أحمد بن طولون 6

(6) في ليلة هادية من ليالي رمضان سنة 254 هـ / سبتمبر 868 م، وصل "أحمد بن طولون" لمصر، ومعاه تابعه الشاب الواسطي اللي كان خدم المستعين لما كان حراسة الخليفة في إيده. ومعاه كمان شوية جند، عشان لو حصلت ثورة أو حد من الموظفين قرر يدبرله دسائس، يكون جاهز يحمي نفسه. دخول "أحمد بن طولون" مصر كان بداية فصل جديد في التاريخ، مليان أحداث مشوقة وحكايات تستاهل تتحكي.

أول ما دخل "أحمد بن طولون" مصر، أفتكر يوم ما بعتتله "قبيحة" أم الخليفة "المعتز بالله"- راجع الجزء التالت - وطلبت منه يقتل "المستعين بالله" مقابل أنها هتديله ولاية واسط. أبتسم "أحمد بن طولون" وهو في قلب مصر، وبص للشاب الخادم اللي معاه وقاله: "غاية ما وُعِدت به في قتل المستعين واسط، فتركت ذلك لله، فعوضني ولاية مصر والشام".

أول ما وصل "أحمد بن طولون" مصر، لقى في استقباله "أحمد بن المدبر"، اللي كان عامل الخراج ومتولي منصبه من سنة 247 هجرية / 861 ميلادية، و"شقير" الخادم اللي كان مسؤول عن البريد. "شقير" ده كان من موالي "قبيحة" والدة الخليفة "المعتز بالله"، ومهمة عامل البريد وقتها إنه يكون عين الحكومة المركزية على الولاة والموظفين في الأقاليم.

الغريب إن "أحمد بن المدبر" كان عايش في مصر كأنه ملك، بيخرج ويرجع في أي مكان محاوط نفسه ب 100 حارس، كلهم بجسمهم القوي وشكلهم الجميل ولبسهم اللي زي الأمراء. الهيلمان ده لفت نظر "أحمد بن طولون" جامد، لما شاف "ابن المدبر" وهو واقف في استقباله وسط ال 100 حارس. أول ما "أحمد بن المدبر" قابل "أحمد بن طولون"، جابله هدية ضخمة بحوالي 10 آلاف دينار، لكن المفاجأة إن "ابن طولون" رفضها، حاجة مش متعود تحصل من أي والي قبله.

"ابن المدبر" كان مصدوم، وراح قايل للكاتب بتاعه يكتب للخلافة في سامرا عشان يبلغهم خطورة وجود واحد زي "ابن طولون" مكانه مش في مصر، مفروض يبقى مكانه قريب من قلب الدولة أو حواليها، لأنه شخصية مخيفة وغريبة عن المعتاد. لما الكاتب سأله ليه؟ قاله لما واحد يرفض 10 آلاف دينار، يبقى ده شخص مش طماع وده صعب الحكومة تتحكم فيه.

"أحمد بن طولون" بعقليته العسكرية والسياسية الجبارة، فهم "ابن المدبر"، وفهم معني رسالته اللي كان عاوز يوصلهاله بهيلمانه وهديته، ده واحد مسيطر بشكل مرعب، ومتعود يسيطر على كل والي أو نائب يجيله، يأكله قرشين جنبه في اليومين اللي مقضيهم، يأمن بيهم مستقبله ويمشي، انما "أحمد بن طولون"  كان عنده تفكير مختلف، وكان لازم يرمي بياضه عشان ويقدم حركة أقوى من حركة "ابن المدبر". بعت "بن طولون" ل"ابن المدبر" وقاله أنا عايز الـ 100 حارس اللي فرحان بيهم معاك في كل حتة دول، هما ألزم لي. طبعا "ابن المدبر" مقدرش يرفض، دي أوامر نائب الوالي وهو طلع ولا نزل حيالة مسئول الخراج، فاضطر يتنازل عنهم، وده خلاه يخسر جزء كبير من سلطته ومظهر العظمة اللي كان عايش فيه.

