الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 15
(15) دم لا يُرى
"سيف الدين قطز" مش شخصية سهلة، لا ينفع يتحط في خانة "البطل الطيب" ولا "الشرير القاتل". هو مجرد أنسان عاش أول عمره في بلاط السلطان الخوارزمي، كولي عهد محتمل، أتفطم على أساليب السياسة والمؤامرات، ومن بعدها مملوك في طباق جزيرة الروضة اتعلم واتدرب تدريبات المماليك القاسية اتبرمج زيهم على الشدة والتفكير العكسري الصارم، وكمان على الطاعة المطلقة للاستاذية، وهي هنا بالنسبة له متمثلة في "أيبك"، زي ما سبق وشرحنا بالتفصيل. وده بالظبط اللي بيخليه مهم ومؤثر في اللحظة دي من تاريخ المماليك، خصوصًا لما نيجي نفهم مشهد قتل "أقطاي" وما ترتب عليه. "قطز" كان رجل اللحظة، مش رجل استعراض. بعكس "أقطاي" اللي كان بيحب المشهد، الحرس، الموكب، والهيبة الظاهرة. "قطز" كان بيخطط بشكل هادي، صامت، ومبيظهرش إلا وقت اللزوم، ومش اندفاعي زي "بيبرس" في بداية حياته.
كلامي ممكن يكون صادم، لكن احنا متعودين نشوف مع بعض التاريخ بنظرة حياد، نفهم العصر وفكر الزمن عشان نعرف نحط كل شخصية في مكانها الصحيح. تعيين "قطز" نائب للسلطنة مكنش صدفة، ولا مجرد اختيار إداري. "أيبك" اختاره لأنه فهم إن الراجل ده ماكر ورزين، بيعرف يتحكم في تصرفاته، وبيعرف يضرب من غير ما يسيب أثر نفسي أو سياسي فادح. "قطز" مكنش بيدور على شعبية، ولا بيستعرض قوة، لكنه كان بيفكر دايما بعقلية البقاء والاستمرار.
ولو وقفنا قدّام مشهد قتل "أقطاي"، هنلاقي إن "قطز" متصرفش كدة بدافع كراهية شخصية، ولا بطموح معلن للسلطة. هو تصرّف بعقلية رجل دولة في زمن دموي مفيش فيه مساحة للحياد (ياقاتل يا مقتول). هنا "قطز" بيمثل العقل البارد في مواجهة الطموح المنفلت. "أقطاي" كان شايف نفسه الملك القادم، وبدأ فعليا يتصرف على الأساس ده، هدوم ملكية، حاشية، زواج سياسي، وتدخل مباشر في كل قرار، وده كان خطر على وجود "أيبك" كسلطان.
واللافت للنظر أن الرأس اتحدفت من فوق السور، والمشهد كله اتنسب لهيبة السلطان، لكن اللي نفّذ، واللي غامر، واللي حط نفسه في مرمى انتقام المماليك البحرية كان "قطز" - وده كان واحد من الأسباب اللي دفع تمنها حياته فيما بعد - وده بيكشف جانب جوهري في شخصيته، رجل مستعد يشيل أقسى القرارات بإيده علشان المركب متغرقش.
وده كشف مبكر عن عقلية حاكم قادم، فاهم إن الحكم مش أخلاق مجردة، وإن في لحظات معينة، الدم فيها بيبقى ثمن النظام. واللي استوعب اللحظة دي في مشهد "أقطاي"، هيكون أقدر يفهم اللي جاي بعدها.
فيه جانب أخر في شخصية "قطز" وهو الطموح والتطلع المستتر، لو راجعت كلامنا عن "قطز" في الاجزاء اللي فاتت، وشفت ازاي كان بيتعمد يحط حواليه حكايات وقصص ونبوءات مشكوك في صحتها، هتفهم ان من البداية خالص و"قطز" عينه على العرش، احساس داخلي عنده وهو ابن السلاطين أن هو الأولى بيه. "قطز" من أول يوم له مع "أيبك" وهو المحرك الخفي الناعم للأحداث. "قطز" كان نائب السلطان ومستشاره، واغتيال "أقطاي" كان بالاتفاق بينه وبين "أيبك" ومش بعيد تكون فكرة "قطز" من الأصل. قولتلي ليه؟ هقولك ليه.
مشهد قتل "أقطاي" فضح هشاشة الحكم نفسه، سقوط "أقطاي" مكنش نهاية أزمة، بل بداية فراغ جديد، وده كان "قطز" بعقليته الماكرة فاهمه كويس. القوة اللي كانت متمركزة في يد قائد واحد اتكسرت، لكن التوازن اللي كان ماسك الدولة ما اتبناش لسه. و"أيبك" اللي خرج من المواجهة دي ظاهريا منتصر، اكتشف إن الخطر الأكبر مش دايما بييجي من السيف المرفوع في ساحة القتال، أحيانا بيطلع من أقرب الناس ليك، من داخل القصر.
