في حضرة العيد

(1) فيه حاجة كلنا بنحس بيها أول ما بنسمع كلمة "عيد"... القلب بيفرح، كأن في نغمة قديمة ساكنة جوانا بتصحى. العيد بالنسبة للمصريين بالتحديد دايماً كان فرحة، لبس جديد، كحك وسكر بودرة، فُطرة ترمس وسوداني وملبس، لمة أهل، وضحكة من القلب. وعلشان إحنا في موسم الأعياد دلوقتي، لاقيت نفسي بسأل: هو يا ترى إحساس الفرح ده كان بيسكن جوه المصري القديم زينا؟ ولا إحنا بس اللي بنستناه ونعيش له؟

الحقيقة، أول ما فتحت باب الحكاية، لقيت عالم تاني. عالم ناس عاشوا من آلاف السنين، هم كانوا أصل العيد، بيستعدوا له ويحتفلوا بيه كأنهم إحنا، أو يمكن إحنا اللي طالعين لهم.

تعالوا نرجع بالزمن شوية، وندخل حكاية أعيادهم مش كتواريخ جامدة في كتاب، لكن كقصص من لحم ودم، فيها بهجة وطقوس، فيها ناس بترقص وتغني، وتدعي، وتحتفل على طريقتها.

اربطوا الأحزمة، هنروح نزور ناس كانوا بيعرفوا يفرحوا بجد، ونعرف ونتعلم منهم من جديد يعني إيه عيد. 

عند المصري القديم كلمة "العيد" بتصحى في الذاكرة صور الفرحة، الضحكة اللي طالعة من القلب، هدوم جديدة، عزومات حلوة، ولمة قرايب وأصحاب، وراحة من الشغل والدنيا.

المصري القديم كان عنده حب غير عادي للأعياد. طيب يا ترى كان بيشوفها إزاي؟ كان بيستعد لها من إمتى؟ وكان بيحتفل بيها قد إيه؟ وهل كانت الأعياد عندهم كتير؟ وإيه أنواعها؟ كل الأسئلة دي لو بصينا عليها هنلاقي إن العيد بالنسباله مكنش مجرد مناسبة، دي كانت طقوس حياة.

اللي بيقرا في تاريخ مصر القديم ماينفعش يفرق بين اللي فات وبين اللي عايشينه دلوقتي. إحنا على فكرة، أحفاد الناس دي، ولسه جوانا تراثهم وأفعالهم وتصرفاتهم في الحياة. لما بنروح المعابد بنقف قدام تماثيل أجدادنا مشدوهين من روعتها، وبنقرا في النقوش اللي سابوها لنا بشغف كأننا بنفتح صندوق أسرار. بردياتهم وشقافاتهم كانت المفاتيح اللي فتحت لنا باب الحياة اليومية بتاعتهم.

وهنا المفاجأة، المصري الحديث مش بعيد خالص عن جده القديم. في عادات كتير فضلت ماشية من جيل لجيل، وعبارات بنقولها كل يوم طلعت أصلاً من الجذور المصرية القديمة. حتى الكلمات اللي على لساننا، كتير منها طالع من نفس اللغة اللي اتكلم بيها جدنا وهو بيعبد في المعابد أو بيكتب على ورق البردي.

بس في الحكاية دي، إحنا مش جايين نحكي عن كل حاجة، اللي يهمنا بجد هو العيد عند المصري القديم. حبه للفرحة، لطعم البهجة، لطريقة كل عيد وخصوصيته. هو مكنش بيعدي أي مناسبة كده بالساهل، كان مُحب للحياة، صياد فرحة، كان بيتفنن في الاحتفال، يخلق أجواء، ويعيش اللحظة.

الأعياد في وادي النيل كانت مرتبطة بالدين، والمراسم الرسمية، والنقوش اللي على جدران المعابد حكت لنا كتير عن الصلوات والتراتيل اللي كانت بتتقال. وكل ده ورانا إن الاحتفال كان منظم، له ترتيبات وطقوس واضحة.

لكن الموضوع مكنش محصور في المعابد. فيه كمان عبادات شخصية، ناس بسيطة في بيوتها كانت بتحط لوحات صغيرة تقدمها للإله اللي بتحبه، أو تعمل مائدة قرابين على قدها. حتى اللفايف اللي اتكتبت، وقطع الفخار اللي الناس كتبت عليها، حكت لنا عن إيمانهم العميق. يعني باختصار، العيد عند المصري القديم مش مجرد يوم، ده كان حالة بيعيشها بكل تفاصيلها، وبيسجلها كأنها صفحة من عمره.

أغلب الأعياد عند أجدادنا كانت بتتكرر كل سنة، ماشية على جدول زمني مقسمينه على تلات فصول كباروهم : فصل الفيضان اللي اسمه "آخت"، وفصل الزرع والربيع "برت"، وفصل الحصاد "شمو". كل فصل فيهم كان مدته أربع شهور، وكل عيد وكل طقس له معاده.

بس مش كل الأعياد كانت عامة، في أعياد كانت محلية كده، تخص بلد أو إله معين، يعني لو الإله ده ليه معبد في منطقة، يبقى أهلها بس هم اللي يحتفلوا، زي الأعياد القومية للمحافظات عندنا دلوقتي، بس الفرق هم كانوا بيعملوله احتفالية بجد مش مجرد رمز. ولولا إن الكهنة سابوا لنا النقوش على جدران المعابد، يمكن مكناش عرفنا كل التفاصيل دي.

