدين قطز" إن العرش اللي فضي بموت "أيبك" لازم يفضل في إيديهم. والحل كان في "نور الدين علي"، ولد صغير عنده ١٥ سنة، نصبوه ملك ولقبوه بـ "المنصور علي". طبعا الاختيار مكنش حب في سواد عيون الولد، لكنه كان واجهة شرعية، بحُكم انه ابن الملك "المعز أيبك"، تضمن استمرار نفوذ المماليك المعزية تحت ستار الشرعية.
لكن السكة مكنتش سالكة، المماليك الصالحية والبحرية رفضوا يعترفوا بـ "السلطان الصبي"، ومصر دخلت في موجة من الاضطرابات والتمردات والفتن اللي كانت تحرق الأخضر واليابس. الدنيا وصلت لدرجة إن فيه فئات من المماليك استنجدت بملوك الأيوبيين في الشام، وحاول "المغيث عمر" صاحب الكرك إنه يغزو مصر مرتين عشان يسترد ملك أجداده - لمزيد من التفاصيل تقدر تقرا كتابي أسد المماليك - بس الفشل كان نصيبه في المرتين قدام حائط الصَّد المملوكي "سيف الدين قطز".
"قطز" هنا أثبت إنه رجل اللحظة بامتياز، مكنش بيسيب حاجة للظروف. لما لقى الأتابك "سنجر الحلبي" بدأت عينه تزوغ على الكرسي وبيتحين الفرصة عشان يستولي على العرش، "قطز" مدلوش فرصة؛ قبض عليه وحبسه في الجُب بقلعة الجبل عشان يخلص من طموحه للأبد.
الضربة دي خلت المماليك البحرية اللي فاضلين في مصر، يلحقوا باقي زمايلهم، ويهربوا ناحية الشام وهم مرعوبين، و"قطز" فضل وراهم لحد ما جاب عدد منهم وحبسهم، عشان ينضف الساحة تماما من أي منافس. ومن هنا، خلا الجو لـ "قطز" وبقى هو المحرك الحقيقي للعرش، نائب السلطنة ومدبر الدولة الفعلي، و"المنصور علي" مكنش أكتر من خيال مآتة في إيد "قطز".
.png)
تعليقات
إرسال تعليق