الصَّدُّ الأَخِيرُ سيف الدين قطز 9

(9) عصر الأفذاذ

إحنا ليه أصلاً بنسمي الزمن ده "العصر المملوكي"؟ وهل الاسم ده كان مدح ولا ذم؟

الشيخ "محمد محمد حسن شُرّاب" – مؤرخ ولغوي وأديب فلسطيني – وقف قدّام الاسم ده وأستنكر مسماه، ومن خلال دراساته قال أن أسم "المماليك" المتسمي بيه العصر ده مش بريء ولا عابر، ده لقب له معنى ومقصد وتخطيط سياسي وراه.

الحكاية بدأت بأن الأوروبيين كانوا مغلولين جامد من الفرسان اللي صدّوهم عن القدس مرة أيام السلطان "الملك الصالح نجم الدين أيوب"، وعن مصر مرة في حملتهم الصليبية السابعة وكسروا أحلامهم. وفضل طعم الانكسار والغل ده متوارث، فمؤرخينهم لما جُم يكتبوا عن الدولة دي، سموها "دولة المماليك"، مش من باب الوصف الإداري، زي الطولونية أو الفاطمية مثلا، لا… ده كان لقب ذمّ، شتيمة وتقليل منهم يعني. كأنهم بيقولوا دول شوية عبيد، ما يستحقّوش يبقوا حكّام، ولا يتكتب تاريخهم بين عظماء الأمم.

الغرب وقتها مكنش بيطيق يسمع اسم "صلاح الدين الأيوبي"، فما بالك "ببيبرس" و"كتبغا" و"بيبرس الجاشنكير" و"قلاوون" وولاده، اللي قضوا على دابر الصليبيين سنة 690 هـ / 1291م خالص من الشرق، بعد ما "صلاح الدين" فتح القدس بـ 100 سنة كاملة. وهم نفسهم اللي صدوا أكبر عاصفة مغولية شافتها أراضي المسلمين على ايد "قطز". فرسان المسلمين اللي العالم كله وقتها كان بيترعب من اسمهم.

طب هل كانوا فعلا شوية عبيد زي ما الغرب قال؟ ولا كانوا شوية غلمان ملهمش نسب ولا أصل زي ما بعض المؤرخين المتأخرين حبّوا يروّجوا؟ الحقيقة دول ناس ربنا كرمهم بحكم ومسؤولية ضخمة، فامتلأت قلوبهم بإحساس إن ربنا ادّاهم نعمة لازم يصونوها. مكنش ليهم نسب يفتخروا بيه، ما قالوش زي غيرهم من السلاطين، احنا ولاد ملوك، ولا احنا من سلالة كذا. لكن اللي افتخروا بيه كان أعمالهم، حروبهم وانتصاراتهم، وكمان منشآتهم العمرانية اللي لحد النهارده واقفة تشهد لهم بالفن والمجد، في القدس ومصر والشام. في القدس لوحدها – زي ما قال "شُرّاب" – فيه ٥٣ مدرسة بنيت للعلم، غير الجوامع، والربط، والأوقاف، والمستشفيات، والإصلاحات اللي لحد النهارده باقية. يعني مكنوش بيبنوا مجد شخصي، دول كانوا بيبنوا أمة.

وعلشان كده، لو في لقب يليق بيهم، ميكونش أبدا أسم "المماليك" اللي الغرب سماهم بيه.
اللقب اللي يناسبهم هو اللي يطلع من واقعهم، من بطولاتهم، من اللي قدّموه، هو اللقب اللي "الشيخ شُرّاب" سماه: 
"عصر الأَفْذاذ".

لكن للأسف رغم إننا عارفين كل ده، لسه بنقول "العصر المملوكي"؟!! وده له أسبابه، اللي مخليين المصطلح ده لسة عايش معانا لحد النهارده، رغم إن جذوره أصلاً فيها شُبهة ذمّ. أول سبب عشان المصطلح رسخ في الكتب من بدري أوي. أول ما المستشرقين الأوروبيين بدأوا يكتبوا عن تاريخ المنطقة، استخدموا كلمة "Mamluk" – مش كتعريف، لكن كذمّ. وبعدين جه مؤرخين مصريين وعرب في القرن 19 و20، وكانوا غالبًا بيترجموا نفس الكتب أو متأثرين بتقسيماتهم، فاتسحب المصطلح ودخل من غير ما حد ياخد باله من الخلفية العدائية اللي وراه. ومع الوقت لمصطلح اتكرر في الكتب والمناهج والجامعات كتيييير، لحد ما بقى "عنوان فترة"، ولما مصطلح يستقرّ أكاديميا صعب أوي يتشال.

السبب التاني لأنه أسهل تقسيم تاريخي، رغم إن الاسم نفسه فيه مشكلة، لكن الفترة مميّزة ومختلفة جدًا في نظمها، يعني نوع الحكم، طبقة المماليك الحاكمة، شكل الجيش، نظام شراء المماليك وتربيتهم، المؤسسات، العمارة وهكذا. فالمؤرخين لقوا إن استخدام الاسم – كدلالة على "نظام الحكم" مش على أصل الناس – بيبقى عملي ويسهّل فرز الفترة. يعني أكاديميا استخدموه "كتقسيم زمني" مش "وصف أخلاقي".

السبب التالت عشان مفيش حد قدّم بديل وعمّمه. الشيخ "شُرّاب" فعلا نَبَّه لنقطة مهمة جداً، واقترح اسم أجمل وأقرب للحقيقة "عصر الأفذاذ"، لكن علشان لقب جديد يعيش ويغيّر القديم محتاج تغيير مناهج مدارس وجامعات كل البلاد الاسلامية والعربية، تعديل كتب التاريخ، وده شبه مستحيل خلاص، فالناس اضطرّت تمشي مع الاسم الغلط اللي رسخ، بدل ما تخلق واحد صح يعيش.