الكهنة وقت العيد كانوا بيخرجوا تماثيل الآلهة من جوا المقاصير – المقصورة دي زي قدس الأقداس كده، المكان اللي محدش يشوفه ولا يقرب منه غير كبير الكهنة في المعبد – ويحطوها على مراكب خاصة، مراكب بتتشال على الأكتاف، تتشال كأنها عروسة في ليلة فرح. ودي كانت فرصتهم يعملوا احتفال كبير، مهرجان فيه رقص وأغاني ومزيكا حوالين المعبد، احتفالية كبيرة حقيقية، زي اللي عملناها من كام سنة في موكب المومياوات كده، أو افتتاح طريق الكباش، حاجة مبهرة في منتهى العظمة. تخيل الابهار ده كان أسلوب حياة عندهم مش حاجة عارضة.

لكن التماثيل دي كانت دايماً محمية، متغطية، مش علشان الرهبة والتقديس بس، علشان الكهنة كانوا بيحبوا يكونوا هم بس اللي ليهم الحق يقربوا من الإله. وده بسبب أن الناس كانت بتستنى اللحظة دي علشان تطلب طلب، تشكي هم، أو تسأل الإله يستجيب لدعوة من القلب، بس الكهنة كانوا بيدايقوا من التصرفات دي، لأنهم كانوا شايفين نفسهم هم الوصلة، هم اللي يوصلوا الكلام، وهم كمان اللي يردوا الرد.

والحركة بقى، حركة المركب نفسها كانت رسالة، يعني الكهنة لو حركوا المركب يمين أو شمال زيادة عن اللزوم، الشعب كان يفسر ده كأنه رد من الإله على سؤال اتسأل أو علامة على حاجة جاية. وده فتح باب النبوءات الكتيرة اللي عادة كان الكهنة بيظبطوها علشان مصالح معينة. يعني على سبيل المثال كان فيه ملوك مكنتش تستحق تحكم، لكن عرفت توصل للعرش بفضل الحيل دي، يعني برده الفساد كان ورانا ورانا، بس طبعا ده مكنش في كل عصور مصر القديمة، غالباً بتكون في عصور الاضمحلال.

وكان فيه أعياد بيتشال فيها الآلهة على مراكب نيلية حقيقية، مخصوصة للرحلات الطويلة في النيل. يعني مثلاً الإله آمون، في عيد الوادي، كان بيعدي من البر الشرقي للبر الغربي، يزور مقصورته في مدينة هابو - الضفة الغربية لمدينة الأقصر - أو معابد الملوك اللي في الضفة الغربية. أو زي لما الإله حورس في إدفو - في أسوان - يزور حتحور في دندرة - في قنا - أو العكس، زي ما العشاق يتلاقوا بعد غيبة طويلة.

والعيد من غير أكل وشرب مينفعش طبعاً. نوع الأكل والشرب كان بيختلف حسب نوع العيد. يعني مثلا في عيد اسمه "عيد شرب الخمر"، كان الشرب فيه زيادة عن اللزوم – وده كان مقصود ما هو العيد معمول لكدة – بينما في عيد الإله جحوتي، كان الناس بتشرب عسل ولبن. وعشان مصر بلد زرع، كتير من أعيادها كانت متعلقة بالأرض، بالمواسم، بالخضرة، بالزرعة اللي بتبعث من الموت. حياة بتمشي على إيقاع الطبيعة. وفي أعياد زي عيد "رننوتت"، إلهة الخير والغلة، اللي عيدها بيبشر بفصل الصيف، أو "عيد مين" اللي كان بيمثل الخصوبة والبدايات الجديدة.

وده كان مجرد باب صغير فتحناه على عالم الأعياد عند المصري القديم، عالم كله بهجة وترتيب ومشاعر مش بعيدة عن اللي بنحسه دلوقتي. بس لو عايزين نفهم أكتر، ونعرف إحنا جبنا الكلام ده منين، واستندنا على إيه، لازم نغوص أكتر في المصادر اللي خلتنا نعرف حكايات أجدادنا. المرة الجاية هنبص جوه البرديات، ونقرب من النقوش، ونسأل: إزاي قدرنا نعرف كل ده؟ مين اللي فسره؟ وإيه الحاجات اللي لسه مستنيانا نفهمها؟ استنوني، علشان الرحلة لسه في أولها.

مروة طلعت 
15/5/2025
#في_حضرة_العيد
#عايمة_في_بحر_الكتب
#الحكاواتية
#بتاعة_حواديت_تاريخ
#مصر_القديمة
المصادر:
موسوعة مصر القديمة ج3،5،6،7،15 - سليم حسن.
الديانة المصرية القديمة - ياروسلاف تشرين - ترجمة د/ أحمد قدري.
آثار وحضارة مصر القديمة ج1 - عبد الحليم نور الدين.
أساطير معبد إدفو شرح وترجمة للمتون والطقوس - محسن لطفي السيد.
ديانة مصر القديمة نشأتها وتطورها ونهايتها في أربعة آلاف سنة - أدولف إرمان - ترجمة د/عبد المنعم أبو بكر و د/ محمد أنور شكري. 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور نجيب محفوظ باشا

الليث بن سعد 5

لاشين، لوسيفر شيرين هنائي