من اللحظة دي، بدأ ميزان السلطة يتحرك ناحية مختلفة. "شجر الدر" الأريبة اللي فضلت لسنين تمسك خيوط اللعبة من وراء الستار، مشافتش في قتل "أقطاي" استقرار، شافت تهديد مباشر. نفوذها القديم، وتحالفاتها الصامتة، وموقعها جوه الحكم، كله بقى مهدد قدام سلطان بيحاول ينفرد بالقرار. وهنا، تحوّل الصراع من مواجهة فرسان وسيوف، إلى معركة أدهى، معركة زوج وزوجة، سلطة وسلطة، عقل سياسي في مواجهة عقل لا يقل دهاء، والمعركة دي نهايتها مكنتش أقل دموية من اللي فات.
السلطان المعز "عز الدين أيبك" ابتدى يحس إن الأرض بتهتز من تحته. الإشارات كانت بتوصله عن مراسلات خفية واتفاقات بتتعمل بين زوجته "شجر الدر" وبين بقايا المماليك البحرية اللي هربوا للكرك، بتحاول تمهدلهم الجو عشان يرجعوا أقوى في وش "أيبك". فقرر ياخد خطوة تقطع الطريق على أي نفوذ ليها، قعد يفكر أعمل ايه.. أعمل ايه.. بااااس مفيش غير حل واحد اتجوز عليها (يازين ما فكرت).
في سنة 1256م - بعد سنتين من قتل "أقطاي" وهروب المماليك البحرية من مصر - "أيبك" بعت لِـ"بدر الدين لؤلؤ الأتابكي"، صاحب الموصل، يطلب حلف مصاهرة. المصادر بتقول إن الخطبة كانت لابنة "بدر الدين"، لكن الواضح إن الموضوع مكنش جواز وبس، الحلف ده كان له بُعد سياسي أكتر من المصاهرة، ويمكن "أيبك" كان عايز يفتح قناة يعرف منها تحركات المغول عن طريق الموصل. أيًّا كان قصده، الخطوة دي كانت الشرارة اللي ولعت النار، وبداية العد التنازلي لنهاية حكمه.
بعض المماليك البحرية اللي لسه موجودين في مصر وقفوا ضد مشروع الجواز، مش خوف من سلطة "أيبك" على قد ما كان ولاء لـ"شجر الدر" رفيقة أستاذهم الملك الصالح. "أيبك" رده كان سريع، مستناش تقوم حركات فتنة ولا تمرد، وقبض على عدد كبير منهم، منهم الأمير "إيدكين الصالحي"، وساقهم إلى قلعة الجبل علشان يتحبسوا في الجُب (سجون المماليك عادة كانت بتبقى جُب تحت الأرض زي سجن حسن الهلالي في فيلم أمير الانتقام).
ومن محاسن الصدف، ولسوء حظ "أيبك"، وهم في طريقهم للسجن، مرّوا تحت شباك القصر السلطاني وبالتحديد شباك غرفة "شجر الدر". هنا قاوم "إيدكين" الحرس وصرخ بأعلى صوته وهو باصص للشباك وقال: "والله ياخوند ما عملنا ذنبا اوجب مسكنا ولكنه لما سير يخطب بنت صاحب الموصل، ما هان علينا لأجلك، فأنا تربية نعمتك ونعمة الشهيد المرحوم الصالح أيوب، فلما عتبناه تغير علينا وفعل بنا ما ترين".
"إيدكين" حدف كرسي في الكلوب، وضلم لـ"أيبك" ليلته، فضل "إيديكين" واقف بيقاوم الحرس مستني أي حاجة تحصل تطمنه أن "شجر الدر" سمعته، وفعلا اتحدف من شباكها منديلها المطرز علامة على أن تمام سمعت ورسالتك وصلت. ولما نزلوا بيهم الجُب، قال "إيدكين" لزملاؤه بتشفي: "إن كان قد حبسنا… فقد قتلناه".
الكلام ده كان اعتراف ضمني إن المعركة الحقيقية لسه جاية، وإن شجر الدر نفسها كانت داخلة على خط المؤامرة .طبعا عشان نبقي في الصورة "شجر الدر" ماديقتش عشان كرامتها بقي والغيرة وكلام الستات ده، هي عارفة ومتأكدة ان لو "أيبك" عمل حلف من حاكم الموصل ورفع راسه كده قصاد الأيوبين وشوكته قويت أول حاجة هيعملها انه هيقتلها ويخلص منها، فهي قالت اتغدى بيه قبل ما يتعشي بيا.
في السر، بعتت رسول من المماليك للملك "الناصر يوسف" في الشام، ومعاه هدية ورسالة بتقول فيها إنها ناوية تقتل "أيبك"، وتتجوزه، وتسلمه عرش مصر. لكن "الناصر" خاف يكون الموضوع فخ، ومردش عليها. الأخبار دي وصلت لـ"بدر الدين لؤلؤ" صاحب الموصل والنسيب الجديد النتظر لـ"أيبك"، فبادر وبعتها لـ"أيبك" ونصحه ياخد باله.