 لما نفهم الصورة كويس، ونبصّ لها بنفس النظرة اللي شافها "شُرّاب"، هنفهم ليه كانوا "أفذاذ" بجد. لأنهم في ساحات القتال مكنوش مجرد جيش، بنشوف فيهم معدن مختلف، فرسان قلبها ثابت وعقلها حاضر وسيفها صايب. وهنا تبدأ الحكاية اللي فعليًا رفعتهم من صُفة اتقالت كذمّ،  لدرجة إنهم بقى عندهم سند تاريخي يوصلهم لعرش مصر، يوم ما وقفوا قصاد الملك "لويس التاسع" وجيشه الكامل من الصليبيين.

وفي حكاية شهيرة من وسط الحملة الصليبية، بتحكي أن جندي صليبي كان ماسك الصولجان الذهبي، جري للكونتابل وهو مرعوش، وقال له أن الترك محاصرين الملك لويس، والترك هنا هم المماليك، وده كان أسمهم قبل ما يلتصق بيهم لقب الذمّ. الكونتابل جري، ولما وصل وشاف المنظر اتجمد، أكتر من ألف مملوك عاملين حلقة حوالين لويس، والملك واقف عند طرف النهر، والمماليك نازلين ضرب في الفرنج بالسيوف لحد ما أرغموهم يرجعوا لورا. صوتهم كإنه الرعد، ولمعان سيوفهم عبارة عن برق بيشق الهوا، وكل واحد فيهم قلبه حديد، مش بيحارب بس، ده كان بيحيي روح الإسلام. وفجأة الفرنج جريوا هربانين، والمماليك لازقين في كتافهم زي الأسود، مش سايبين للصليبيين فرصة.

ومن ضمن الحكايات اللي زوّدت رعب الصليبيين، إن المماليك سحبوا كذا سفينة من السفن على اليابسة، وراحوا منزّلينها تاني في المية بعيد عن معسكر الفرنج - حاجة خارقة للطبيعة بالنسبة لهم - وبكده قدروا يستولوا على ٨٠ سفينة صليبية كاملة الطاقم، واتقتل بحّارتها كلهم - رعب ما بعده رعب - وكمان وقع في إيدهم ٢٣ مركب تانيين. ولما اتقطعت المؤن عن الصليبيين، وضعف جيشهم، مكنش قدامهم غير طلب الصلح، لكنهم طلبوه بعد ما فات الميعاد زي ما حكينا في الجزء التامن.

وبكدة علي نجم المماليك. بقّى واضح لكل الناس إن اللي شال المعركة على كتافه في فارسكور والمنصورة، واللي وقف قدّام الملك "لويس التاسع"، واللي رجّع الهيبة للمسلمين، هم المماليك، وانتصارهم ده مكنش مجرد معركة، ده كان الأسانسير اللي هيشيلهم بعد كده لحد عرش مصر.

ونفس السنة اللي انهزم فيها الصليبيون، سنة ٦٤٨ هـ / ١٢٥٠ م، هي نفسها السنة اللي وقعت فيها نهاية الملك "توران شاه"…وبكده اتقفلت صفحة الدولة الأيوبية، واتفتحت صفحة جديدة، صفحة دولة المماليك الأفذاذ، اللي هتحمي الإسلام بيد من حديد وقلب لا يعرف الخوف.

(يتبع)

مروة طلعت

12/ 12 / 2025 
#عايمة_في_بحر_الكتب
#الحكاواتية
#بتاعة_حواديت_تاريخ
#الصَّدُّ_الأَخِيرُ
#سيف_الدين_قطز
#عين_جالوت
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج6 و ج7 - ابن تغري بردي.
قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام - أبو الفدا.
السلوك لمعرفة دول الملوك - المقريزي ج1.
مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ج2 - ابن واصل.
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ممالك مصر والشام - ابن واصل.
سير أعلام النبلاء الطبقة 34 - الامام الذهبي.
حسن المحاضرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة - القلقشندي.
الدرة الزكية في أخبار الدولة التركية - ابن أيبك الداواداري.
السلطان المظفر سيف الدين قطز بطل معركة عين جالوت - د/ قاسم عبده قاسم.
السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت - علي محمد الصلابي.
الأيوبيون والمماليك - د/ قاسم عبده قاسم.
مصر في عهد بناة القاهرة - إبراهيم شعوط.
عصر سلاطين المماليك - أ.د/ عطية القوصي.
المغول وعالم الإسلام - أ.د/ صبري عبد اللطيف سليم.
الجواري والغلمان في مصر - نجوى كمال.
الحلقة الأولى
https://www.facebook.com/share/p/1JBArrBkeQ/
الحلقة الثانية
https://www.facebook.com/share/p/1K5LgdgDeT/
الحلقة الثالثة
https://www.facebook.com/share/p/17RLfrVUPe/
الحلقة الرابعة
https://www.facebook.com/share/p/14NhEcbjNX4/
الحلقة الخامسة 
https://www.facebook.com/share/p/17cfVTo4hB/
الحلقة السادسة
https://www.facebook.com/share/p/1YzExTrJaL/
الحلقة السابعة
https://www.facebook.com/share/p/17pP
7PMUG2/
الحلقة التامنة
https://www.facebook.com/share/p/1Cwuj2woVQ/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

لاشين، لوسيفر شيرين هنائي