"ابن المدبر" بعد ما قدم الحرس ل"أبن طولون"، بقى لا علي حامي ولا علي بارد، "أبن طولون" ردهاله في نص الجبهة صح.  قعد "ابن المدبر" مع كتابه وقاله مش قلتلك "ابن طولون" ده حاجة تانية، مش همه الفلوس ولا الهدايا، همه الناس اللي تقدر تدعمه وتدافع عنه. وفعلا "ابن طولون" كان عارف كويس إزاي يبني قوته مش بالمظاهر، لكن بالرجال اللي وراه. وهنا نقدر نستنتج أن "أحمد بن المدبر" كان من الذكاء أنه قدر يقرأ "أحمد بن طولون" كويس، ويفهم دماغه ونواياه من أول لحظة شافه فيها.

"أحمد بن المدبر" كان أصله فارسي، وبدأ حياته في الدولة أيام الخليفة "الواثق بالله"، وكان شاطر جدا في شغل المالية، لدرجة إنه اتعين عامل على الخراج في حمص سنة 240 هجرية. وبعدها بسنين وصل مصر واستلم خراجها، لكنه أتسبب في تغيير أحوال المصريين للأسوأ.

"ابن المدبر" كان عايش بهدفين، يجمع فلوس لنفسه، ويقدم هدايا كبيرة للحكومة في سامرا عشان يفضل في مكانه. عشان كده اخترع ضرايب جديدة ما كانتش موجودة قبل كده، زي ضريبة "المراعي" على العشب اللي بتاكله البهائم، وضريبة "المصايد" على اللي بيستخرجوه من البحر. كمان حط إيده على كربونات الصوديوم، اللي الناس كانت بتستخدمها بحرية، واحتكرها لنفسه.

مش بس كده "ابن المدبر" قسم ضرائب مصر لنوعين، ضرائب شهرية سماها "الهلالية" أو "المرافق والمعاون"، وكانت بتتجمع من كل حاجة حرفيا. الطريقة دي خلت الناس تعيش في بؤس شديد، وكانت النتيجة إن الغلابة في مصر ما قدروش يستحملوا. قامت ثورات في الإسكندرية، وشرقي الدلتا، والجيزة، بس "ابن المدبر" قضى عليها كلها بكل وحشية ودموية. كل ده استمر لحد ما "أحمد بن طولون" استلم مالية مصر، وبدأ يمسح الظلم ده، وألغى كتير من الضرائب اللي اخترعها "ابن المدبر"، ودي كانت خطوة بداية لتغيير حقيقي في حياة المصريين تحت حكم "ابن طولون".

من اللحظة اللي ظهر فيها "أحمد بن طولون" في الصورة، بدأ صراع شديد بينه وبين "أحمد بن المدبر". بس الغريب إن الخناقة دي ما كانتش وجها لوجه، يعني مكنش فيه تضارب في القرارات مثلا أو أي نوع من التحدي في مصر، كانت عبارة عن حرب جواسيس ودسائس من تحت الترابيزة في سامرا العاصمة العباسية. وكل واحد فيهم كان بيحاول يكسب عمال وجنود الحكومة المركزية لصالحه، لحد ما انتهى الأمر بفوز "أحمد بن طولون" في النهاية.

في نفس الوقت ده، كان وضع الدولة العباسية بيتدهور. الأقاليم الشرقية كانت بتنفلت من قبضتهم واحدة ورا التانية. لدرجة إن العاصمة نفسها، سامرا، ما كانتش آمنة من هجوم الجند المتمردين. ووسط كل الفوضى دي، ظهرت الدولة الصفارية سنة 253 هجرية.