"أيبك" اتفزع، حس إن روحه بقت على كف عفريت. ساب القلعة، ونزل يقيم في مناظر اللوتي - كانت منطقة قصور واستراحات سلطانية خارج قلب القاهرة المزدحم، على ضفة النيل الجنوبية قريبة من حلوان، أخر الدنيا حرفيا - وقرر إنه يسبق "شجر الدر" ويقضي عليها قبل ما تقضي عليه. وبكده اتحولت العلاقة بينهم لسباق دم مين هيقتل التاني الأول..
لكن "شجر الدر" كانت أذكى في ملعبها. في العاشر من ابريل سنة 1257م / 655 هـ، بعتت "شجر الدر" رسالة ل "أيبك" مع أحد القضاه للتوسط بينهم والصلح، وبعتت معاه رسالة ناعمة، مليانة رقة واعتذار، ودعته يرجع القلعة ويقابلها. أيبك صدّق، أو يمكن حب يصدق. ورجع القصر السلطاني في القلعة، وهو ميعرفش إن النهاية مستنياه جوه الحمام.
"شجر الدر" كانت مجهزة خمسة من الغلمان الخصيان الأقوياء، منهم "محسن الجوجري" و"نصر العزيزي". أول ما دخل الحمام، يغتسل من تراب الطريق، انقضّوا عليه،وكانت أوامر "شجر الدر" يخلصوا عليه من غير نقطة دم عشان متشككش مماليك "أيبك" في موته، وكانت طريقه موته في غاية البشاعة وهي الموت بسحق الخصية.
بعد ما "أيبك" مات في الحمام، "شجر الدر" حاولت تلم الموقف. أمرت يجهّزوا جثمان السلطان "عز الدين أيبك" ويلبسوه هدومه الرسمية، ويتحط على سريره في القصر، وطلعت تحكي أن السلطان وقع من فوق حصانه وهو ماشي، والإصابات اللي جات له كانت سبب وفاته.
الخبر انتشر في القاهرة بسرعة، والناس اتناقلت الكلام همس، وأمراء المماليك بدأوا يتوافدوا على القلعة واحد ورا التاني، أول واحد وصل منهم كان نائبه طبعا "سيف الدين قطز". وكل ما حد يسأل، شجر الدر كانت تكرر نفس الحكاية من غير تراجع. بس الرواية ما دخلتش دماغ "قطز". "أيبك" فارس خاض معارك كتير، ووقع من فوق حصانه قبل كده كتير ومحصلهوش اللي حصل المرة دي. الريبة كانت واضحة في العيون، وكترت الأسئلة، الدائرة بدأت تضيق حواليها.
لما اتحاصرت بالمواجهة، وما بقاش في مهرب، اعترفت. قالت إنها كانت بتنتقم، والغضب سبق العقل، واللي حصل خرج عن السيطرة. اعترافها ما خلّصش الأزمة، بالعكس ده فتح باب أخطر.
أمراء المماليك وقفوا قدّام سؤال صعب. هما نفسهم اللي صنعوا "شجر الدر"، وقفوا جنبها، خلّوها سلطانة في وقت كان العالم كله شايف إن ده مستحيل، وحموها في عز الأزمات، وباركوا جوازها من "أيبك"، وساعدوها تبقى زوجة سلطان. إزاي دلوقتي تقتل الراجل اللي هما حطّوه على العرش؟
المجلس انقسم، فريق شاف إن "شجر الدر" ليها عذرها، وافتكروا قسوة "أيبك"، شدّته، وتعسفه، وقالوا إن وجودها لسه مهم. هي مش أي ست دي أرملة "الصالح نجم الدين أيوب"، وأم ابنه "الخليل"، ورمز شرعية للحكم من البيت الأيوبي لا يستهان بيه، ليها فضل على الدولة وعلى المماليك نفسهم، واسمها لسه له وزنه عند الناس.
وفي المقابل، كان في فريق تاني وهم المماليك المعزية وعلى راسهم "سيف الدين قطز"، شايف إن اللي حصل جريمة مرعبة، ما ينفعش تعدّي. سلطان قُتل جوه قصره، وفي حمّامه، وعلى يد زوجته. السكوت على ده معناه إن الدولة كلها تبقى لعبة في إيد أي حد.
الخلاف سخن، وكان هيتحول لحرب جوه القلعة بين فرق المماليك، لولا إن الكفة مالت في الآخر ناحية أعداء "شجر الدر". القرار اتاخد بإدانتها، ولما الكلام وصل لـ "شجر الدر"، جريت على خزنتها خرجت كل مجوهراتها وكسرتهم كلهم حتت، عشان متلبسهمش ضرتها "أم علي" من بعدها (أنتي في ايه ولا في ايه يا ست الكل) بس الموقف ده ان دل على شئ فده يدل على قوة شخصيتها وصلابتها حتى قدام خبر اعدامها. اتمسكت "شجر الدر" واتحطّت في أحد أبراج القلعة، أسيرة بعد ما كانت سلطانة… نهاية قاسية لست لعبت دور كبير في زمنها، ودخلت صراع السلطة لآخره، وخرجت منه مهزومة.
(يتبع)
تعليقات
إرسال تعليق