مؤسس الدولة الصفارية كان "يعقوب بن ليث الصفار"، اللي نشأ في سجستان واشتغل في البداية صانع نحاس ودهب مع أخوه "عمرو". بس الطموح قلب حياته رأسا على عقب لما احترف القتال والجهاد، خصوصا ضد الخوارج. ومع الوقت، جمع حواليه ناس بتدعمه وتدين له بالولاء. والوالي العباسي أعجب بيه، وعينه قائد جنده. "يعقوب" استغل انشغال العباسيين بحروب الزنج - اللي مصير "أحمد بن طولون" كان متعلق بيها زي ما هنحكي بعدين - وبدأ يتوسع، استولى على أجزاء من فارس وخراسان وطبرستان وغيرها، وأعلن دولته الصفارية. بس الخليفة العباسي رفض يعترف بالدولة دي، وكان شايفها تمرد واضح. وفي نفس السياق، كانت فيه الدولة السامانية - اللي كنا حكينا عنها قبل كده في الجزء الاول - بس دي كانت زي إقطاعية بمباركة الخليفة نفسه.

نرجع لسامرا، كانت هناك كارثة تانية. الجنود الترك اللي كانوا مسيطرين على الأمور في العاصمة عملوا شغب كبير. الخليفة "المعتز بالله" حاول يجيب دعم من "الأمير الطاهري" من خراسان، بس الجنود الترك لعبوا لعبتهم وأجبروا "المعتز بالله" على إبعاد "الأمير الطاهري". الأمور ساءت أكتر، الجنود الترك طالبوا "المعتز بالله" بأموال ما قدرش يدفعها. وهنا ضربوه وعذبوه، وفضلوا يضغطوا عليه لحد ما تنازل عن العرش، وفي الآخر قتلوه سنة 255 هجرية / 869 ميلادية.

بعده جه الخليفة "محمد المهتدي بالله" (218 - 256 هجرية / 833 - 870 ميلادية) واللي كان راجل عدل وتقي، قال عنه المؤرخ والإمام "جلال الدين السيوطي": (وكان المهتدي ورعا، متعبدا، عادلا، قويا في أمر الله، بطلا شجاعا، لكنه لم يجد ناصرا ولا معينا). وقال عنه المؤرخ والإمام "شمس الدين الذهبي": (إنه من أحسن أهل زمانه). حاول الخليفة "المهتدي بالله" يتخلص من نفوذ الترك. بس للأسف، ما قدرش يقف قصادهم. عذبوه بنفس الطريقة اللي عذبوا بيها "المعتز"، وأجبروه يتنازل عن العرش، وقتلوه بطريقة بشعة بعد تقطيع أطرافه سنة 256 هجرية.

كانت سامرا وقتها زي بركان شغال، وكل ده فتح الباب أكتر ل"أحمد بن طولون" عشان يثبت رجله ويبدأ رحلته اللي هنكملها المرة الجاية.
(يتبع)
مروة طلعت 
28/11/2024
الجزء الأول
https://www.facebook.com/share/p/15S5pbGhCy/
الجزء الثاني 
https://www.facebook.com/share/p/19YH9rSbEb/
الجزء التالت
https://www.facebook.com/share/p/1G6MQJ8jPA/
الجزء الرابع
https://www.facebook.com/share/p/19fGndQh69/
الجزء الخامس
https://www.facebook.com/share/p/1Ax7r7wwx1/
#عايمة_في_بحر_الكتب
#الحكاواتية
#بتاعة_حواديت_تاريخ
#أحمد_بن_طولون
#القطائع
#السيرة_الطولونية
المصادر:
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج2 ـ إبن تغري بردي.
الخطط المقريزية ج2 - المقريزي.
سير أعلام النبلاء الطبقة 15 - الامام الذهبي.
الطولونيون دراسة لمصر الاسلامية في نهاية القرن التاسع الميلادي - دكتور ذكي محمد حسن.
أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية - دكتور عبد العزيز سالم.
تاريخ مصر في عهد أحمد بن طولون - محمد كرد علي.
سيرة أحمد بن طولون - أبو محمد عبد الله محمد المديني البلوي.
أحمد بن طولون - دكتورة سيدة إسماعيل كاشف.
البداية والنهاية ج14 - ابن كثير.
مروج الدهب ومعادن الجوهر ج4 - المسعودي.
تاريخ الطبري ج9 - الامام الطبري.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الليث بن سعد 5

الليث بن سعد

الليث بن سعد 6